In this Aug. 6, 1945 photo released by the U.S. Army, a mushroom cloud billows about one hour after a nuclear bomb was…
تعددت النبوءات بنهاية العالم في كل حقبة، وكانت دائمة الحضور في التراث الديني والمعتقدات الغيبية المختلفة.

قبل ثلاثة عقود، في عام 1992، خرج فيلسوف أمريكي ليعلن للعالم "نهاية التاريخ". حدث ذلك مباشرة بعد انهيار المنظومة الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفياتي، وانتهاء ما سمي بالحرب الباردة. 

بنى هذا الفيلسوف، الياباني الأصل، أطروحته على أساس أن النموذج المثالي الذي أثبت وجاهته الفكرية والإنسانية اقتصاديا هو النظام الرأسمالي الليبرالي. ثم بشر بسقوط عصر الإيديولوجيات.  

إثرها قام مفكرون بدحض هذه النظرية، بل لم يتردد البعض في تسفيهها، بالكشف عن كون "الياباني المتأمرك" هو واحد من سدنة معسكر "المحافظين الجدد" في أمريكا.  

إجمالا، يمكن القول إنه لم يتم الانتباه بعمق، أو الوقوف طويلا عند "نبوءة" هذا الفيلسوف السياسي، الذي لم يقرأ كثيرون مؤلفه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، رغم ترجماته المتعددة، بل منهم من لا يعرف سوى اسمه، وهو فرانسيس فوكوياما. ليظل الأمر محصورا في نطاق النخب والمهتمين، حيث أثارت أطروحته المدهشة جدلا واسعا بينهم في الأوساط الثقافية. 

أما اليوم، فقد وصل من ينبئنا بنهاية العالم. وليس نهاية التاريخ فحسب. 

تعددت النبوءات بنهاية العالم في كل حقبة، وكانت دائمة الحضور في التراث الديني والمعتقدات الغيبية المختلفة. ولأنها تدخل في مجال استشراف المستقبل، فقد التصقت غالبا بالمنجمين وبالسحرة، قبل الكهنة ورجال الدين. فجميع الأديان السماوية تجمع على وجود "عالم آخر" بعد فناء هذا العالم، يبدأ بموعد من أسمائه "يوم الميعاد"، و"يوم الساعة"، و"يوم الحساب" و"يوم البعث" و"يوم الحشر"، و"القيامة". يوم يتم فيه إيقاظ الموتى وإحياؤهم بغاية محاسبتهم على ما فعلوه وقاموا به في الدنيا من سيئات وحسنات، من رجحت كفة حسناته سينال الجنة ونعائمها، ومن رجحت سيئاته سيدخل جهنم "وبئس المصير". 

فالإنسان كائنٌ فانٍ، والدنيا فانية وزائلة، "ولا يبقى إلا وجه ربك ذو الجلال والإكرام (قرآن). 

في الديانة العبرية والنصوص المقدسة الإسلامية نعثر على قصص وحكايات عن نهاية العالم و"قيام الساعة"، ولها علامات تؤشر على التنبؤ بقربها، منها ظهور "المسيح الدجال"، و"يأجوج ومأجوج"، ولدى الشيعة عودة "المهدي المنتظر". 

لكن موضوع " الساعة" ودنو أجل "القيامة" لم يبق في العصر الحديث موضوعا غيبيا، متروكا للسحرة والكهنة والمنجمين، أو للكتب السماوية والأديان، بل صار ضمن العلوم القائمة الذات، ومنها علم "دراسة مخاطر الوجود". كما صارت من اختصاص علماء الذرة في الجامعات والمختبرات العالمية، بالولايات المتحدة الأمريكية على الأخص.  

منذ اختراع القنابل الذرية وبناء المفاعلات النووية، يجري السهر باستمرار على تطوير التكنولوجيات المدمرة بسرعة فائقة ومذهلة، ومما يتداول بهذا الشأن، أنهم توصلوا إلى صنع قنبلة واحدة تفجيرُها بإمكانه محو مدينة بالكامل. لقد أصبحت عقارب "الساعة" تسمع دقاتها وتلمس حقيقتها فعلا، بعدما تلازمت حركاتها مع حركات عقارب السلاح النووي، وصارت المخاطر الكارثية التي تهدد الوجود البشري حقيقة ماثلة، لا خرافة من نسج السحرة والمنجمين، بل بات السحرة الفعليون هم علماء الذرة، وصار الكهنة هم الفرق العلمية والعسكرية والصناعية المختصة في خلق التجارب النووية، وبعضها من شأنه إحراق الغلاف الجوي للأرض في دقائق معدودة. 

*** 

أمام التلفزيون، جلستُ أتابع تطورات الحرب الروسية في أوكرانيا، أتنقل بالريموت كنترول بين قناة وأخرى، وبرامج القنوات أمست برنامجا واحدا مخصصا لموضوع الحرب. عندما توقفت عند قناة قسمت شاشتها إلى ثمانية أجزاء بين مراسليها الحربيين في جبهات القتال بالشرق الأوروبي، فجأة اختفى المراسلون وتوحدت الشاشة لتمتلىء بعبارة بالبنط العريض: "الاستعداد لنهاية العالم". 

 لم أصدق ما رأت عيناي، بل إني في الوهلة الأولى قرأتها هكذا: "الاستعداد لنهاية كأس العالم"، خاصة وأني من أنصار كرة القدم، أتابع أهم مبارياتها، كما أترقب تنظيم "المونديال" الذي سيحتضنه لأول مرة في التاريخ بلد عربي، ولا تفصلنا عنه سوى أشهر. 

بعد التدخل الروسي في أوكرانيا تلقت موسكو جملة من العقوبات الاقتصادية وغير الاقتصادية، من ضمنها قرار "الفيفا" المنظمة الأممية لكرة القدم، مقاطعة جميع الأنشطة الخاصة بهذه الرياضة في روسيا. فلم تعد الرياضة، كما عهدنا في السابق، شأن بعيد عن السياسة. 

 وجاء الرد سريعا من مواطن مغربي، يبدو من لهجته وطريقة كلامه أنه قروي، وذلك في تسجيل صوتي متداول على الواتساب والفيس بوك، وقد تولى الرد على قرار "الفيفا" مكان الرئيس بوتين، قال المواطن القروي بأسلوبه الساخر: "لقد أجابهم بوتين بما يلي: حتى يبقى العالم، ساعتها تعالوا لننظم "كأس العالم"... ويضيف بعد أن سخر من الرئيس الأوكراني ومن الغرب: "لقد ضحك منهم بوتين لما سألهم: وأين هو العالم أولا، ليكون هناك "كأس العالم"؟".  

*** 

مع اندلاع الحرب الروسية، هدد الرئيس بوتين بإمكانية لجوئه إلى استعمال السلاح النووي. الجميع ساوره القلق الشديد من مخاطر رعونة هذا الفعل الأهوج، آخرون رأوا في تهديداته مجرد تخويف لفظي ليس غير. لكن مخابرات "السي أي إيه" الأمريكية، تكون، ولا شك، درست بعمق وتفصيل، شخصية فيلادمير بوتين ونفسيته، هو ومن معه، ومن الأكيد أن لديها "الملف السري" الذي يحتوي على معطيات دقيقة حول مدى احتمالات لجوء الرئيس الروسي لاستخدام سلاح الدمار الشامل. لذلك يبقى قرار الحفاظ على سلامة العالم بيد هؤلاء الأمريكيين، أكثر مما هو بيد رجل مصاب باضطرابات البارانويا وبأعراض هتلرية، رجل يمكن أن تكون آخر كلماته، في لحظة يأس قاتلة، هي: "علي وعلى أعدائي". 

*** 

يذهب آخرون، من المؤمنين بما يطلق عليه "نظرية المؤامرة"، إلى أن مستقبل العالم مهدد بصورة أكثر مما يمكن التشكيك فيها. ويضيفون إن نشر جائحة كورونا في العالم كانت بداية حرب بيولوجية، تدخل ضمن المؤامرة العالمية الكبرى، التي تلتها مباشرة عملية إشعال الحرب في أوكرانيا. كما يتجاوزون في تحليلاتهم انعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمي وندرة الطاقة والمجاعة التي تهدد كل أطراف الدنيا، بأن العالم منذ القدم مر بسلسلة من الكوارث والأوبئة والمجاعات، لكنه ظل هو العالم الذي نعرفه، ونهض الناس بعدها بكامل الإرادة والعزيمة والعناد ليستكملوا صنع الحياة، ولينشدوا سبل السلم. 

 لكن لم تكن هناك أسلحة دمار شامل كما هي الحال عليه اليوم.  

في كل الأحداث الكارثية السابقة التي مر منها العالم ظل الفناء مؤجلا، ولو كانت بيد هتلر وأمثاله ترسانة نووية لما ترددوا في استخدامها. 

*** 

سبق للخبراء المتخصصين في "علم دراسات مخاطر البشرية" أن تكلموا عن احتمالات البقاء البشري على هذا الكوكب. ومنهم عالم الكونيات والفلك البريطاني مارتن ريس، الذي صرح في بداية الألفية الجديدة (2003)، أنه يعتقد أن "الحياة على الأرض حتى نهاية القرن الحالي لا تتجاوز خمسين في المئة".  

وفي سياق تقلبات السياسة والدبلوماسية والصراعات الدولية، تابعنا كيف كانت الأنظار في الأعوام الأخيرة متجهة صوب كوريا الشمالية ومنصات صواريخها النووية، وفي الفترة الحالية انشغلت الأخبار بأزمة التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، لكن الحرب الروسية في أوكرانيا كانت الأسبق. 

الحرب العالمية الثالثة إذا انتشرت شرارتها  فبعدها لن تقوم للعالم سوى "القيامة" أي النهاية.  

 القيامة بالباب. فمن سيؤجل دخولها وهي تتهيأ له من أوسع الأبواب، باب الحرب النووية المشرعة، من سيمنعها من إنهاء الكوكب وزواله بالمرة، لإسدال الستار بعد أن تتنافس الصواريخ ذات الرؤوس النووية لوضع عبارة "النهاية" أو "انتهت اللعبة" Gam over بحبرها القاتل.  

لا أحد يتمنى الفناء والدمار، أو "المحرقة النووية العالمية"، كما صورها كتاب الخيال العلمي ومخرجو أفلام السينما، ولا كما يحللها الآن خبراء عسكريون وسياسيون على الشاشات، فالإنسان بطبعه محب للحياة، وقد بذل في سبيل ذلك جهودا خارقة، في مجالات محاربة الإرهاب والتطرف، ومعالجة مشكلات المناخ العالمي وطبقة الأوزون والاحتباس الحراري من أجل تحسين الحياة على الكوكب. والجميع يردد مع شاعرنا العربي الفلسطيني محمود درويش: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة". 

 لكن هل الساسة والقادة العسكريون وصناع الأسلحة النووية يقرأون الشعر، وإذا قرأوه هل يفهمونه، وإذا فهموه فهل سيتركون فرص الحياة أمام محبيها لينعموا بها؟! 

من ينهي الحرب المضطرمة اليوم في أوكرانيا؟ ويغير كتابة السيناريو الصادم إلى "نهاية سعيدة". لأن جمهور العالم "عايز كده". 

أمام نهاية العالم صار أمر "نهاية التاريخ" التي أخبرنا عنها فوكوياما مسألة هينة. ولينته التاريخ وأب التاريخ، ولتعش البشرية. لكن، ما هو التاريخ إن لم يكن تاريخ البشر على هذه الأرض وهو ابنه وأبوه وجده؟! 

لقد أصبح العالم يحن اليوم إلى زمن "الحرب الباردة"، التي ولدت من رماد الحرب العالمية الثانية. ورغم ذلك ظل العالم خلال سنواتها وعقودها يبحث بلا كلل عن توطيد السلم وإقامة أسس السلام بلا  توقف. 

 لأجل هذا، لتكن النهاية مباراة في الكرة، لا نهاية العالم الكوكب.  

ففي الكرة حرب حضارية بديلة، هناك دفاع وهجوم وأجنحة ورأس حربة، وأنصار وخصوم.. هي لغة حرب أخرى ابتدعها البشر للحد من طباع العنف المتأصل، ولتشفي غليله في الصراع القتالي، ولترتقي به صوب مراتب التمدن ودرجات السمو الإنساني.  

من سيدفن إذن شرارة العدم في العدم؟ ليتابع الإنسان طريقه نحو تغيير العالم، ويكمل سيره نحو دنيا الأمن والسلام، باتجاه الأحسن والأرقى والأجمل والأكثر إنسانية وعدالة، ذلكم التغيير الذي ما انفك الشعراء والفنانون والمكافحون يحلمون به عبر الأزمنة، في سعيهم لتخليص البشر من محنة البشر.  

أم أن العالم مصمم على السقوط نحو العدم، كما تكلم نعوم تشومسكي.

------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

المزيد من المقالات:

مواضيع ذات صلة:

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  
"هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  "

هي سنة تمضي وأخرى تأتي. بعد ساعات سيودع العالم سنة 2022 ليستقبل سنة 2023،  لكن ما الذي يتبدل أو يتغير يا ترى في دورة الأيام والزمن وفي حياة البشر؟  

 كالعادة، تبادر وسائل الإعلام على اختلافها إلى نشر جرد لحصيلة العام الذي "عبث وتولى" (التعبير للراحل المغدور لقمان سليم). وبالموازاة يتنافس الخبراء في علوم المستقبليات مع جماعات التكهنات من أهل التنجيم والبصَّارين والعرّافات، من أجل رسم صور تقريبية لملامح السنة الجديدة، صور غالبا ما تقدم لنا على شكل لوحات تمتح من سوريالية سلفادور الاسباني دالي، أو هي تكاد تشبه الوجوه المشوهة للرسام البريطاني فرانسيس بيكون، تقطر ألوانها بمزيج غامض، وتتدرج خطوطها بين أطياف قزحية من الإشراق إلى القتامة.  

يتبادل الجميع بتفاؤل زائد التهاني والمتمنيات والأماني مع الأنخاب، لعل السنة الجديدة تكون أرحم وألطف بهم من سابقتها. في حين تحمد الغالبية العلي القدير أن أوصلهم، بالرغم من كل شيء، إلى رصيف هذا اليوم السعيد، ورست بهم سفينة الأيام على شاطئ هذا التاريخ، فزادت أعمارهم عاما آخر على هذه الأرض. إذ ما يزال "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".  

هو الأمر ذاته الذي كرّروه في العام الذي مضى والأعوام التي سبقته. فماذا بالإمكان اقترافه غير تمني الخير (تَفَاءلُوا بِالخَيْرِ تَجِدُوهُ). ووقائع الزمن تفصح أن الناس لن يتوبوا عن اجتراح الحلم والاستبشار بالمستقبل، مهما تراكمت الخيبات واجتمعت عليهم، ومهما ساءت وصعبت الأحوال.. هو الإنسان جُبِل على التفاؤل، والمهم أن العالم في مكانه وأن الحياة باقية.. "وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَفي النَّاسِ الْمَسَرَّةُ". فما علينا سوى أن نصمت ونستمر في الإنصات بخشوع إلى نبض الحياة بين أضلعنا، وإلى الخلجات التي تسري في الأرواح والكائنات. 

***  

مختصر الكلام، يفرض علينا أن ننتقل إلى الحديث عما جرى مغربيا خلال العام الذي تنفرط لحظاته ويحتضر أمام أعيننا الآن؟ 

من دون عناء تفكير أو جهد، فإن أبرز عناوين عام 2022 في المغرب يمكن حصرها بين قوسي صورة الطفل ريان، غريق البئر في إحدى قرى الشمال المغربي. وصورة الإنجاز غير المسبوق الذي حققه منتخب الكرة المغربي في مونديال الكرة بقطر.  

الحدث الأول كارثي وعالي المأساوية وأشد حزناً، حصل في بداية العام، في الأسبوع الأول من شهر فبراير.  

والحدث الثاني حمل معه الكثير من الأفراح والآمال والابتهاج والاغتباط، وقد جرى قبل أيام، في آخر أشهر السنة (ديسمبر).  

مأساة الطفل ريان شدَّت معها أنفاس العالم، واستولت على الأعصاب وحكمت دقات القلوب. أما تألق المنتخب الوطني المغربي في كأس العالم، فاستطاع أن يهزّ العالم ويفرح شعوبا عربية وإفريقية، ناهيك عن المغاربة. وما بين حزن شديد وفرح جارف، يتمنى الجميع أن تكون خاتمة الأحزان أفراحا وبهجة دائمة.  

الحدثان معا أضاءا النقطة الملونة التي تشير إلى موقع المغرب على كوكب الأرض، بتصدر اسم المغرب بالانجليزية Morocco  محركات البحث، حيث حصل اسم "المغرب" على محرك البحث "غوغل" ذروة شعبية مميزة. وبينما تراجعت نسبة الاهتمام بالمغرب أياما قليلة بعد واقعة "مأساة ريان"، بسبب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في 24 فبراير 2022. نرى هذا الاهتمام يحظى اليوم بتزايد جلي بعد اختتام مونديال الكرة في قطر. اهتمام حاز امتدادا شعبيا واسعا ونال تعاطف المشاهير من أهل السياسة والأدب والفن والرياضة. من بينهم الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي خص جزءا من برنامجه لمشاهدة مباراة لمنتخب المغرب، ثم إشادته بما حققه "أسود الأطلس" بوصلهم المربع الذهبي، واصفا أداءهم الفني بالبطولي، وبكونه "يُولِّد شعوراً بالفخر".   

لقد أنسى تألق "أسود الأطلس" المواطنين في المغرب، ولو مؤقتا في أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، وجعلهم يفردون وقتا للفرح وللابتهاج على شرف لاعبي المنتخب المتحدرين من عائلات فقيرة وبسيطة، أغلبها من المهاجرين المقيمين بأوروبا. بهذا الصدد صرحت لنا امرأة أربعينية، تعمل حارسة بموقف السيارات في أحد شوارع الرباط، أنها جاءت مع بنتيها الصغيرتين من حي "القرية" بمدينة سلا إلى ساحة محطة القطار- بوسط العاصمة الرباط، كي تؤدين التحية لأعضاء المنتخب. وأضافت أنها أرادت أن تفرحهم "كما أفرحونا"، بالرغم من أن الحافلة المكشوفة التي تقلّ لاعبي الفريق الوطني مرّت من أمامهم بسرعة ولم تتوقف طويلا، "لكن الفرح الذي منحونا إياه لا ثمن له". 

نعم إنه فرح مؤقت، مثل المُسَكِّنِ الذي لا يُشْفي من وجع، لكن الناس تريد أن يقتدي المسؤولون في الحكومة والمؤسسات بالمدرب الوطني للمنتخب الشاب (وليد الركراكي)، الذي قام بالواجب بجدية والتزام، وآمن بكل مسؤولية بقدرات اللاعبين ومنحهم الثقة الواجبة، ورفع عبارات وكلمات صارت أقوالا وشعارات ومفاهيمَ وحكماً، لا يصلح تطبيقها في مجال الكرة والرياضة فقط. وأشهرها عبارة: (سِيرْ.. سِيرْ..)، التي تعني الحث على التقدم بثقة إلى الأمام والسير بوثوق من أجل تحقيق الهدف المتوخى والمنشود، لقد اختفت الحواجز في المزاج الشعبي ما بين الهزل والجد، عندما تمت المطالبة بأن يتم تعيين وليد الركراكي في رئاسة الحكومة بدل رجل الأعمال عزيز أخنوش، الذي تواجه سياسته وقراراته باستياء وسخط شعبي، تعبر عنه يوميا مواقع التواصل الاجتماعي بكامل الوضوح، وهي تنوب بذلك عن أعمدة الصحافة وافتتاحياتها المفترضة، وتلك حكاية أخرى تخص واقع الإعلام اليوم في المغرب، وهيمنة السلطات على الصحافة والمواقع الإلكترونية إلى مستوى جعل من تلك المنابر جوقة أحادية التوجه، لا تتقن غير معزوفات التزمير والتطبيل، وترديد أهازيج "قولوا العام زين"، وغيرها من المواويل التي تنتشر وتغذي نفسها.  

***  

ظهر وليد الركراكي في خرجاته الإعلامية كرجل حوار وتواصل بامتياز، تكلم بواقعية وأجاب بطلاقة على أسئلة الندوات الصحفية. بأسلوب وكلمات واضحة، وبلغات متعددة (العربية والعامية المغربية والفرنسية والانجليزية). ولوحظ أن المدرب المغربي أكثر من استعمال اللغة الحربية، ومنها تكراره للفظة "القتال والتقاتل من أجل الفوز". أليست "كرة القدم استعارة للحرب"؟ كما قال الصحافي والروائي الأوروغواني إدواردو غاليانو. 

وبعدما كان الافتراض أن الحرب الوحيدة والمشروعة في زمننا هي التي يجب أن يواجه فيها العالم شرور الفقر والجوع والمرض والأوبئة الفتاكة، تبين أن البشر رغم ما أنجزه من ارتقاء حضاري وتقدم تكنولوجي لا يزال بعيدا عن استحقاق وصف التحضر الحقيقي أو الرقي المدني، ما دام الإنسان في العصر الحالي مستمرا في اللجوء إلى السلاح لتسوية مشاكله بلغة القتال مع أخيه الإنسان، كما يحدث اليوم بأكثر من منطقة في العالم، الذي يشهد تزايد خطر انبعاث وتجدد الحرب الباردة باسم كسر الهيمنة الأحادية العالمية. 

بهذا الصدد نشير إلى أن المغرب، ضمن إطار التسابق مع الجزائر على التسليح، وعلى امتلاك الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، قام برفع ميزانية الدفاع في قانون المالية الخاص بسنة 2023 إلى مستوى يزيد عن الـ 120 مليار درهم. وبلغت ميزانية القوات المسلحة الملكية في قانون المالية 2023 أكثر من 17 مليار دولار. وإلى جانب اقتناء الأسلحة من الخارج، كشف مشروع قانون المالية الجديد عن توجه المغرب نحو تطوير الصناعات الدفاعية. 

***  

ليس في الوارد في هذه السطور القيام بتعداد ما جرى في المغرب خلال سنة 2022، ويمكن للقارئ نيل مبتغاه بعودة سريعة إلى المواقع والقنوات الإخبارية، لكننا نود بالمناسبة أن نتساءل مع المتسائلين ونطرح استفهاما أكثر شمولية، ملخصه في سؤال: إلى أين هو ذاهب هذا العالم بسكانه من بني البشر، فمسلسل التدمير متواصل لا تنتهي حلقاته، وكل سنة تجيء هي أصعب وأثقل من السنة التي مضت، والحروب لا تخبو جذوتها في منطقة إلا كي تشتعل من جديد في منطقة أخرى، ليظل شبحها ماثلا يهدد سكينة مواطني العالم، ويحول دون تحقيق التنمية والسلام والتنمية والازدهار.  

قديما قال المفكر الماركسي الروسي (الأوكراني) ليون تروتسكي: "قد لا تهتم بالحرب، لكن الحرب تهتم بك". والحرب الروسية - الأوكرانية وإن كانت تجري في رقعة جغرافية محددة فإن تداعياتها لحقت ومسّت كل أطراف العالم، كالشرر الحارق الذي يصل لهيبه إلى مجمل بقاع الدنيا، من خلال ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وصار يهدد الإنسانية بالموت جوعا وبالصقيع القاتل، وبتأبيد الفقر على الشعوب المستضعفة، إلى درجة صار الاعتقاد معها أن الفقر مرض وراثي ينتقل عبر الجينات، وليس واقعا قهريا وظلما مفروضا من المتحكمين الكبار برقاب ومصائر الفقراء شعوباً وأُمماً، من واضعي مخططات التجهيل والعنف، وزارعي النزاعات المسلحة واستراتيجيات الحروب في ثنايا وأوصال العالم، بغاية أن تظل عجلة آلام ومآسي "معذبو الأرض" تدور، كما وصف ذلك الثائر الأممي الطبيب والمفكر فرانز فانون. 

لذلك، فإن بيانات السنة الجديدة 2023 هي البيانات ذاتها للسنة التي تلفظ أنفاسها الآن، خاصة  فيما يتصل بتدهور وتفاقم الأوضاع. والمغرب ليس استثناء، شأنه في ذلك شأن باقي البلدان التي تكتفي برفع لافتة الديمقراطية وشعارات العدالة والمساواة والتحرر والدولة الاجتماعية وباقي القيم والمبادئ الكونية، لتستخدمها كأردية وأقنعة مسرحية، يتم التلفع به لتخلع بعد ختام العرض ونهاية الفرجة. 

وأمام علامات الجفاف الشاخصة وانقطاع المطر، وصمود واقع البطالة، ستستمر وتيرة الإضرابات والاحتجاجات، ولن يجد المدافعون عن الحريات وحقوق الإنسان أمامهم سوى المغالق والانسدادات وعلامات التشاؤم. أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية إذا ما استمر تجاهل تداركها بتجاوز سياسة التخطيط  القصير الأجل، أو ما يسميه المغاربة سياسة "كل نهار بأخيه"، فحتما ستستعصي ويتعذر مستقبلا العلاج، إذ أن الزّمن مُهْلِك، والأزمات والمشاكل تستنزف وتنخر وتبلي العظام وتحيلها إلى رميم. 

وتلك الأيام نداولها بين الناس، تداول بمعنى ومفهوم جديد: "يوم لك وباقي الأعوام عليك"، فإلى أين الملاذ وأين المفر؟ 

فكيف بالإمكان أن "نجعل من رماد الماضي مهداً يخرج منه طائر عنقاء جديد يحملنا على جناحيه نحو مستقبل أفضل". كما كتب مرّة المفكر الفرنسي- البلغاري تزفيتان تودوروف.