دخان يتصاعد بين مباني دمرتها الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة في 6 ديسمبر 2023
دخان يتصاعد بين مباني دمرتها الغارات الإسرائيلية على قطاع غزة في 6 ديسمبر 2023

ذكر موقع "بولتيكو" أن مسؤولي إدارة الرئيس الأميركي، جو بايدن، قد أمضوا أسابيع في صياغة خطة متعددة المراحل لمستقبل قطاع غزة ما بعد الحرب، تنتهي بسيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع في نهاية المطاف، بينما رفضت الخارجية الإسرائيلية التعليق على تلك التصورات.

وحسب "بولتيكو" فإن هذا الحل "غير مثالي"، لكن المسؤولين الأميركيين ينظرون إليه باعتباره أفضل الخيارات السيئة، بعدما أدت الحرب بين إسرائيل وحركة حماس، المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى، إلى تدمير البنية التحتية، وقتل الآلاف من الفلسطينيين وتشريد أكثر من 1.5 مليون آخرين. 

ووضع مسؤولون في وزارة الخارجية والبيت الأبيض وخارجها أجزاء من الاستراتيجية في أوراق موقف متعددة واجتماعات مشتركة بين الوكالات، منذ منتصف أكتوبر، وفقا لما نقله "بولتيكو" عن مسؤولين أميركيين ومسؤول في وزارة الخارجية ومسؤول في الإدارة مطلعين على المناقشات ولم تفصح عن أسمائهم.

وعلى الرغم من أن وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، ومسؤلين آخرين في الإدارة الأميركية أعلنوا علنا أن السلطة الفلسطينية "المعاد تنشيطها" يجب أن تدير غزة، إلا أنهم لم يكشفوا عن تفاصيل حول كيفية عمل ذلك.

وواجهوا بالفعل مقاومة من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، الذي استبعد فعليا أي دور مستقبلي للسلطة الفلسطينية في غزة. 

وقال مسؤول بوزارة الخارجية الأميركية "نحن عالقون، وهناك تفضيل سياسي قوي للسلطة الفلسطينية للعب دور حاكم في غزة، لكن لديها تحديات كبيرة على صعيد الشرعية والقدرات".

خطة متعددة المراحل

حسب "بولتيكو" فإن الرؤية الواسعة التي انبثقت عن المحادثات الداخلية هي إعادة إعمار غزة على مراحل متعددة بمجرد انتهاء القتال العنيف بين القوات الإسرائيلية وحماس. 

وستكون هناك حاجة إلى قوة دولية لتحقيق الاستقرار في المنطقة في أعقاب ذلك مباشرة، تليها سلطة فلسطينية متجددة تتولى السلطة على المدى الطويل.

وتشمل الأجزاء الرئيسية من الخطة زيادة المساعدات المتعلقة بالأمن التي يقدمها مكتب الشؤون الدولية لمكافحة المخدرات وإنفاذ القانون التابع لوزارة الخارجية للسلطة الفلسطينية والسماح بدور أكبر للمنسق الأمني الأميركي، الذي يتمتع بسجل حافل في تقديم المشورة لقوات الأمن الفلسطينية، حسبما قال المسؤولون..

وقال مسؤول كبير في إدارة بايدن: "في النهاية، نريد أن يكون لدينا هيكل أمني فلسطيني في غزة بعد الصراع".

وأكد المسؤولون أن الخطة المطروحة هي "أفكار وليدة وتخضع للعديد من المتغيرات التي لا يمكن التنبؤ بها"، بينما رفض متحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض التعليق.

عقبات عدة

حسب "بولتيكو" فإن أي استراتيجية تطرحها الولايات المتحدة ستواجه عقبات عدة، بما في ذلك الشكوك الإسرائيلية والإحباط العربي، على الرغم من أن اللاعبين والمحللين الإقليميين يتفقون بشكل عام على أن واشنطن ستحتاج إلى لعب دور حاسم في مرحلة ما بعد الحرب.

ولعل التحدي المباشر الأكثر صعوبة هو معرفة من الذي سيلعب دورا في تحقيق الاستقرار في غزة في المرحلة الانتقالية التي تلي القتال.

وقال مسؤول أميركي إنه "بينما بدت الدول العربية مترددة أو غير راغبة تماما في إرسال قوات لغزة، بدا البعض في المحادثات الأخيرة أكثر انفتاحا على الفكرة".

واستبعدت إدارة بايدن إرسال قوات أميركية، وإحدى الأفكار التي تم تداولها هي مطالبة دولة الإمارات بالمساعدة في إعادة بناء المرافق الصحية أو تدريب موظفي الخدمة المدنية.

وقال المسؤول الأميركي إن "الأمم المتحدة يمكن أن تلعب دورا في غزة في مرحلة ما بعد الحرب على الأقل على الجبهة الإنسانية".

ومن المرجح أن تلعب مصر المجاورة دورا رئيسيا في غزة ما بعد الحرب، واقتراح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بأن تكون الدولة الفلسطينية المستقبلية "منزوعة السلاح مع وجود أمني دولي مؤقت"، قد تردد في دوائر إدارة بايدن، بحسب "بولتيكو".

دولة فلسطينية "منزوعة السلاح".. ماذا تعني وما إمكانية تطبيقها؟
أثار حديث الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، عن "دولة فلسطينية مستقبلية منزوعة السلاح"، التساؤلات عن معنى هذا المفهوم، ومدى قبول إسرائيل والسلطة الفلسطينية لـ"المقترح"، بينما يكشف مسؤولون ومختصون لموقع "الحرة" مدى إمكانية تطبيق ذلك على أرض الواقع.

وقال مسؤول كبير في إدارة بايدن: "المجهول الكبير هو ما الذي سيبقى من حماس في غزة، وحتى لو كانت أعداد الجماعة منخفضة، فإن حصولهم على الأسلحة يمكن أن يغير بشكل كبير حسابات الدول التي تفكر في إرسال قوات".

والشيء الوحيد الذي تأمل الولايات المتحدة أن تراه هو إدانات أكثر وضوحا لحماس من قبل الحكام العرب، الذين يكره الكثير منهم سرا الجماعة المسلحة، ويرون أنها تشكل تهديدا محتملا لحكوماتهم. 

ويبدو أن المفتاح إلى إقناع العديد من الزعماء العرب بالتخطيط الجاد لمرحلة ما بعد الحرب هو التأكيد أن "إنشاء دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل هو الهدف النهائي".

وقال مسؤول بوزارة الخارجية إن المسؤولين الأميركيين مدفوعون إلى حد كبير بهذه النتيجة نفسها، لكن التخطيط في الوقت الحالي يركز على تحقيق الاستقرار في غزة. 

وأحد أسباب رفض الرئيس بايدن ومساعديه الدعوة إلى وقف طويل الأمد لإطلاق النار هو أنهم يدعمون الهدف الإسرائيلي المتمثل في تدمير حماس، التي تعتبرها واشنطن عقبة رئيسية أمام حل الدولتين.

وفي تصريحات سابقة لقناة "الحرة"، أكد المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، استعداد السلطة الفلسطينية لتولي المسؤولية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.

وأشار إلى أن السلطة الفلسطينية ترسل منذ 30 عاما كل احتياجات غزة من الكهرباء والماء والغاز، والصحة والتعليم.

وهناك 88 ألف موظف بين عامل ومتقاعد يتلقون معاشاتهم من ميزانية السلطة الفلسطينية"، وفق أبو ردينة.

وأضاف: "مستعدون لتولى مسؤولياتنا في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، كما اتفقنا في أوسلو ووفق الشرعية الدولية".

وفي عام 1993، وقعت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية على اتفاقيات أوسلو برعاية أميركية ودولية، كأساس يفضي إلى تطبيق حل الدولتين بعد الاتفاق على ما صار يعرف بـ" قضايا الحل النهائي".

وبموجب اتفاق أوسلو انسحبت إسرائيل جزئيا من مناطق في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتسلمت إدارتها السلطة الفلسطينية بقيادة، ياسر عرفات، الذي عاد إلى الأراضي الفلسطينية.

وفي حديثه لقناة "الحرة"، قال أبو ردينة: " لا علاقة لنا بما يجري بين حماس وإسرائيل"، مضيفا "نحن مسؤولين عن الشعب الفلسطيني في غزة".

وطالب بوقف "العدوان" وتمهيد الطريق لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، ليحكم غزة والضفة لغربية من ينجح في هذه الانتخابات، على حد تعبيره.

هل إسرائيل مستعدة لمناقشة "مستقبل غزة"؟

على الرغم من أن المسؤولين الأميركيين، بما في ذلك بايدن نفسه، يستخدمون كلمة "إعادة تنشيطها" لوصف آمالهم في وجود سلطة فلسطينية مستقبلية تدير غزة، إلا أن كلمات مثل "الإصلاح" أو "تجديدها" أو "إعادة الهيكلة" ربما تكون أكثر قابلية للتطبيق.

وردا على طلب "بولتيكو" للتعليق من الحكومة الإسرائيلية، قال مسؤول إسرائيلي، طلب عدم الكشف عن هويته لمناقشة قضية لا تزال قيد المراجعة، إن "الفجوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل أصغر بكثير مما تراه العين".

وقال المسؤول الإسرائيلي: "تتفق الإدارتان على أن السلطة الفلسطينية بشكلها الحالي لا يمكنها أن تحكم غزة".

وأضاف: "قد يكون الشخص الذي تم تنشيطه وإصلاحه قادرا على القيام بذلك.. لكننا لم نجري بعد مناقشات حول الشكل الذي يجب أن يبدو عليه هذا الإصلاح بالضبط".

ومع ذلك، ليس من الواضح ما هو مستوى التغيير في السلطة الفلسطينية الذي قد يرضي نتنياهو أو حلفائه السياسيين.

وقد دعا نتانياهو في بعض الأحيان إلى إنشاء هيكل حكم فلسطيني جديد في غزة، بينما اقترح أيضا أن يكون لإسرائيل نوع من السيطرة الأمنية العامة. 

ولم تكن تصريحاته متسقة دائما، لكنها لا تشير إلى انفتاح على حكم السلطة الفلسطينية المستقبلي في غزة.

وفي حديثه لموقع "الحرة"، رفض المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية، ليور حياة، الحديث عن رؤية عملية محددة تقبلها إسرائيل لمستقبل غزة.

وقال حياة لموقع "الحرة": "لا أحد يمكنه الحديث عن ذلك الآن".

وأضاف: "هذا ليس الوقت المناسب للحديث عما سيحدث لاحقا، وما زلنا نقاتل حماس ونحاول إطلاق سراح الرهائن".

ومن جانبه، قال المسؤول في الإدارة لـ"بولتيكو"، إن المسؤولين الأميركيين لم يحالفهم الحظ بقدر ما يرغبون في جعل القادة الإسرائيليين يناقشون بطريقة هادفة كيف ستبدو غزة بعد الحرب. 

ويشعر بعض المحللين والمسؤولين في واشنطن بالقلق من أن مجرد محاولة تحديد ما يعتبر نهاية للحرب سيصبح مع مرور الوقت "نقطة خلاف بين إسرائيل والولايات المتحدة".

وقال المسؤول في الإدارة الأميركية: "الإسرائيليون ليسوا في مزاج يسمح لهم بالحديث عن اليوم التالي".

وأضاف: "إنهم يركزون بشدة على اليوم، لذلك لم يكن هناك الكثير من الاهتمام هناك".

لكن موقع "أكسيوس" ذكر أن إسرائيل تبدي حاليا استعدادا أكبر لمناقشة الخطط والتصورات الخاصة بمستقبل غزة بعد الحرب، وفقا لما نقله عن مسؤولين أميركيين على دراية مباشرة بالمحادثات التي جرت، الأسبوع الجاري، بين الحكومة الإسرائيلية وإدارة الرئيس بايدن.

وأوضح الموقع أن فريق الرئيس بايدن كان يضغط على إسرائيل منذ المراحل الأولى من الحرب لوضع خطة لما سيحدث في غزة بعد الحرب

وقال المسؤولون الأميركيون للموقع إن الولايات المتحدة تريد تجنب فراغ الحكم والأمن في غزة بعد الحرب الذي قد يسمح لحماس بالعودة مرة أخرى.

ونقل الموقع عن مسؤول أميركي كبير قوله إنه في المحادثات التي جرت، الأسبوع الجاري، مع فيل غوردون، مستشار الأمن القومي لنائبة الرئيس الأميركي، كامالا هاريس، كان المسؤولون الإسرائيليون "مستعدون للحديث عن المستقبل" في غزة.

كما أعربت الإدارة الأميركية عن قلقها من أن إسرائيل قد تواصل عمليتها البرية العسكرية في جنوب غزة بالتكتيك نفسه كما فعلت في الجزء الشمالي من القطاع.

وقال المسؤولون الأميركيون لـ"أكسيوس" إن غوردون أطلع الإسرائيليين على محادثات هاريس في دبي مع القادة العرب حول ما سيحدث بعد انتهاء الحرب في غزة وعرض ما طرحته هاريس علنا حول كيفية رؤية الإدارة الأميركية لإعادة الإعمار والأمن والحكم في غزة بعد القتال.

وقال مسؤول أميركي ثالث لـ"أكسيوس" إن المسؤولين الأميركيين يريدون "التواجد هناك كل أسبوع حتى نتمكن من التواصل مع الإسرائيليين والفلسطينيين وجها لوجه بشأن مستقبل غزة".

ومن جانبه رفض المتحدث باسم الخارجية الإسرائيلية التعليق لموقع "الحرة" على ما ذكره موقع "أكسيوس"، لكنه أشار إلى تصريحات سابقة لنتانياهو.

وقال "أستطيع أن أقتبس ما قاله رئيس الوزراء نتنياهو بأننا سنغير الوضع في قطاع غزة حتى لا يكون تهديدا لإسرائيل".

مخاطر محتملة

بينما تخطط للمستقبل، تقوم إدارة بايدن بالتشاور مع محللين خارجيين ونشطاء بالمجتمع المدني وغيرهم، الذين حذر بعضهم من "مخاطر محتملة"، وفق "بولتيكو".

ولا تستطيع الدول العربية في المنطقة حتى أن تتفق فيما بينها على كيفية التعامل مع سيناريو ما بعد الحرب، وهذه هي الدول التي تأمل الولايات المتحدة أن تمول أي عملية إعادة إعمار.

وهناك أيضا الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2024، وإذا فاز الجمهوريون، فمن المرجح أن يذعنوا أكثر لرغبات إسرائيل، حتى لو أثار ذلك غضب شركاء أمريكا العرب في الشرق الأوسط، حسبما يشير "بولتيكو".

ويواجه المسؤولون الأميركيون الذين يرسمون السيناريوهات المختلفة صعوبات بسبب المتغيرات العديدة المتضمنة.

وعلى عكس الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا، والذي توقعته إدارة بايدن قبل أشهر من حدوثه، كان هجوم حماس مفاجأة للمؤسسة الأميركية.

وقال المسؤول بالإدارة الأميركية إنه بعد مرور ما يقرب من شهرين على الحرب، "شعر الناس بالقلق".

واندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس بعد هجوم مباغت شنته الحركة على مواقع عسكرية ومناطق سكنية محاذية لقطاع غزة، أدى إلى مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، وتم اختطاف 239 شخصا، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردت إسرائيل بقصف جوي وبحري وبري مكثف على القطاع المحاصر، أتبعته بعملية برية، توقفت مؤقتا مع بدء الهدنة، قبل انهيارها.

وتجاوزت حصيلة القتلى في غزة 16248 شخصا، منهم 7112 قاصرا و4885 امرأة، مع وجود آلاف آخرين في عداد المفقودين ويخشى أن يكونوا مدفونين تحت الأنقاض، بحسب ما أعلنته السلطات التابعة لحماس، الثلاثاء.

وأطلق سراح عشرات المختطفين والسجناء خلال هدنة استمرت سبعة أيام الشهر الماضي، وتقول السلطات الإسرائيلية إن 15 مختطفا وهم "11 مدنيا وأربعة جنود بينهم ضابط برتبة لواء" قتلوا أثناء اختطافهم لدى حماس.

وتقول حماس التي تسيطر على قطاع غزة منذ عام 2007 إن "القصف الإسرائيلي تسبب بمقتل عدد من المختطفين في القطاع".

ومنذ بداية العملية البرية بشمال قطاع غزة في 27 أكتوبر وحتى الثلاثاء، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل 82 ضابطا وجنديا.

وبحسب الجيش الإسرائيلي، ما زال 138 رهينة مختطفين في قطاع غزة بينهم 17 من النساء والأطفال، بعد إطلاق سراح 105 رهائن، لقاء الإفراج عن 240 سجينا فلسطينيا من السجون الإسرائيلية خلال الهدنة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

من المقال "يدرك الجميع أنّ نصرالله ينفّذ إرادة الولي الفقيه"- أرشيفية
زعيم حزب الله حسن نصر الله مخاطبا مؤيديه من خلال شاشة كبيرة.

أثار الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله، موجة من الجدل بين المواطنين اللبنانيين بعد تصريحات له ربط فيها بين اغتيال قيادات في "حزب الله" من قبل إسرائيل وبين الخروقات نتيجة استخدام الهواتف الذكية، داعياً مناصريه إلى "التخلي عن الهواتف الخلوية".

نصر الله قال في كلمة متلفزة: "الهاتف الخلوي هو جهاز تنصت.. على إخواننا في القرى الحدودية وفي كل الجنوب لا سيما المقاتلين وعائلاتهم الاستغناء عن هواتفهم الخلوية من أجل حفظ وسلامة دماء وكرامات الناس.. الخلوي هو عميل قاتل يقدم معلومات محددة ودقيقة".

نصر الله أضاف في كلمته أن "أغلب الحالات (الاغتيالات) التي تحدث، هي نتيجة الخلوي.. نحن نقوم بإجراءات داخلية. لكن يبدو أن الخليوي تحول إلى ما يشبه الأوكسيجين للناس، ولا يستطيعون العيش من دونه".

وتوجه إلى عناصره بالقول: "أنتم تعلمون أن هذا جهاز تنصّت وصوتكم وأصوات زوجاتكم وما يحدث في البيت والعمل تصل إلى الإسرائيليين. ومع ذلك يبقى العناصر متمسكون بالخلوي".

وتابع نصرالله بلهجة حازمة: "هذا أمر غير جائز من الناحية الشرعية في الحدّ الأدنى في مرحلة القتال والمعركة والتهديد وتعريض أمن وحياة الآخرين للقتل".

 

كلام نصرالله يكشف عن مدى الخرق الذي يتعرض له "حزب الله" في المواجهة التي يخوضها من حدود لبنان الجنوبية مع الجيش الإسرائيلي. وهو يكشف أيضاً أن التكولوجيا، وإن شكّلت في بعض مواضعها أداة دعم للمليشيات المسلحة في المنطقة، من مثل "حزب الله" والحوثيين والمليشيات العراقية التابعة لإيران، عبر المسيّرات وبعض التقنيات المتطورة المرتبطة بها، بالإضافة إلى الصواريخ الموجهة والذكية، إلا أنها تتحول، وبسبب التفوق التقني لدى الدول التي تواجهها هذه المليشيات، إلى نقطة ضعف قاتلة لدى هذه الجماعات، خصوصاً لجهة "اصطياد" قياداتها ومسؤوليها العسكريين عبر إصابات دقيقة.

الأمين العام لحركة "الجهاد الإسلامي" الفلسطينية زياد نخالة، كان اعترف في تصريحات تعود إلى مايو 2023 (أي قبل هجوم السابع من أكتوبر) أن اغتيال قادة الحركة بغارات إسرائيلية "ليس بسبب كفاءة العدو ولكن بسبب تصرفنا الذي لا يتناسب مع طبيعة معركتنا مع العدو". وتابع: "استخدام الهاتف الجوال هو أخطر شيء في قتالنا ويؤدي إلى اغتيالنا".

هذا الإقرار من نخالة يشبه إقرار نصر الله بتصريح علني بأن الخرق الأساسي الذي يعاني منه حزبه يرتبط بخرق شبكة الهواتف الذكية، والقدرة على تحديد تحركات القيادات أو المقاتلين عبر تتبّع الهواتف التي يحملونها، والمتصلة بمعضمها بخدمة الإنترنت.  

"هل الخرق هو لنظام الاتصالات والشبكات الداخلية في لبنان، أم أنّ الخرق هو على مستوى الأجهزة الخلوية التي يستخدمها اللبنانيون، وبينهم عناصر "حزب الله"؟ هذا هو السؤال الأساسي بحسب خبير الاتصالات وسيم منصور، الذي كان يشغل سابقاً منصب مدير عام في شركة "تاتش"، إحدى الشركتين المشغّلتين للهاتف الخلوي في لبنان.

منصور يعتقد أن الشبكات اللبنانية لديها نظام حماية (firewall)، لكنه لا يستطيع أن يؤكد إذا كانت هذه الأنظمة محدّثة أم لا.

ويقول لـ"ارفع صوتك" إن الخرق ممكن للشبكات، لكن ما هو مرجح أكثر هو خرق الهواتف نفسها، بسبب ربط هذه الأجهزة بالإنترنت، ما يجعلها عرضة للاختراق بشكل كبير، خصوصاً مع امتلاك إسرائيل تقنيات عالية في تحليل المعلومات الصادرة من الهواتف ومعالجتها والتصرف بناء على ذلك لتنفيذ عمليات الاغتيال.

لكن السؤال الثاني الذي يحضر هنا هو كيف حصلت إسرائيل على بيانات المشتركين لتتبع أرقام هواتف بعينها ورصد حركة الأجهزة وتتبعها؟

الطائرات المسيرة.. سلاح فتاك ضد الإرهابيين وخطر متنامٍ بأيديهم
في عام 1999 استُخدمت الطائرات المسيرة عسكرياً لأول مرة للقيام بعمليات استطلاع وتحديد أهدافٍ محتملة، وفي فبراير 2011 جرت تجربة إطلاق صاروخ من طائرة مسيرة "بريداتور"، وكانت بداية لاستعمال الطائرات الموجَّهة كسلاحٍ قاتل بعد استخدامها لسنوات في أغراض المراقبة والاستطلاع.

منصور يقول إن داتا الاتصالات في لبنان سلمت مثلا قبل أعوام إلى المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري، وأن العديد من بيانات اللبنانيين موجودة على الإنترنت، وهذا يجعل أمر الحصول عليها متاحاً خصوصا للجهات التي تمتلك تقنيات عالية كما هو الحال مع إسرائيل.

هذه المعطيات يؤكدها أيضاً عبد قطايا، مدير برامج الإعلام في منظمة "سمكس" للحقوق الرقمية. يقول لـ"ارفع صوتك": "الإسرائيليون استطاعوا الحصول على كم هائل من البيانات اللبنانية ويستخدمون الذكاء الاصطناعي لتحليلها والاستفادة منها عسكرياً. هناك الكثير من حالات تسريب البيانات الموثقة، مثل وجود جميع بيانات مصلحة تسجيل السيارات بالكامل عبر تطبيقات علنية غير مرخصة، تنتهك خصوصيات اللبنانيين. كما أنه بسهولة يمكن لأي شخص أن يدخل على شبكة الإنترنت ويحصل على بيانات الناخبين، بكل تفاصيلها".

ويضيف قطايا: "قبل سنوات اكتشف تجسس أحد موظفي شركتي الهاتف الخلوي في لبنان مع إسرائيل وتسريبه بيانات الشركة ولم نعرف ماذا حدث بعدها وهل فرضت إجراءات لحماية البيانات ولفهم طبيعة الخرق وحجمه".

منصور يشرح بدوره لـ"ارفع صوتك" أن ما تتفوق به إسرائيل بشكل أساسي هو قدرتها على استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات التي تحصل عليها وبالتالي مقاطعتها مع أمور أخرى لتحديد الأهداف وتنفيذ عمليات الاغتيال. هذا فضلاً عن امتلاك إسرائيل برامج تجسس متطورة جداً، مثل برنامج "بيغاسوس"، وهو برنامج باعته شركة اسرائيلية لأنظمة وبلدان أخرى (كما كشفت تحقيقات استقصائية) ويمتلك القدرة على خرق الهواتف الذكية وتتبعها والتنصت عليها وسحب ما فيها من بيانات واستخدام تطبيقاتها وكاميرا الهاتف وتسجيل الأصوات، من دون قدرة صاحب الهاتف على معرفة أنه تعرض للاختراق.

هذه التقنية (بيغاسوس) تسمح للإسرائيليين، بحسب منصور، بـ"الولوج إلى أي جهاز خلوي ذكي، بمعزل عن المصنّع وجودة الجهاز".

قطايا من جهته يرى أن "الإسرائيليين متقدمون تقنياً بشكل مهول، بالقدرة على الوصول إلى البيانات المرتبطة بالهواتف والحواسيب الموصولة بالإنترنت عبر الألياف الضوئية، بالإضافة إلى القدرة على خرق الاتصالات التي تجري عبر الأنترنت الجوي أو الفضائي، وهذا يتضمن ما يسمى حركة المرور (ترافيك) وجميع الداتا والتطبيقات التي يستخدمها الهاتف المستهدف، بالإضافة إلى القدرة على تحديد المكان الجغرافي (لوكايشن)".

هذه كلها خروقات "منطقية"، بحسب منصور، عندما يقوم المستخدمون بشبك هواتفهم بالإنترنت، والسماح للتطبيقات بالولوج إلى بيانات الهاتف واستخدامها، فضلاً عن ربط الهاتف بتقنية تحديد الموقع. ومع تطور التكنولوجيا تزيد التحديات المتعلقة بالخصوصية والأمن، و"إذا لم تكن متقدماً تكنولوجياً لحماية نفسك من التكنولوجيا، حينها قد يصير الحل الوحيد لحماية نفسك هو التخلي عن التكنولوجيا"، يختم منصور.