مسجد "الرسول الأعظم" في إحدى المناطق السياحية المعروفة داخل العاصمة العُمانية مسقط- تعبيرية
مسجد "الرسول الأعظم" في إحدى المناطق السياحية المعروفة داخل العاصمة العُمانية مسقط- تعبيرية

لأكثر من 10 ساعات استمر الهجوم الدموي في محيط مسجد "الإمام علي" بمنطقة "الوادي الكبير" في العاصمة العُمانية مسقط، بين ليل الاثنين وصباح الثلاثاء الماضيين.

وجاء عشية إحياء الشيعة حول العالم "يوم عاشوراء"، حيث يستذكرون في فعالياته  مقتل الإمام الحسين في معركة كربلاء عام 680.

أسفر الهجوم عن مقتل ستة أشخاص، أربعة باكستانيين وهندي وشرطي عُماني، إضافة إلى ثلاثة مهاجمين، كما أصيب نحو 28 آخرين بجروح.

تبنى تنظيم داعش العملية في السلطنة الخليجية الهادئة التي لم يسبق أن شهدت مثل هذه الهجمات من قبل، بخلاف دول مجاورة.

وخلافا لبقية دول الخليج التي يحكمها السُّنة، تتبع عُمان المذهب الإباضي، ولكن لديها عدد كبير من السكان السنّة وأقلية شيعية صغيرة، إلا أنها مؤثرة. فماذا نعرف عن شيعة عُمان وأبرز القبائل العُمانية المحسوبة عليهم؟ وما هو وضعهم الحقوقي والاجتماعي والسياسي كأقلية دينية في البلاد؟

 

التاريخ والأصل

يشير الباحث محمد صادق إسماعيل في كتابه "حقوق عربية ضائعة: قراءة في قضايا اجتماعية معاصرة" إلى الصعوبات الكبيرة التي تواجه الباحثين الراغبين في التعرف على تاريخ التشيّع الإمامي في سلطنة عُمان.

وعلى الرغم من قِدم هذا الوجود إلا أنه لم يحظ باهتمام المؤرخين، بحسب إسماعيل، قائلاً "الشخص الذي يريد أن يبحث في تاريخ شيعة عُمان عليه أن يقوم بالرجوع إلى الكثير من المصادر للوصول إلى المعلومات الصحيحة والدقيقة، لأن تاريخ عُمان قد دُوّن على المذاهب الأخرى غير المذهب الشيعي...".

ومن الممكن تحديد البدايات الأولى للحضور الشيعي في عُمان بالعقد الثالث من القرن الأول الهجري. في تلك الفترة، خاض الإمام علي بن أبي طالب عدداً من الحروب ضد الخارجين على سلطته بعدما تولى الخلافة، وفق ما يذكر شبر بن شرف بن علي الموسوي في كتابه "الطائفة الإمامية في عُمان: التاريخ والأدب والتجديد".

يضيف "جيش الإمام علي شهد حضوراً كثيفاً من جانب قبائل الأزد العمانية. حارب أفراد القبيلة بجوار الخليفة الرابع، وحافظوا على ولائهم له عقب وفاته. وظهر ذلك في مساندتهم المستمرة للإمامين الحسن والحسين بن علي على الترتيب".

في القرون الأولى من الهجرة، اشتهرت العديد من الشخصيات العمانية التي اعتنقت التشيّع الإمامي. منهم على سبيل المثال، اللغوي الشهير الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي وصفه محسن الأمين في كتابه "أعيان الشيعة" بقوله "كان أفضل الناس في الأدب، وقوله حجةٌ فيه، واخترع علم العروض، وفضله أشهر من أن يُذكر...".

ومنهم أيضاً، الفقيه المعروف ابن أبي عُقيل العماني، الذي امتدحه رجل الدين العراقي المعاصر محمد مهدي بحر العلوم في كتابه "الفوائد الرجالية" فقال إنه "أول من هذب الفقه واستعمل النظر، وقسّم البحث عن الأصول والفروع في ابتداء الغيبة الكبرى...".

ورغم غلبة المذهب الإباضي على معظم نواحي عُمان، إلا أن الوجود الشيعي ظل قائماً في العديد من المدن والقرى على مرّ القرون.

 

التوزيع الديموغرافي

في الوقت الحالي، يُقدّر عدد أتباع الشيعة الإمامية في عُمان بنحو 100 ألف نسمة من إجمالي عدد السكان الذي يبلغ مليونين و330 ألف نسمة، منهم مليون و800 مواطن عُماني.

يتحدث وضاح الهاشمي، الباحث العماني في تاريخ المذاهب لـ"ارفع صوتك" عن توزيع الطائفة الشيعية داخل عمان.

ويشرح أنهم ينتظمون في عدد من القبائل، هي: "البحارنة" وهم الشيعة العرب، و"الموسويون" وهم من الأشراف العلويين من ذرية موسى الكاظم بن جعفر الصادق، و"العجم" ترجع أصولهم إلى إيران خصوصاً مناطق الساحل الإيراني، ويعيشون منذ قرون في مسقط ومنطقة مطرح وفي منطقة الباطنة أيضاً بينما يعيش القليل منهم في مسندم ومدينة صور الساحلية. كذلك، تعرف عُمان قبائل "اللواتية" الشيعية التي هاجرت من عُمان في زمن الفتوحات الإسلامية إلى السند والهند وبعدها رجعت إلى عُمان مرة.

يضيف الهاشمي "كانت قبائل اللواتية تعتنق التشيع الإسماعيلي الأغاخاني في أول الأمر. ثم تحولت في القرن التاسع عشر الميلادي إلى المذهب الإمامي الإثني عشري".

في كتابها "الموجز في تاريخ سلطنة عمان القديم والحديث"، تلقي الباحثة شيرين إسماعيل أحمد الضوء على المكانة المُعتبرة التي حظي بها العديد من الشيعة داخل السلطنة في العقود الأخيرة.

وتبيّن أن "اللواتية شغلوا مناصب حكومية ممتازة. على سبيل المثال عُين مقبول بن علي بن سلطان وزيراً للتجارة والصناعة عام 1993، وعُين محمد بن موسى اليوسف وزير دولة لشؤون التنمية في 1994. كما عُينت راجحة بنت عبد الأمير اللواتي، كأول امرأة عُمانية في منصب وكيل وزارة الشؤون التخطيط في مجلس التنمية، قبل أن تشغل منصب وزير السياحة في فترة لاحقة. بالإضافة لخديجة بنت حسن اللواتي، التي كانت أول امرأة تشغل منصب سفير، عندما عُينت كسفيرة لسلطنة عُمان لدى هولندا".

كذلك، تذكر أحمد، أن "البحارنة أيضاً شغلوا مراتب محترمة في المجتمع العُماني. ساعدهم في ذلك تميزهم في مجالات العمل الحر والتجارة، مثل عائلة درويش التي تملك شركة محسن حيدر درويش، وتُعدّ من العائلات الثرية في السلطنة".

"وكان للبحارنة نفوذ سياسي واسع لا سيما أنهم يشغلون مواقع مهمة في الديوان السلطاني، منهم الدكتور عاصم الجمالي، أول وزير للصحة في 1970، الذي تولى لفترة وجيزة رئاسة الوزراء بالوكالة" تتابع أحمد.

 

نموذج التعايش 

على العكس من حالة التضييق التي تعاني منها معظم الأقليات الشيعية في الدول الخليجية، يتمتع شيعة عُمان بهامش واسع من التسامح وحرية ممارسة طقوسهم وشعائرهم.

يعترف شبر الموسوي بهذا التسامح، فيؤكد في كتابه أن الشيعة في عُمان "يحظون باستقلالية تامة في إدارة شؤون مذهبهم. وتبدو مظاهر تلك الاستقلالية في بناء وتشييد العديد من المساجد الخاصة بهم، وإنشاء وتسيير المؤسسات الخيرية، مثل (صناديق القرض الحسن)، و(مساعدة الأيتام)، و(أبناء السبيل)، بالإضافة لإدارة الأوقاف الجعفرية والمأتم والحسينيات".

"لهذا نجد أن مساجد أتباع أهل البيت وحسينياتهم تتوزع على العديد من المحافظات والمدن والقرى التي يقطنونها. يُمارسون شعائرهم فيها بكل حرية وطمأنينة. وفي مسقط لوحدها عددها 21؛ كما أن هناك العديد من المساجد في الباطنة، من أشهرها مسجد الإمام علي بن أبي طالب في المصنعة، ومسجد الفيروز في الخابورة..."، بحسب الموسوي.

من جهته، يؤكد وضاح الهاشمي على ذلك، مردفاً أن "عموم الشيعية العمانيين يتمتعون بكافة حقوقهم كمواطنين في السلطنة. فيتولون مختلف الوظائف الحكومية، ويتشاركون مع السنة والإباضية في كافة الحقوق والواجبات دون تمييز أو تفرقة في المعاملة".

ويقول "حتى أن الشيعة يتزاوجون من أهل المذاهب الأخرى دون حساسية تُذكر. ويخوضون المنافسات الانتخابية للوصول لمقاعد مجلس الشورى دون الحاجة للحصول على حصة انتخابية -كوتا- مخصصة لهم، كما هو الوضع في العديد من الدول الأخرى".

وهناك العديد من الشواهد الدّالة على انعقاد حالة فريدة من التسامح المذهبي داخل عُمان. ففي نوفمبر 2022، شهدت مسقط افتتاح جامع "السلام الكبير" على مساحة تزيد عن 13 ألف متر مربع بما يجعله أكبر جامع للمسلمين الشيعة في السلطنة.

حضر ذلك الافتتاح العديد من رموز وعلماء السنة والإباضية، ولم يجدوا بأساً في الصلاة بجوار الشيعة، وهو أمر يخالف الصورة النمطية الشائعة عن حالة الاحتقان المذهبي السائدة في معظم الدول العربية.

في السياق نفسه، تم توثيق العديد من حالات التعايش السلمي الهادئ بين الشيعة العُمانيين من جهة وأصحاب المذاهب المخالفة من جهة أخرى. على سبيل المثال، اشتهر مقطع فيديو  لحفل زفاف لعريس سني وعروس شيعية المذهب، فيما تولى العقد مفتي الإباضية في عُُمان.

ونَشرت بعض الصفحات على موقع "إكس" قيام بعض السنة والإباضية بمشاركة الشيعة العمانيين طقوسهم بمناسبة ذكرى مقتل الإمام الحسين في شهر محرم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

شيخ أيزيدي خلال عملية دفن جماعية لرفات بعض من ضحايا قرية كوجو في قضاء سنجار، في 6 فبراير 2021. وأعيدت حينها بقايا 104 من سكان كوجو الذين قتلهم تنظيم داعش لدفنهم في القرية.
شيخ أيزيدي خلال عملية دفن جماعية لرفات بعض من ضحايا قرية كوجو في قضاء سنجار- تعبيرية

"تعترض طريق عودتنا إلى سنجار مجموعة من العوائق، منها عدم الاستقرار الأمني والدمار ونقص الخدمات الأساسية"، تقول النازحة العراقية الأيزيدية أميرة بشار.

وعقب مرور 10 سنوات على وقوع الإبادة الجماعية بحق الأقلية الدينية من قبل تنظيم داعش، ما زال إقليم كردستان شمال العراق يحتضن 15 مخيماً للنازحين الأيزيديين، تتوزع بين محافظة دهوك وإدارة زاخو.

في خضم العوائق التي ذكرتها أميرة، قررت عائلتها العودة، فقدمت طلباً لإثبات رغبتها بالعودة الطوعية، وهو شرط أساسي وضعته وزارة الهجرة والمهجرين العراقية على النازحين العائدين، مقابل حصولهم على المنحة التي تقدمها الوزارة وتبلغ قيمتها 4 ملايين دينار عراقي (2500 دولار أميركي) لكل عائلة عائدة من مخيمات النزوح إلى مناطقها في سنجار، يُسلم المبلغ على شكل صكوك للعائدين.

تقول أميرة لـ"ارفع صوتك": "مع أننا نستعد للعودة إلى منطقتنا والخروج من المخيم، لكن الشعور بالضياع ما زال يرافقنا ويرافق الكثيرين من أقراننا. لا نعلم كيف سنتصرف عند العودة، لأن منزلنا مدمر جزئياً ولا يمكنه أن يأوينا".

"وهذه مشكلة كافة العائدين ومنهم من دمرت منازلهم بالكامل. وهناك نقص كبير في الدعم الحكومي والتعويضات، في الوقت ذاته لا توجد فرص عمل"، بحسب أميرة.

مصير المخيمات

في يناير هذا العام، قررت الحكومة العراقية تحديد 30 يوليو (أمس) موعداً لإغلاق مخيمات النازحين في البلاد والإعادة الطوعية لمناطقهم ضمن خطتها لإنهاء ملف النزوح، إلا أن ذلك لم يحصل.

في هذا الشأن، يقول مدير مكتب وزارة الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك، بير ديان جعفر، لـ"ارفع صوتك"، إن القرار "تم تأجيله إلى إشعار آخر".

يعني ذلك أن إدارة المخيمات ستستمر في عملها، وفق جعفر، لافتاً إلى أن عملية عودة النازحين إلى سنجار متوقفة حالياً، بالتزامن مع إجراء مفاوضات بين الإقليم والحكومة الاتحادية حول آلية إعادتهم.

وتشير إحصائيات مكتب وزارة الهجرة والمهجرين في دهوك لوجود أكثر من 25 ألف عائلة داخل مخيمات النزوح، وأكثر من 37 ألف عائلة نازحة خارج المخيمات، فيما يبلغ العدد الكلي للنازحين الأيزيديين في محافظة دهوك 337 ألف نازح.

تعليقاً على ذلك، يرى الناشط الأيزيدي فيصل علي أن قرار إغلاق مخيمات النازحين الأيزيديين في الأساس كان "ضغطاً حكومياً لإعادتهم إلى سنجار وإنهاء ملف النزوح، في وقت لم يعد النازحون يمتلكون منازل تأويهم في سنجار وباتوا بلا وظائف وأعمال".

"كيف سيعيشون؟ وأين سيسكنون" يتساءل علي، مُعتبراً أن "لا أحد يهتم بالأيزيديين لأنهم أصبحوا فقراء".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "فقدنا الثقة والأمل بالحكومة العراقية وخطواتها، نعيش أوضاعا صعبة منذ 10 سنوات، وهذه الأوضاع وصلت إلى حد أصبح فيه أغلب الأيزيديين يبيعون ما تبقى لديهم من ممتلكات ذات قيمة من أجل السفر خارج العراق، سواء بطريقة قانونية أو غير قانونية، المهم هو النجاة من هذه الأوضاع".

وتشير إحصائيات حصل عليها "ارفع صوتك" من منظمة "بتريكور" لحقوق الإنسان، وهي منظمة محلية عراقية، إلى هجرة أكثر من 130 ألف أيزيدي خارج العراق منذ سنة 2014.

إنقاذ المختطفين

لم تتوقف خلال السنوات الماضية عمليات إنقاذ وتحرير المختطفات والمختطفين الأيزيديين، الذين اختطفهم تنظيم داعش عقب سيطرته على سنجار.

وقدر مكتب إنقاذ المختطفين الأيزيديين التابع لرئاسة إقليم كردستان، منذ سنوات، عدد المختطفين بـ6417 أيزيدياً غالبيتهم من النساء والأطفال. أما الناجون حتى الآن ذكوراً وإناثاً، فعددهم 3576، بينما لا يزال هناك 2600 أيزيدي وأيزيدية في عداد المفقودين.

الإبادة الأيزيدية
مؤسسة تركمانية تساعد المشمولين بقانون الناجيات في التقديم لنيل التعويضات
تواصل فرق مؤسسة "إنقاذ التركمان" العراقية تنفيذ مبادرتها التطوعية لدعم الناجيات والناجين من قبضة تنظيم داعش، المشمولين بأحكام قانون الناجيات الأيزيديات، عبر مساعدتهم في عملية التقديم لنيل التعويضات الخاصة بهم.

التعويضات

يبقى أبرزُ مطلب حققه للأيزيديون خلال السنوات الماضية هو إقرار قانون "الناجيات الأيزيديات"، الذي صادق عليه البرلمان العراقي في مارس 2021، وتمخض عنه تأسيس المديرية العامة لشؤون الناجيات التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وهي معنية بتقديم الدعم المادي والمعنوي للناجيات والناجين من الأيزيديين والتركمان والشبك والمسيحيين.

وينص القانون على معالجة الناجيات والناجين من الأضرار والآثار السلبية التي خلفتها جرائم داعش، ومنح الناجيات وكافة المشمولين بأحكام القانون الحقوق اللازمة، وإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع وتعويضهم ماديا، ومنع الجرائم التي تعرضوا لها من أن تتكرر مستقبلاً، بالإضافة لتخصيص رواتب تقاعدية لهم مع توفير قطعة أرض، وتعليمهم ومنحهم حصة من وظائف القطاع العام.

لكن عدم وجود تخصيصات مالية للمديرية أسفر عن تأخير تطبيق القانون إلى العام الماضي 2023، الذي شهد المباشرة بتسجيل الناجيات والناجين والتحقق من ملفاتهم بهدف تعويضهم.

من جهتها، تقول المديرة العامة لشؤون الناجيات سراب إلياس إن عدد المشمولين بالرواتب الشهرية من المكونات الأربعة وصل حتى الآن 2041 مستفيدا، فيما بلغ عدد المعاملات المنجزة على مدى عام كامل 2000 معاملة من معاملات الناجيات والناجين بشكل كامل.

وتوضح لـ"ارفع صوتك": "بعد إثبات شمول الناجية والناجي بالقانون يخصص له راتب شهري مقداره 800 ألف دينار عراقي. وقد وزعت المديرية ضمن الوجبة الأولى من الأراضي 262 قطعة أرض على الناجيات في قضاء سنجار وتلعفر، وسيحصلن خلال الفترة المقبلة على قروض لبناء بيوت عليها".