فلسطيني نازح يحتمي بمخيم في جنوب قطاع غزة في 11 ديسمبر 2023
فلسطيني نازح يحتمي بمخيم في جنوب قطاع غزة في 11 ديسمبر 2023

الشتاء قادم بقوة وبسرعة إلى قطاع غزة حيث يضطر السكان إلى العيش في مناطق مكتظة، وبينما النظام الصحي "ينهار"، يدق متحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني "ناقوس الخطر" بشأن كارثة إنسانية قد تجعل "الناس تموت في الشوارع".

وشردت الحرب في غزة 1.9 مليون شخص، أي 85 بالمئة من سكان القطاع، وسط تقارير من منظمة الصحة العالمية عن وضع صحي "كارثي".

ومع قدوم فصل الشتاء، فإن "الوضع الكارثي" بالفعل، يتفاقم "بسرعة"، واجتاحت العواصف المطيرة والرياح العاتية القطاع الساحلي المكتظ مما يزيد من معاناة قطاع واسع من السكان الذين لديهم مأوى، وفق تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

أجواء باردة ونازحين "بلا مأوي"

وفي تصريحات لموقع "الحرة"، يشير المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني، الدكتور عبد الجليل حنجل، إلى "دخول الأجواء الباردة إلى قطاع غزة منذ أيام، ما يزيد الأعباء على النازحين من شمال القطاع إلى جنوبه".

وبعض هؤلاء النازحين استطاع الوصول إلى "مستشفيات ومدارس ومباني قائمة" في جنوب القطاع، لكن البعض الأخر لم يجد مأوى، ما دفعهم لإقامة خيام "لا تقيهم من الطقس البارد والأمطار"، حسبما يوضح حنجل.

ويؤكد أن "الشتاء سوف يفاقم الأوضاع ويزيد من معاناة النازحين، بسبب عدم وجود الوقود اللازم للتدفئة".

ووسط الأجواء الباردة يحاول بعض السكان "إغلاق الشبابيك والأبواب"، بينما يكتظ عدد كبير من النازحين في "غرف مغلقة"، ما يؤدي لتسارع انتشار أمراض الجهاز التنفسي، وفق المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني.

ومن مستشفى غزة الأوروبي الواقع بين خان يونس ورفح، يؤكد العميد السابق لكلية فلسطين للتمريض، الدكتور نبيل النجار، وجود أعداد كبيرة من النازحين المصابين بـ"التهابات صدرية"، بسبب الأجواء الباردة ورائحة البارود، وذلك بأماكن الإيواء والمستشفيات.

ويعاني عدد كبير من النازحين من "احتقانات فيروسية"، بسبب الازدحام بأماكن الإيواء وعدم وجود "خدمات طبية مناسبة"، وفق حديثه لموقع "الحرة"

وأصبحت التهابات الجهاز التنفس العلوي والأمراض الفيروسية وضيق النفس، أمراض شائعة حاليا بين غالبية النازحين في مراكز الإيواء و مخيمات النزوح، بحسب النجار.

ومن جانبه، يقول محمود أبو الريان، النازح من بلدة بيت لاهيا الشمالية إلى رفح، "كل ما أملك هو الملابس التي أرتديها، وما زلت لا أعرف ما هي الخطوة التالية".

ويضيف:" الجو بارد جدا، والخيمة صغيرة جدا، نحن نعيش في البرد القارس"، حسب ما نقلته عنه "الغارديان".

وفي سياق متصل، تقول سعاد قرموط، وهي نازحة من بيت لاهيا إلى رفح: "نحن ننام على الرمال، ولا يوجد فراش لكي ننام عليه".

ومع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة أصبحت مدينة رفح القريبة من الحدود المصرية مركزا لواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم،  وفق تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".

وهربت مئات العائلات من القصف الإسرائيلي المتواصل، حيث امتلأت المدارس والملاجئ في جنوب غزة، وتضاعفت أسعار الشقق الصغيرة من 100 دولار قبل الحرب إلى نحو 5 آلاف دولار، ما يجعل النازحين أمام خيارات قليلة للتخييم في الحدائق والأراضي الفارغة والبحث عما يقيهم من الطقس البارد، حسب الصحيفة.

وتقول إسرائيل إن غاراتها الجوية تستهدف البنية التحتية العسكرية لحماس ومستودعات الأسلحة في غزة. 

ويؤكد الجيش الإسرائيلي أنه يشن ضربات دقيقة تستهدف قادة المتشددين أو مواقع العمليات، وإنه لا يستهدف المدنيين، لكنه أيضا يتحدث عن زرع المسلحين في المناطق المدنية في جميع أنحاء قطاع غزة، وفقا لوكالة "أسوشيتد برس".

نقص بالغذاء والدواء والوقود

يؤكد حنجل عدم توفر "الأدوية والمسكنات والمضادات الحيوية ومدعمات المناعة لدى النازحين"، ما يترك كبار وصغار السن أمام خطر "تفشي الأمراض المعدية".

ونقص الوقود سيدفع النازحين إلى "وسائل أخرى للتدفئة" وعلى رأسها إشعال النار، ما قد يتسبب في اندلاع حرائق، وكذلك الاختناقات والتسمم بأول أوكسيد الكربون، حسبما يوضح المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني.

ويحذر حنجل من أن "كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة"، هم الفئة الأكثر عرضة لمخاطر صحية خلال فصل الشتاء، في ظل حاجتهم لـ"علاجات وأجهزة تنفس اصطناعي" غير متوفرة حاليا بالمستشفيات المكتظة أصلا بالمصابين.

والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، والذين لا يستطيعون الحصول على الرعاية والأدوية، يموتون في كثير من الأحيان، وكان بين هؤلاء سيدة تبلغ من العمر 54 عاما، والتي تم إجلاؤها من شمال غزة إلى رفح، حسبما تشير "الغارديان".

ويقول نجلها رمزي لـ"الغارديان": "توفيت والدتي الأسبوع الماضي، كانت تعاني من ارتفاع ضغط الدم والسكري، نحن نعيش في ظروف سيئة في أحد ملاجئ الأونروا في رفح".

ويضيف:" نحن في الخيام، ونفتقر إلى أبسط الأشياء التي نحتاجها، ومن الصعب الحصول على كل شيء، وكبار السن لا يستطيعون تحمل هذه الظروف".

وفي ظل النقص الحاد في مصادر الطاقة، يبحث سكان غزة عن مختلف الوسائل التي تتيح لهم توفير وجبات ساخنة، وفق وكالة "فرانس برس".

ويقوم إبراهيم شومان بإصلاح البوابير القديمة التي يحضرها إليه سكان غزة، أملا في أن تساعدهم على البقاء في ظروف شديدة الصعوبة، يزيدها سوءا بدء الشتاء.

ويقول: "الناس تبحث عن الحطب في كل مكان وأصبح غير متوفرا.. الناس لا تملك الكثير من المال.. والناس عادت إلى البوابير".

وبسبب عدم وجود الكيروسين، يلجأ الى خليط محلي الصنع من زيت المحركات وزيت الوقود لإشعال المواقد.

ويقول عدنان أبو العيش (55 عاما) الذي أحضر موقدا نحاسيا إلى شومان لإصلاحه "أعادونا 100 عام إلى الوراء".

ويوضح "نقوم بإصلاحه لأنه لا يوجد لدينا بدائل.. لا يوجد وقود ولا غاز ولا سولار ولا أي شيء.. يجب أن نتدبر أمرنا".

ويتابع "هناك بعض السولار ولكن من الصعب العثور عليه. وقد تقضي اليوم كله بحثا عنه وفي حال عثرت عليه قد تجد لترا سعره بين 30 إلى 35 شيكل" (ما بين 7,5 إلى 8,7 يورو)".

ومنذ اندلاع الحرب، شددت إسرائيل من حصارها المفروض على القطاع منذ العام 2007، وقطعت امدادات الكهرباء والوقود والمياه والمواد الغذائية.

وتدخل إلى غزة قوافل من المساعدات الانسانية عبر معبر رفح الحدودي مع مصر، لكن المنظمات الدولية تؤكد "أنها تبقى أقل بكثير من حاجات السكان مع تمسك إسرائيل بأن حماس تخبأ الوقود".

وتحذر المنظمات الإنسانية من "الوضع الكارثي" في قطاع غزة ومن انتشار الأمراض والمجاعة.

ولذلك يدق المتحدث باسم الهلال الأحمر الفلسطيني ناقوس الخطر، محذرا من "وضع أكثر كارثية" خلال الأيام المقبلة.

وإذا لم يتوفر الغذاء ماء الشرب والعلاج والوقود ووسائل التدفئة والمستلزمات الصحية والطبية، فسوف نشاهد "الناس تموت في الشوارع خلال الأيام المقبلة"، حسبما يشدد حنجل.

وفي سياق متصل، يشير النجار إلى "عدم تسجيل وفيات مباشرة حتى الآن"، لكنه يحذر من "تفاقم الوضع الصحي" في جنوب غزة.

وإذا استمر نقص العلاجات وأجهزة التنفس الاصطناعي، فقد يقود ذلك عدد كبير من النازحين إلى "الموت مباشرة"، بحسب النجار.

وتوصل موقع "الحرة" مع عدد من الأطباء ومدراء المستشفيات بجنوب وشمال قطاع غزة، لكن هواتفهم كانت مغلقة.

واندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس بعد هجوم مباغت شنته الحركة على مواقع عسكرية ومناطق سكنية محاذية لقطاع غزة، أدى إلى مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، وتم اختطاف 239 شخصا، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردت إسرائيل بقصف جوي وبحري وبري مكثف على القطاع المحاصر، أتبعته بعملية برية، توقفت مؤقتا مع بدء الهدنة، قبل انهيارها.

وفي غزة قتل 17997 شخصا معظمهم نساء وأطفال، منذ بدء الحرب، وأصيب أكثر من 49 ألف شخص بجروح، مع وجود آلاف آخرين في عداد المفقودين ويعتقد أنهم لقوا حتفهم تحت الأنقاض، بحسب ما أعلنته وزارة الصحة التابعة لحماس، الأحد.

مواضيع ذات صلة:

نازحة أيزيدية في مخيم شاريا قرب دهوك شمال العراق- تعبيرية
نازحة أيزيدية في مخيم شاريا قرب دهوك شمال العراق- تعبيرية

غادرت 200 عائلة أيزيدية، أمس الجمعة، مخيمات النازحين في كردستان العراق باتجاه سنجار، خوفا من "خطابات كراهية" أطلقها متطرفون مسلمون على خلفية حديث مصور لقائد قوات سنجار قاسم ششو، فُسّر لاحقاً على أنه إساءة للرسول المسلم محمد.

وشهدت صفحات التواصل الاجتماعي انتشار "خطابات كراهية" ضد الأيزيديين شملت تهديدات بشن هجمات عليهم والثأر منهم عقب خطاب ششو الذي ألقاه في سنجار، بتاريخ الثالث من أغسطس الجاري، الموافق إحياء الذكرى العاشرة للإبادة الجماعية التي تعرضت لها الأقلية الدينية في شمال العراق على يد تنظيم داعش الإرهابي.

ورغم استباب الأوضاع الأمنية في مدن إقليم كردستان التي تحتضن 15 مخيما للنازحين الأيزيديين، إلا أن الأيزيديين عاشوا خلال اليومين الماضيين حالة من الخوف والهلع والارتباك، إثر التهديدات وخطابات الكراهية التي تعرضوا لها، الأمر الذي دفع بالكثيرين منهم إلى ترك المخيمات.

يقول عبد العزيز يونس، مدير جمعية "التحرير" للتنمية وهي منظمة محلية عراقية، إن "أعداداً كبيرة غادرت من مخيمات قاديا وباجد كندالا وجمشكو في محافظة دهوك وإدارة زاخو".

ويبين لـ"ارفع صوتك": "وفق التقرير الذي تلقيناه من إحدى المنظمات الميدانية الشريكة لنا، ساد مناخ من الخوف والرعب بين الناس في المخيمات إثر خطابات الكراهية التي استهدفت المجتمع الأيزيدي، وأسفرت عن فرار أكثر من 700 عائلة من المخيمات باتجاه سنجار".

لكن مسؤولا في مكتب الهجرة والمهجرين في محافظة دهوك، الذي يشرف على إدارة مخيمات النزوح، نفى هروب 700 عائلة من المخيمات وعودتها الى سنجار.

وأوضح لـ"ارفع صوتك" مفضلا عدم الكشف عن اسمه، "تركت نحو 200 عائلة ايزيدية مخيمات النازحين في دهوك وزاخو وعادت الى سنجار، هذه العائلات كانت لديها تخوف من تعرض المخيمات للهجوم من قبل المسلمين بعد انتهاء صلاة الجمعة، وهذا لم يحدث، لكن اطراف سياسية كانت تقف خلف انتشار هذه الاخبار وتأجيج الاحداث"، لافتا الى أن موجة النزوح توقفت حاليا والأوضاع في المخيمات مستقرة.

من جانبه نفى المركز المشترك لتنسيق الأزمات التابع لوزارة الداخلية في حكومة اقليم كردستان عودة النازحين من المخيمات في زاخو إلى سنجار بداعي الخوف.

وقال المركز في بيان "رداً على الشائعات والأخبار الكاذبة التي تداولها عدد من وسائل الإعلام عن عودة النازحين من مخيم في إدارة زاخو المستقلة بدعوى الخوف إلى أماكنهم في سنجار، نؤكد أن هذه الشائعات لا أساس لها من الصحة".

وأضاف "نؤكد لجميع سكان المخيمات أن إقليم كردستان سيظل دائما مركزا للتعايش وقبول الآخر، وسيبقى حضنه مفتوحاً للنازحين دائماً، حتى يتمكنوا من العودة إلى ديارهم طوعاً وبكرامة".

واتخذت القوات الأمنية في محافظة دهوك وإدارة زاخو تدابير أمنية مشددة حول مخيمات الأيزيديين، الجمعة، ونشرت العديد من الدوريات بهدف توفير حماية مضاعفة لها، تجنباً لحدوث أي هجمات مسلحة قد تطالها.

تزامنت الإجراءات الأمنية مع إجراءات حكومية أخرى عبر توجيه أئمة المساجد وخطبائها رسائل تهدئة إلى المسلمين في الإقليم والعراق، والإعلان عن تحريم التحريض بحق الأيزديين.

جلال علي بركات، نازح أيزيدي يعيش في مخيم جمشكو الواقع في إدارة زاخو، يؤكد لـ"ارفع صوتك" أن ما عاشه النازحون خلال الأيام الماضية من حالة ارتباك كان سببه "كثافة التهديدات التي تعرضوا لها".

يوضح "حاولت تهدئة جيراني في المخيم وإقناعهم بعدم العودة، لكن الخوف من تنفيذ المتطرفين لتهديداتهم كان سيد الموقف والسبب الأبرز الذي دفع عددا من النازحين إلى ترك المخيم والعودة إلى سنجار".

ويشير بركات إلى أن مخاوف الأيزيديين أساسها "خطابات الكراهية والجماعات المتطرفة التي تتحدث باسم الدين والدين منها براء" بحسب تعبيره.

ويتابع أن "الأيزيديين يعتزون ويحترمون جميع الديانات لأن شريعتهم تؤكد على احترام الإنسانية".

ويمنع الدمار ونقص الخدمات الرئيسية والصراعات السياسية والاستقرار الهش في سنجار النازحين من العودة إليها، رغم مرور نحو 9 سنوات على تحريرها من داعش، ولا يزال 60% من سكانها نازحين في إقليم كردستان.

في السياق نفسه، يرى الناشط الأيزيدي فيصل علي، الذي يعيش في أحد مخيمات زاخو، أن "الدمار ونقص الخدمات وضعف الأحوال المعيشية كانت تمنع العائلات النازحة من العودة إلى سنجار في ما مضى، لكن الخوف الذي عاشته خلال اليومين الماضيين دفعها إلى ترك المخيم واختيار العودة رغم صعوبة ظروفها".

ويستدرك "لم نشهد أي خطوات ضدنا على الأرض ولم نرَ من أهالي قضاء زاخو الذي يحتضن عددا من مخيماتنا سوى الخير والمواقف الجيدة"، مشيرا الى أن عملية العودة الاضطرارية توقفت حالياً بشكل مؤقت.