عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم
عشرات الإيزيديين فروا من إقليم كردستان العراق إلى سنجار بعد "خطابات كراهية" ضدهم

الحرة- ضياء عودة- دفعت "زوبعة منظمة" كما وصفها نشطاء حقوق إنسان وسياسي سابق، العشرات من العائلات الإيزيدية المقيمة في كردستان العراق للفرار إلى سنجار، وهي أرضهم الأم التي تعرضوا فيه للإبادة على يد تنظيم داعش في مثل هذا الشهر من عام 2014.

وقال الناشط الإيزيدي والمدافع عن حقوق الإنسان، فرهاد علي لموقع "الحرة" إنه ومنذ أمس الخميس غادرت أكثر من 700 عائلة إيزيدية كردستان العراق، "بسبب خطابات الكراهية التي صدرت من بعض رجال الدين في الإقليم".

وأوضح أن خطاب "رجال الدين" تسبب في حالة خوف وهلع بين الناس، مشيرا إلى "وضع صعب يشمل الإيزيديين المقيمين في المخيمات في إقليم كردستان وسنجار".

"العائلات لا تعرف ماذا تفعل ويريد أفرادها إيقاف (الزوبعة) الحاصلة وعدم بث خطاب الكراهية، والحفاظ على التآخي والتعايش بين جميع المكونات العراقية"، كما يتابع علي.

ونشر الناشط عدة تسجيلات مصورة عبر موقع التواصل "إكس" توثّق حركات الفرار باتجاه سنجار.  

ويضيف الناشط الإيزيدي مراد إسماعيل أن "خطابات الكراهية" التي دفعت العائلات الإيزيدية للفرار جاءت في أعقاب التصريحات الأخيرة لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، والتي أطلقها في ذكرى الإبادة التي نفذها تنظيم داعش.  

 

 

وقال في تغريدة عبر "إكس": "من المقلق كيف أن أفعال أو تصريحات أي فرد إيزيدي تؤدي إلى لوم المجتمع الإيزيدي بأكمله وتجريده من الإنسانية وتكفيره".

من جانبها، نفت السلطات الأمنية والإدارية في محافظتي دهوك وزاخو الأنباء التي تحدثت عن هروب نازحين من مخيمات الإيزيديين خوفا من انتقام متطرفين إسلاميين عقب تصريحات ششو، وفقا لمصادر الحرة.

 

ما قصة التصريحات؟

"خطاب الكراهية" الذي انتشر ضد أبناء المجتمع الإيزيدي في العراق جاء بعد حديث مصّور تناقله مستخدمون عبر مواقع التواصل لقائد قوات سنجار، قاسم ششو، واتهم على إثره بالإساءة للنبي محمد والتحريض على الحرب بين الديانات.  

ونشروا تسجيلا مصورا مقتطعا عبر مواقع التواصل، ولم يتأكد موقع "الحرة" مما جاء فيه وما قاله ششو بالتحديد.

ورغم التوضيح الذي نشره القيادي الإيزيدي وتداولته وسائل إعلام لم تتوقف الحالة الخاصة ببث خطاب الكراهية ضد الإيزيديين، كما قال نشطاء حقوق الإنسان الذين تحدث معهم موقع "الحرة".  

وجاء في بيان قائد قوات سنجار أنه لم يقصد الإساءة إلى الإسلام أو المسلمين أو النبي محمد، وأضاف أنه أراد التذكير بأنه "مادام المتطرفون موجودون فإن الاعتداءات ضد الإيزيديين سوف تستمر".

وفي غضون ذلك أصدر "المجتمع الإيزيدي" بيانا، الجمعة، أوضح فيه أنه "تم استخدام جملة من كلام (ششو) عن الإبادات دون أن يكون قاصدا النبي محمد ولا الإساءة إلى شخصه الكريم".

وأضاف البيان: "ولم تكن العبارة تعبر عن موقفه ولا موقف المجتمع الإيزيدي ولا الديانة الإيزيدية المبنية على احترام الشعوب والعقائد"، مؤكدا على التوضيح الذي نشره ششو، وأن "كلماته كانت تستهدف المجاميع الإرهابية التي قامت بالإساءة للدين الإسلامي الحنيف أكثر من الإساءة إلى غيره".

واعتبر "المجتمع الإيزيدي" أن ما وصفهم بـ"أطراف الإسلام السياسي ومنابرهم الإعلامية تقوم على وسائل التواصل بتأجيج المشاعر الدينية للإخوة المسلمين، متحججين بكلمات غير مقصودة تم تفسيرها بشكل غير صحيح لقائد قوات سنجار".

وأشار إلى "حملة منظمة عبر مواقع التواصل للتحريض على قتل الإيزيديين، وهم الذين يعانون منذ سنوات طويلة من التكفير ولا يوفر المتطرفون جهدا إلا ويستغلونه لتهديد أبناء شعبنا المسالم"، وفق البيان.

وتابع في الختام: "نوجه أنظار الحكومة العراقية وحكومة الإقليم والمجتمع الدولي إلى خطورة الوضع والمخاوف لدى المواطنين الإيزيديين العزل، وبشكل خاص المقيمين في مخيمات النزوح".

 

"مذكرة قبض وردود"

وذكرت وسائل إعلام عراقية أن محكمة استئناف نينوى أصدرت مذكرة قبض بحق قائد قوات سنجار، بتهمة الإساءة للنبي محمد و"التحريض على حرب بين الديانات".

المادة القانونية المنطبقة على التهمة هي رقم (195) من قانون العقوبات العراقي، كما جاء في المذكرة، التي لم تشر إلى صاحب الدعوى.

ونقل موقع قناة "روداو" عن  حيدر ششو، ابن شقيق قاسم ششو قوله إنه يعتقد بأن تصريحات عمه عن النبي محمد قد أسيء تفسيرها، مشيرا إلى أنه "تمت المبالغة في هذه المسألة رغم توضيحاتنا".

وأضاف أن الهدف من تأجيج الموضوع هو يهدف "خلط الأمور"، لافتا إلى أن الموالين لداعش قاموا باستغلالها، كما حذّر من أنه وفي حال الاستمرار بذلك فسوف يتخذون موقفا، مردفا: "الذين يعارضوننا اليوم لم يقولوا شيئا عن كل الانتهاكات التي ارتكبت بحقنا".

لكن في المقابل صدّرت عدة إدانات للحديث الذي أطلقه ششو، والذي اعتبر "مسيئا للنبي محمد".

وكان أبرزها من جمال الضاري الأمين العام للمشروع الوطني في العراق، إذ قال عبر "إكس": "ندين بأشد العبارات قيام المدعو قاسم ششو بالإساءة لرسولنا الكريم محمد  وللدين الإسلامي الحنيف، مستغلا ذكرى جريمة الإبادة الايزيدية لتمرير أجندته الخبيثة".

وأضاف الضاري: "وفي الوقت الذي نؤكد فيه رفضنا وإدانتنا لجرائم تنظيم داعش الإرهابي والتي لا تمت لتعاليم الاسلام، نطالب الحكومة العراقية وجميع القوى السياسية بالتصدي بحزم لهذه الإساءات".

كما طالب بـ"تقديم المحرضين والمسيئين إلى العدالة ليكونوا عبرة، لكل من يحاول بث الفرقة والإساءة للأديان والرسل والرموز الدينية المقدسة".

ولم يصدر أي بيان رسمي حتى الآن من الحكومة العراقية أو حكومة إقليم كردستان العراق.  

ومن جهته أشار الناشط الحقوقي الإيزيدي مراد إسماعيل إلى "آلاف خطابات الكراهية والمنشورات والتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي، التي انتشرت خلال الأيام الماضية".

وقال إسماعيل إن ما سبق يحدث "في ظل صمت المؤسسات الأمنية والقضائية".

وأوضح أن "مئات العائلات الإيزيدية تسارع الآن إلى مغادرة مخيمات النازحين نتيجة لخطاب الكراهية والتهديدات من المتطرفين في أعقاب تصريحات ششو".  

كما أضاف أن "الحكومة العراقية وحكومة كردستان لديهما المسؤولية القانونية لملاحقة هؤلاء المتطرفين الذين ينشرون الكراهية ضد الإيزيديين في المنتديات العامة ويحرضون على العنف ضدهم".

 

"في ذكرى الإبادة"

وسنجار، وهي منطقة جبلية في شمال غرب العراق، موطن لخليط من السكان الأكراد والعرب، والإيزيديين هم أقلية إثنية ودينية يتحدثون الكردية.

وفي أغسطس 2014، اجتاح تنظيم "داعش" جبل سنجار وقتل عناصره أعدادا كبيرة من هذه الأقلية واحتجزوا آلافا من النساء الفتيات واتخذوهن سبايا.

وفيما خطف أكثر من 6400 منهم، أُنقذ حوالي نصفهم أو تمكنوا من الفرار، بينما لايزال مصير الآخرين مجهولا.

وبعد ثلاث سنوات من الاجتياح، أعلن العراق عام 2017 الانتصار على التنظيم الذي ترك خلفه أكثر من 200 مقبرة جماعية يرجح أنها تضم حوالي 12 ألف جثة، وفقا للأمم المتحدة.

وتقول منظمة "هيومن رايتس ووتش" إن 80 في المئة من البنية التحتية و70 في المئة من بلدة سنجار، أكبر مدينة في القضاء، دمر خلال النزاع ضد تنظيم "داعش" بين 2014 و2017.  

ووفقا للمنظمة الدولية للهجرة، لا يزال حوالي 183 ألف شخص من سنجار نازحين، وهذا يشمل 85 في المئة من السكان الأيزيديين في القضاء.  

في الوقت الحالي، تستضيف 65 في المئة من البلدات والمدن في سنجار نصف سكانها الأصليين أو أقل، بينما لم تشهد 13 بلدة أي عودة على الإطلاق منذ 2014.

وبعد 10 سنوات من اجتياح "داعش"، لاتزال سنجار غير آمنة وتفتقر إلى الخدمات.  

ووفقا لوزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، تستضيف المخيمات الـ23 المنتشرة في الإقليم حاليا حوالي 157 ألف شخص، كثيرون منهم من سنجار.

"زوبعة منظّمة"

ويقول النائب السابق في البرلمان الكردستاني، عبدالسلام البرواري إنه "يوجد تشويه وتصعيد مقصود تجاه الإيزيديين في المخيمات، وخاصة بعد بدء خطوات تنفيذ قرار الحكومة العراقية بإغلاق المعسكرات وضرورة عودة النازحين لأماكنهم".

وتتزامن حالة التشويه أيضا مع "وجود رغبات في تنفيذ اتفاقية سنجار"، على حد اعتقاد البرواري.  

ويضيف لموقع "الحرة" أن "قاسم ششو صرّح بأنه لم يقل ذلك نصا (الإساءة للنبي محمد) وأن كلامه تم تشويهه، بينما تولت مجموعة من القنوات لفرض واضح الترويج للحديث المشوه ولخلق جو عدائي".

ومع ذلك أصدر الزعماء الحقوقيون من المجتمع الإيزيدي ووزارة الأوقاف والجهات الأخرى بيانات رسمية، وأكدت فيها على "ثقافة التعايش وقبول الآخر في كردستان العراق".

ويعتقد البرواري أن "الموضوع عبارة عن زوبعة منظّمة وستنتهي".

ويشير إلى أن كثير من العائلات التي تفر من المخيمات باتجاه سنجار "قد تتعرض للأذية".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Youths from the Druze minority weep at a makeshift memorial for 12 children and teens killed in a rocket strike on a soccer…
شابان من الأقلية الدرزية يبكيان أقرباءهما وأصدقاءهما من الأطفال الذين قتلوا نتيجة الصاروخ الذي سقط على ملعب كرة قدم

منذ أيام تعرضت قرية "مجدل شمس" الدرزية في مرتفعات الجولان إلى قصف صاروخي أودى بحياة 12 فرداً من بينهم أطفال، فضلاً عن إصابة العشرات بجروح.

"حزب الله" اللبناني الذي يخوض اشتباكات مستمرة مع إسرائيل منذ الثامن من أكتوبر 2023، نفى علاقته بالهجوم، إلا أن تل أبيب لم تقبل هذا الادعاء وأكدت أن الميليشيا الشيعية تقف وراء الهجوم وتوعّدت بالرد.

أعاد هذا الحادث إلى الواجهة النقاش حول حياة الدروز في المناطق التي تسيطر إسرائيل عليها، والعلاقة التاريخية الإشكالية بين هذه الطائفة الأقلّية ودولة إسرائيل.

في ديسمبر 2020 قدّر شوكت غرز الدين في بحثه "الموحدون الدروز في سورية من 1920 إلى 2020" إجمالي أعداد الدروز في العالم بـ1.5 مليون فرد تركز أكثر من 40% منهم في سوريا فيما توزّع الباقون على لبنان والأراضي الفلسطينية وإسرائيل والأردن.

 

"تحالف أبناء شعيب وموسى"

حينما تصاعد الصراع على فلسطين في بداية القرن العشرين اتخذ الدروز مواقف متباينة منه. بحسب بحث "الدروز الفلسطينيون" لعزالدين المناصرة فإن بعض الدروز انتصروا للعرب وشاركوا كجنود في جيش الإنقاذ الفلسطيني الذي تأسس لمواجهة العصابات الصهيونية. خاض الفيلق الدرزي معارك عديدة ضد اليهود مات فيها أكثر من 200 درزي.

في المقابل يكشف نبيه بشير في بحثه "تشكيل هوية أقليات متصهينة: الحالة الدرزية في إسرائيل" أن شطراً كبيراً من الدروز لم يشاركوا في ثورة البراق 1929 ولا ثورة 1936 بعدما اعتبروهما صراعاً دينياً بين المسلمين واليهود لا علاقة للدروز بها، ويؤكد بشير أن بعضًا من شيوخ الدروز اجتمعوا واتفقوا على الوقوف على الحياد.

بحسب بشير فإن "الدروز المحايدين" لفتوا انتباه الوكالة اليهودية في فلسطين فسعوا لدراسة حياتهم وتاريخهم أملاً في استقطابهم لصالحهم، وبالفعل بدأت قيادات صهيونية كثيرة التقرّب إلى الزعماء الدروز في هذه المرحلة المبكرة من الصراع.

عمل في الوكالة اليهودية إسحاق بن تسفي الذي سيُصبح لاحقاً ثاني رئيس لإسرائيل. إبان عمله بالوكالة أعدَّ دراسة بعنوان "القرى الدرزية في إسرائيل" اعتبر فيها الدروز أكثر أقليات منطقة الشرق الأوسط قُرباً إلى اليهود لأنهم "كاليهود لا فاصل عندهم بين القومية والدين، وايضاً عاشوا موزعين بين شعوب غريبة دون وحدة جغرافية تجمعهم أو دولة تضمهم".

وقد استندت السردية الإسرائيلية إلى بعض ما روته القصص الدينية عن زواج النبي موسى من ابنة النبي شعيب الذي يقدسه الدروز، ما اعتُبر نقطة ارتكاز قوية لتأسيس ما سيُطلقون عليه لاحقاً بـ"حلف الدم" بين الطائفتين.

على الجانب الآخر فإن عدداً من الجماعات العربية غضبت من موقف الدروز السلبي خلال ثورة 1936 فبادر عددٌ منهم إلى الهجوم على القرى الدرزية وقتل بعض قادتها، الأمر الذي أثار الرعب في نفوس بعض الشباب الدرزي فقرروا التعاون مع العصابات الصهيونية ضد الجيوش العربية، من أبرز الأمثلة على ذلك هو الشيخ حسن خنيفس الذي قتله مسلحون مسلمون عام 1939 فتعاون ابنه صلاح مع الهاجاناه وجرى انتخابه في الكنيست لدورتين متتاليتين.

بحسب كتاب "الدروز في الدولة اليهودية: تاريخ موجز" للمؤرخ الدرزي قيس فرو، فإنه خلافاً لأكثر من 750 ألف فلسطيني اضطروا لترك ديارهم خوفاً من الحرب فإن الدروز لم يخرجوا من ديارهم وقبلوا بالخضوع للسيطرة الإسرائيلية لتكون بداية عُزلتهم عن أبناء طائفتهم في لبنان وسوريا.

بحسب فرو فإن عدد الدروز حينها بلغ 13 ألف نسمة بينما يقول المناصرة في بحثه إنه في 1949 بلغ عدد سكان القرى الدرزية 26994 درزياً.

بعد رفعه في تظاهرات السويداء.. ماذا تعني الألوان الخمسة في علم الدروز؟
أثار علم طائفة الموحدين الدروز، المؤلف من ألوان طولية خمسة هي الأحمر والأخضر والأصفر والأزرق والأبيض، والذي تصدّر الكثير من تظاهرات السويداء الأخيرة، الكثير من الجدل حول ماهيته، سواء في الداخل السوري أو على مواقع التواصل الاجتماعي.

ما بعد حرب 1948

يشير فرو إلى إن الإسرائيليين، عقب انتصارهم بالحرب، اهتموا بعزل الدروز عن محيطهم الإقليمي لتحويلهم إلى "عرب طيبين" أصدقاء لإسرائيل في مواجهة "العرب الأشرار" الذين يرفضون وجودها، لذا اهتمّت تل أبيب بهم لتظهر للعالم أن الدولة اليهودية ترحّب بجميع الأقليات داخل أراضيها.

لم تُضع إسرائيل وقتاً وبدأت سريعاً في مساعيها لجذب الدروز إليها وبعد الحرب مباشرة سمحت لهم وحدهم بحصد محاصيل حقولهم فيما مُنع بقية العرب من ذلك.

بعدها سمحت إسرائيل للدروز بالانضمام إلى "وحدة الأقليات" في جيشها كمتطوعين، بلغ قوامها، 400 درزي و100 شركسي في العام 1949، قررت إسرائيل فتح الباب لتشكيل وحدة مماثلة في الشرطة.

في 1956 -في عهد الرئيس بن تسفي- سنّت إسرائيل قانون التجنيد الإلزامي الذي نصّ على تجنيد الشباب الدرزي إجبارياً، الأمر الذي أثار احتجاجات واسعة بين الدروز واعتبروه يشكل حرجاً لهم مع باقي الدروز في سوريا ولبنان فنظّموا تظاهرات وأرسلوا إلى الدولة الإسرائيلية مئات الرسائل الاحتجاجية. وصل عدد الشباب رافضي التجنيد إلى 78% الأمر الذي دفع السلطات الإسرائيلية إلى تهديد المتخلفين بالسجن، وأصرت إسرائيل على المضي في تجنيدهم ليكونوا الأقلية العربية الوحيدة الممثلة في الجيش والقوى الأمنية الإسرائيلية حتى اليوم.

في 1957 فصلت السلطات الإسرائيلية مؤسسات الدروز الدينية عن المسلمين وأصبحت لهم قوانينهم الشرعية الخاصة بهم، وفي العام نفسه كان المنتسبون من الدروز إلى "وحدة الأقليات" في الجيش 187 فرداً فقط، وجرى تكليف بعضهم بتنفيذ مهام أمنية في غزة، بحسب بحث "تأثير التطورات السورية في الواقع الدرزي داخل الخط الأخضر"، والذي أعدّه الباحث فرو.

بمرور الوقت وقلة فرص العمل المتاحة بسبب تدهور أحوال الزراعة، تزايد إقبال الدروز على الالتحاق بالأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

بحسب فرو، تبنّت السُلطات الإسرائيلية نهجاً مدروساً لكسب ودِّ الدروز فدعمت الاستخبارات الإسرائيلية المتعاطفين معها من أبناء الطائفة الدرزية. كما أجريت، كما يقول فرو تعديلات في النظام التعليمي "لغرس الترابط الإسرائيلي الدرزي في عقول الأطفال عبر وضع كتب خاصة لهم أو تخصيص مدارس درزية لا يختلطون فيها بالعرب".

أيضاً أولت إسرائيل عناية كبيرة بمزار النبي شعيب المُقدّس عند الدروز وجعلت أحد أيام زيارته عيداً رسمياً.

وفي 1960 بدأت وزارة الداخلية الإسرائيلية إصدار بطاقات هوية حملت اسم "درزي" بدلاً من "عربي" تعزيزاً لخططها اعتبارهم قومية منفصلة عن محيطها الإقليمي. أيضأ استمرت سياسة تجنيد الدروز في الجيش والشرطة الإسرائيليين، وبحسب تعبير موظف حكومي إسرائيلي وقتها فإن تجنيدهم هدَف إلى جعلهم "نصل السكين الحاد لطعن الوحدة العربية في الظهر"، حسبما ذكر فرو في كتابه.

تقول هدى رزق في بحثها "الدروز: التشتّت والهوية"، إن الدروز "حوّلوا وجودهم في الجيش إلى قوة ضغط على السُلطات الإسرائيلية، وذلك بأنهم مقابل الولاء العسكري والسياسي كانوا يطالبون بعطاءات سياسية واجتماعية واقتصادية".

وضع الدروز في صفوف القتال الأولى تسبّب في إشعال الخلافات بينهم وبين المسلمين، ففي يوليو 2017 قتل شباب مسلمون جنوديين إسرائيليين كانا يتمترسان أمام المسجد الأقصى، اتضح لاحقاً أنهما الدرزيين كميل شنان وهايل ستاوي. نتيجة لهذا الحادث وقعت اشتباكات بين الطرفين في الجليل.

هذا السيناريو تكرّر في أحداث أكتوبر بعدما سقط أحد الجنود الدروز ضحية لهجمات حماس على المستوطنات بعدها شارك الدروز ضمن وحداتهم بالجيش الإسرائيلي في الحرب على غزة.

 

الجولان ما قبل 1967

عاشت منطقة الجولان في سوريا أوضاعاً مضطربة منذ الانتداب الفرنسي على الشام الذي شهد إقامة دولة درزية مستقلة لعدة سنوات انتهت مع إعلان قيام الجمهورية السورية التي ضمّت إلى أراضيها الأقسام التي اقتطعتها السُلطات الفرنسية منها بدعوى تحويلها إلى دولٍ مستقلة، بحسب رزق.

فور قيام الدولة السورية وقع صدام سريع بين شكري القوتلي رئيس الجمهورية وآل الأطرش بسبب تعاظم نفوذهم بالجبل ورغبتهم في الحفاظ على استقلالهم، وقعت معارك بين الطرفين أسفرت عن إحراق عدد من القرى.

تكرر الأمر على نحوٍ أعنف في زمن الرئيس أديب الشيشكلي بعدما اتهامه الدروز بالتعاون مع الإسرائيليين وتلقي أسلحة منهم. أرسل الشيشكلي المدرعات إلى الجبل وقصف المدنيين بالطائرات، بعدها اضطر إلى التخلي عن منصبه والهجرة إلى البرازيل حيث اغتاله شاب درزي انتقاماً من عملياته العسكرية ضد قومه.

في العام 1966 دبّر الضابط الدرزي سليم حاطوم محاولة فاشلة للانقلاب على الضابطين صلاح جديد وحافظ الأسد، نتيجة إخفاق هذه المحاولة أقصي عدد كبير من الضباط الدروز من الجيش.

حافظ الكثير من دروز الجولان على روابط وثيقة مع دمشق
الواقع السوري يدفع مزيدا من دروز الجولان نحو الجنسية الإسرائيلية
بعد مرور نحو أربعة عقود منذ ضمّ إسرائيل لمرتفعات الجولان، حافظ السكان الدروز على هوياتهم وأساليب عيشهم السورية، ورفضوا الاندماج في إسرائيل، وأبقوا على روابط قوية بدمشق، لكن الوضع يسير نحو التغيّر وفق تقرير صحفي إسرائيلي.

الجنسية الإسرائيلية

بحسب بحث "السوريون في الجولان المحتل: بين الثورة والنظام والاحتلال" لمنير فخر الدين، فإن استيلاء إسرائيل على هضبة الجولان بعد حرب 1967 أحدث تحولاً ديموغرافياً في تركيبة سكانها.

فبعدما زاد عدد سكان الجولان عن 130 ألف نسمة قبل الحرب عاشوا في 135 قرية، وتنوّعت هوياتهم الاجتماعية والدينية بين عرب وتركمان وشركس وغيرهم، هرب أغلبهم ولم يبقَ إلا 20 ألف فرد أغلبهم من الدروز. بحسب تقديرات فخر الدين، يعيش نصف هؤلاء في قرية مجدل شمس، فيما يتمركز الباقون في قرى بقعاثا ومسعدة وعين قنيا.

عاش هؤلاء الدروز حتى اليوم إلى جانب آلاف الإسرائيليين ذوي الأصول الروسية الذين أقامت لهم إسرائيل قرابة 30 مستوطنة في الجولان.

بعد خضوع الجولان لها تجنّبت تل أبيب الدخول في صدام مع الدروز وسمحت للزعامات المحلية بممارسة دورها ومنحت بعضهم بعض الامتيازات مقابل الولاء للحُكم الجديد. وبعد ضمن الجولان إلى إسرائيل، ودمجها في نظام المجالس المحلية الإسرائيلية، أعطت إسرائيل للدروز الإقامة الدائمة وفتحت الباب أمامهم للتقدم لنيل الجنسية الإسرائيلية. ومع ذلك، لم يتقدم سوى 20 في المئة من سكان مجدل شمس للحصول على الجنسية الإسرائيلية حتى عام 2018.

عند اشتعال الاحتجاجات الشعبية ضد نظام بشار الأسد 2011 أعرب عدد من سكان القرى الدرزية في الجولان عن تأييد الأسد، ودعا بعضهم حكومة بنيمين نتنياهو، بما يملكونه من حظوة لديها، للتدخل ودعمه حتى لا يسقط نظامه.