جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية في شمالي قطاع غزة
جنود إسرائيليون خلال عملية عسكرية في شمالي قطاع غزة

سلط تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، الأحد، الضوء على تفاصيل الأوضاع شمالي قطاع غزة، في ظل الحرب الدائرة ونزوح مئات آلاف المدنيين إلى جنوبي القطاع، البالغ عدد سكانه نحو 2.3 مليون نسمة.

وسمح الجيش الإسرائيلي لمجموعة صحفيين بالدخول إلى شمالي غزة لرصد الأوضاع على الأرض. وذكر مراسل "واشنطن بوست" أن الدخول إلى القطاع كان "كمن يعبر بوابة إلى الحرب"، حيث ملأ الحطام الشوارع والطرقات، والمباني كانت مهدمة.

وأضاف التقرير أن "الانفجارات كانت تدوي بانتظام، فيما كل بضعة أميال كانت رائحة الأجساد المتحللة الكريهة تظهر مع الغبار الذي يملأ الجو"، في وقت يُعتقد أن الآلاف لا يزالون مدفونين تحت الأنقاض.

وغادر مئات الآلاف من السكان نحو الجنوب، بحثا عن الأمان، ليبقى الصمت سائدا ولا يكسره سوى أصوات طلقات الأسلحة الآلية والقصف المكثف للدبابات الإسرائيلية، بحسب الصحيفة.

يذكر أن الحرب اندلعت إثر هجوم غير مسبوق لحركة حماس (المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى) على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر، أدى إلى مقتل نحو 1200 شخص غالبيتهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيليّة.

ومنذ ذلك الحين، توعدت إسرائيل بـ "القضاء على حماس" وتشن حملة قصف جوي ومدفعي كثيف، وبدأت عمليات برية اعتبارا من 27 أكتوبر، مما تسبب بمقتل نحو 13 ألف شخص في قطاع غزة، غالبيتهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، وفق سلطات القطاع الصحية.

ودخل الصحفيون قطاع غزة برفقة الجيش الإسرائيلي، لكن مراسل "واشنطن بوست" أشار إلى أن التقرير المنشور لم يطلع عليه الجيش الإسرائيلي قبل نشره.

وكانت وجهة الصحفيين هي مستشفى الشفاء، حيث تحاول إسرائيل "إظهار دليل" على أنها كانت تستخدم كقاعدة عسكرية لحماس، لكن أشار تقرير "واشنطن بوست" إلى أن الصحفيين "لم يُسمح لهم فقط سوى بإلقاء نظرة سريعة لا تتجاوز 60 ثانية على فتحة نفق، قال الجيش الإسرائيلي إنه اكتشفها داخل المستشفى".

ونشر الجيش الإسرائيلي مقطعا مصورا، الأحد، لما وصفه بأنه "نفق طوله 55 مترا، وعمقه 10 أمتار، حفره مسلحون فلسطينيون تحت مجمع الشفاء".

وبينما تعترف حماس بأن لديها شبكة طولها مئات الكيلومترات من الأنفاق السرية والمخابئ والفتحات في أنحاء القطاع الفلسطيني، فإنها تنفي أن تكون تلك الأنفاق موجودة في بنية تحتية مدنية مثل المستشفيات.

وكان فريق من منظمة الصحة العالمية قد زار، السبت، مستشفى الشفاء لتقييم الوضع، واصفا أكبر مجمع طبي في القطاع المحاصر بأنه "منطقة موت".

وأشار تقرير "واشنطن بوست" إلى أن حركة حماس "لم تتعرض لموكب الصحفيين الذي لم تفارقه قوات الجيش الإسرائيلي خلال 6 ساعات في القطاع".

"غزة أسفل غزة"

ونقلت الصحيفة عن ضابط بالجيش الإسرائيلي، قوله: "نسيطر بشكل كامل في بعض المناطق، بينما الأمر صعب في أخرى".

وذكر الضابط، في إشارة إلى شبكة الأنفاق في القطاع: "نعتقد أن هناك غزة أسفل غزة"، حيث وصفت تلك الشبكة بالمتاهة الضرورية لتكتيك حرب العصابات التي تتبعها حماس.

وأوضح للصحيفة: "يظهر الإرهابي من مبنى للقتال، ثم يختفي ليظهر من مبنى آخر".

وفي رحلة الخروج من القطاع، ذكر مراسل "واشنطن بوست" أن الضابط الإسرائيلي المرافق لهم، "أطلعهم على مقاطع فيديو على هاتفه، يظهر في أحدها مسلح من حماس يزرع متفجرات على دبابة إسرائيلية، مما أسفر عن مقتل جنديين".

ووصف الضابط الإسرائيلي "كيف يستخدم مسلحو حماس القذائف الصاروخية من الطوابق السفلية والعلوية للمباني السكنية في غزة، وكيف ترد على الفور القوات الإسرائيلية باستهداف مصدر تلك القذائف".

وحول كيفية حماية المدنيين في ظل هذه الحالة، قال الضابط الإسرائيلي للصحفيين، إنهم "طالما طالبوا سكان شمالي غزة بالمغادرة جنوبا، بجانب توفير ممرات آمنة لساعات محددة يوميا من أجل خروج المدنيين".

وواصل: "هذه منطقة حرب لم نكن نريد القدوم إليها، لكن حماس لم تترك لنا الخيار".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.