حل الدولتين عاد ليحضى بدعم دولي

أثارت تصريحات مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، حول "تحسين السلطة الفلسطينية" من حيث "الحوكمة"، التساؤلات بشأن إمكانية تجديد "إعادة تشكيل" السلطة الحالية.

والجمعة، أكد سوليفان، خلال مؤتمر صحفي في تل أبيب، أن "السلطة الفلسطينية يجب أن يتم تحسينها من حيث الحوكمة".

وقال سوليفان "نعتقد بأن السلطة الفلسطينية تحتاج إلى تجديد وتنشيط، وإلى التحديث فيما يتعلق بأسلوب حكمها، وتمثيلها للشعب الفلسطيني"، مشيرا إلى أن "الولايات المتحدة ستكون شريكة للسلطة الفلسطينية لإجراء الإصلاحات اللازمة".

وكانت "رويترز" قد نقلت عن مسؤول أميركي قوله إن "سوليفان سيناقش إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية". 

ما هي "الحوكمة"؟

يشير مصطلح "الحوكمة" إلى "جميع عمليات الحكم والمؤسسات والعمليات والممارسات التي يتم من خلالها اتخاذ القرار بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك وتنظيمها"، حسب "المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان".

وتوضح  أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، غادة موسى، في حديث لموقع "الحرة"، أن حوكمة السلطة تتعلق بـ"تحسين عمليات صنع القرار، وإتاحة الفرص لجميع الأطراف بالمشاركة"، أي عمليا إعادة التشكيل.

ومن منظور  أوسع، فالمصطلح يشير في المقام الأول إلى العملية التي تقوم بها المؤسسات العامة بإدارة الشؤون العامة وإدارة الموارد العامة وضمان إعمال حقوق الإنسان.

ولا يوجد تعريف متفق عليه دوليا لـ "الحوكمة الرشيدة"، لكنها قد تشمل "الاحترام الكامل لحقوق الإنسان، وسيادة القانون، والمشاركة الفعالة، والشراكات المتعددة الجهات الفاعلة، والتعددية السياسية، والعمليات والمؤسسات الشفافة والخاضعة للمساءلة".

وتشمل كذلك "قطاعا عاما يتسم بالكفاءة والفعالية، والشرعية، والوصول إلى المعرفة والمعلومات والتعليم، والتمكين السياسي للناس، والإنصاف، والاستدامة، والمواقف والقيم التي تعزز المسؤولية والتضامن والتسامح".

وبالتالي فإن "الحوكمة الرشيدة" هي العملية التي تدير بها المؤسسات العامة الشؤون العامة وتدير الموارد العامة بطريقة تعزز سيادة القانون وإعمال حقوق الإنسان "الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية"، حسب "الأمم المتحدة".

وتشتمل العناصر الأساسية لـ"الحوكمة الرشيدة" على الشفافية والنزاهة والقانونية والسياسة السليمة والمشاركة والمساءلة والاستجابة وغياب الفساد والمخالفات. 

ويعرف البنك الدولي "الحوكمة الرشيدة" من حيث التقاليد والمؤسسات التي تتم ممارسة السلطة عن طريقهم في أي دولة. 

ويشمل ذلك " العملية التي يتم من خلالها اختيار الحكومات ومراقبتها واستبدالها، وقدرة الحكومة على صياغة وتنفيذ السياسات السليمة على نحو فعال، واحترام المواطنين والدولة للمؤسسات التي تحكم التفاعلات الاقتصادية والاجتماعية بينهم".

وهناك 12 مبدأ لتحقيق "الحوكمة الرشيدة" وهي "السلوك العادل للانتخابات والتمثيل والمشاركة، الاستجابة، الكفاءة والفعالية، الانفتاح والشفافية، قواعد القانون، السلوك الأخلاقي، الكفاءة والقدرات، الابتكار والانفتاح على التغيير"، وفق موقع "مجلس أوروبا".

وتشمل كذلك " الاستدامة والتوجه على المدى الطويل، الإدارة المالية السليمة، حقوق الإنسان والتنوع الثقافي والتماسك الاجتماعي، والمسؤولية".

ما معنى "حوكمة" السلطة الفلسطينية؟

وفيما يتعلق بـ"حوكمة السلطة الفلسطينية"، تعتبر موسى، وهي خبيرة في سياسات ونظم الحوكمة، أن الأمر يتعلق بـ"مشاركة الجميع في عمليات صنع القرار، وإشراك جميع الفئات وبينهم الشباب والمرأة في الإدارة، وضمان التوزيع العادل للموارد والثروات".

ويمكن "حوكمة السلطة الفلسطينية" بـ"تجديد دمائها، وإدخال عناصر جديدة متمثلة في الجيل الثاني والثالث من حركة فتح، أو الفلسطينيين بالخارج والاستفادة من خبراتهم، وجميع الكوادر الفلسطينية التي لديها خبرات مختلفة"، وفق موسى.

وترى أن "حوكمة السلطة الفلسطينية" تعني "تنحية شيوخ منظمة التحرير التي أصبحت لا تحرك القضية الفلسطينية للأمام"، على حد تعبيرها.

وحاول موقع "الحرة" التواصل هاتفيا مع المتحدث باسم السلطة الفلسطينية، إبراهيم ملحم، للتعليق، إلا أنه لم يرد على الاتصالات الهاتفية. 

"إعادة تشكيل" السلطة الفلسطينية؟

من جهته، يوضح المحلل السياسي الإسرائيلي، يوآب شتِيرن، أن هناك عدة مواقف إسرائيلية مختلفة تجاه عملية "حوكمة السلطة الفلسطينية أو إعادة تشكيلها".

لكن الحكومة الإسرائيلية الحالية، برئاسة بنيامين نتانياهو "لا تقبل عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم غزة، أو إعادة ترتيب دورها أو تشكيلها عن طريق (الحوكمة)"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويقول المحلل السياسي الإسرائيلي إن "الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تريد تقوية السلطة الفلسطينية أو أن تسيطر على الأوضاع في غزة أو الضفة الغربية".

وحسب شتِيرن فإن "حكومة نتانياهو قد حولت هذه القضية لخلاف داخلي وخارجي، وهي ترفض أي حديث عن دور للسلطة الفلسطينية".

وقال نتانياهو، الاثنين، إن بلاده ستكون وحدها المسؤولة عن الأمن في غزة بعد الحرب، معبرا عن رفضه أيضا فكرة سيطرة السلطة الفلسطينية على القطاع. 

وأضاف نتانياهو، خلال اجتماعه بلجنة الدفاع والشؤون الخارجية بالكنيست، إن "الفرق بين حماس والسلطة الفلسطينية أن حماس تريد تدميرنا الآن، والسلطة الفلسطينية تريد أن تفعل ذلك على مراحل". 

كيف يرى الفلسطينيون "إعادة التشكيل"؟

في حديثه لموقع "الحرة"، يفسر المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، مفهوم حوكمة السلطة الفلسطينية بـ"ضخ دماء جديدة، والقيام بانتخابات حرة، وإجراء إصلاحات بالسلطة، ومعالجتها بشكل كامل".

والأسبوع الماضي، نقلت وكالة بلومبرغ عن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية، قوله إن السلطة الفلسطينية تعمل مع مسؤولين أميركيين على "خطة لإدارة القطاع".

واعتبر اشتية، أن "التصور الأفضل أن تصبح حماس، التي تدير القطاع حاليا، شريكا أصغر لمنظمة التحرير الفلسطينية، بما يساعد على تأسيس دولة مستقلة جديدة تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية".

وأضاف أنه "سيكون هناك مجال للمحادثات، إذا كانت حماس مستعدة للتوصل لاتفاق وقبول المنهج السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، مشيرا إلى أن الفلسطينيين يجب ألا يكونوا منقسمين".

وبالنسبة للشعب الفلسطيني، فإن "الحوكمة الرشيدة الحقيقية" تعني إجراء انتخابات حرة وديمقراطية يشارك بها كل الفلسطينيين بالداخل والخارج على أساس اختيار "رئيس جديد وبرلمان جديد"، حسبما يوضح الرقب.

ويؤكد أن "الحكومة الرشيدة وإعادة التشكيل" يجب أن تضمن "ترتيب البيت الفلسطيني بطريقة ديمقراطية، من خلال وجود رئيس جديد ومؤسسات منتخبة".

وتحكم حركة حماس المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى، قطاع غزة، فيما تدير حركة "فتح" التي يتزعمها الرئيس محمود عباس، الضفة الغربية، منذ بداية الانقسام الفلسطيني، عام 2007.

وفي غزة، تم تعليق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بعد فوز حماس في عام 2006، وطرد السلطة الفلسطينية بعد ذلك من القطاع الذي يبلغ عدد سكانه 2.3 مليون نسمة، وفق وكالة "رويترز".

وعقدت آخر انتخابات رئاسية فلسطينية في عام 2005، بينما أجريت آخر انتخابات تشريعية عام 2006.

ولذلك يصف شتِيرن السلطة الفلسطينية الحالية بـ"الضعيفة والمنقسمة"، ويرى أنها "تمثل حالة الجمود السياسي الفلسطيني".

ويتساءل المحلل السياسي الإسرائيلي:" كيف يمكن تحويل السلطة الفلسطينية الموجودة بهذه الحالة إلى أخرى (أكثر فعالية)؟!".

ولتحقيق ذلك يجب "وقف الفساد المستشري بالسلطة الفلسطينية، وتجديد القيادات بشكل مستمر، لأن وجود بعضهم في السلطة لفترات زمنية طويلة يحولهم إلى "فاسدين وغير فاعلين ولا نافعين"، على حد تعبير شتِيرن.

ويؤكد أن "إعادة تشكيل السلطة الفلسطينية" يجب أن يكون "داخليا وليس دوليا أو عربيا"، قائلا:" هذه مسؤولية الشعب الفلسطيني وحده".

وطالما هناك "انقسام فلسطيني والجهات الفلسطينية المختلفة تعمل على إبقاء الأمور على ما هي عليه، فلن يحدث أي تغيير حقيقي"، حسبما يشدد المحلل السياسي الإسرائيلي.

ومن جانبه، يعتقد الرقب أن "معالجة السلطة وإعادة تشكيلها" أمر بغاية الصعوبة مع استمرار الحرب بغزة، متسائلا:" كيف سيشارك سكان القطاع بالانتخابات في ظل الوضع الحالي؟".

ويتساءل المحلل السياسي الفلسطيني "هل الإصلاحات القادمة ستكون ديمقراطية أم تكليفية؟"، ويقول "هذا الأمر لايزال غير واضحا حتى اللحظة".

ويشير الرقب إلى أن "الحوكمة وإعادة التشكيل" قد تعني إعادة تكليف شخصية جديدة بالسلطة الفلسطينية.

ومن جانبها، توضح موسى أن "الحوكمة" تعنى أن تضم السلطة الفلسطينية كافة العناصر والفئات والفصائل، دون إزاحة أي عنصر، وألا تكون "مشروطة".

ويجب أن تشارك جميع الفئات في "صناعة القرار الفلسطيني، وتوزيع الثروات والموارد، وإدارة شؤون الفلسطينيين"، حسبما توضح خبيرة سياسات ونظم الحوكمة.

وتشير موسي إلى "صعوبة تطبيق الحوكمة الكاملة" في الحالة الفلسطينية الراهنة، سواء في الضفة الغربية أو غزة، في ظل "ضعف السلطة وتأكيد قيادات حماس رفضها الاستبعاد في أي تسويات سياسية كاملة".

مخاوف بشأن "حماس"

واقترحت واشنطن أن تؤدي السلطة بعد الحرب، دورا في حكم قطاع غزة التي تسيطر عليه حماس منذ 2007، على الرغم من الشعبية المتراجعة للسلطة، وفق وكالة "فرانس برس".

وأظهر استطلاع للرأي نشر نتائجه "المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية" وهو مركز مستقل في رام الله، أن رئيس المكتب السياسي لحماس، اسماعيل هنية، سيحصل على 78 بالمئة من الأصوات في حال إجراء انتخابات رئاسية في الأراضي الفلسطينية في مقابل 58 بالمئة قبل الحرب. 

ورأى 64 بالمئة من المستطلعة أراؤهم، أن "حماس ستكون الطرف المسيطر على قطاع غزة في اليوم التالي لانتهاء الحرب".

وتثير استطلاعات الرأي حول تصاعد شعبية حماس "مخاوف إسرائيلية" بشأن إمكانية "سيطرة الحركة على السلطة في حال إجراء انتخابات"، حسبما يوضح شتِيرن.

ويقول إن "حماس لديها شعبية في الشارع الفلسطيني، وسيناريو سيطرتها على الحكم وارد وممكن".

ولكن في كل الأحوال على الشعب الفلسطيني "اختيار طريقه وليس الآخرين"، حسبما يضيف المحلل السياسي الإسرائيلي.

ويوضح شتِيرن أن هناك ثلاثة خيارات فيما يتعلق بمستقبل غزة وهي "السلطة أو حماس أو الفوضى"، وجميعها "اختيارات سيئة"، على حد وصفه.

ويشدد على أن "حماس لا تحترم نتائج الانتخابات، ولذلك فإن الديمقراطية يجب أن تحمي نفسها من الداخل، حتى تكون مستدامة". 

ومن جانبه، يؤكد الرقب أنه لا يجب أن يكون هناك "تكليف" لكن انتخابات ديمقراطية يختار خلالها الشعب الفلسطيني من يمثله عبر صناديق الاقتراح سواءً وقع الاختيار على "الشباب أو الشيوخ أو فتح أو حماس".

أما موسى فتشير إلى أن "حوكمة السلطة الفلسطينية" قابلة للتطبيق، لكن يجب أن تتم بعد "حدوث استقرار وهدوء"، ويجب أن تضم "كافة العناصر السياسية سواء فصائل أو أحزاب".

واندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس بعد هجوم مباغت شنته الحركة على مواقع عسكرية ومناطق سكنية محاذية لقطاع غزة، أدى إلى مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، وتم اختطاف 239 شخصا، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردت إسرائيل بقصف جوي وبحري وبري مكثف على القطاع المحاصر، أتبعته بعملية برية، وقتل في غزة منذ بدء الحرب 18787 شخصا، معظمهم مدنيون وبينهم نساء وأطفال، بحسب ما أعلنته وزارة الصحة التابعة لحماس، الخميس.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".