Palestinians flee Khan Younis, in the southern Gaza Strip
يواجه سكان قطاع غزة خطر المجاعة، في ظل انتشار الجوع ونقص المواد الغذائية

يواجه سكان قطاع غزة خطر المجاعة، في ظل انتشار الجوع ونقص المواد الغذائية، ما يضطر بعضهم لتناول "علف الحيوانات"، حسبما يشير تقرير لصحيفة "واشنطن بوست".

كل يوم، لمدة أربعة أيام، كان محمد ينتظر في الطابور للحصول على بضعة أرطال من الدقيق، وعندما عاد إلى منزله خالي الوفاض لأطفاله الخمسة، كان يطحن "علف الحيوانات" ليخبزه فوق موقد مؤقت.

وعبر الهاتف من بيت لاهيا شمال غزة، قال الرجل البالغ من العمر 40 عاما لـ"واشنطن بوست": "لا نعرف مدى خطورة تناول علف الحيوانات على صحتنا، لكن ليس لدينا خيارات أخرى".

وأضاف محمد الذي كان يعمل سائقا قبل الحرب: "إذا استمر الوضع على هذا النحو، فقد ترى الناس يموتون من الجوع في الشوارع".

ويواجه 93 بالمئة من السكان في غزة "مستويات أزمة الجوع"، وأكثر من نصف مليون شخص، يمثلون ربع سكان القطاع يواجهون "الجوع والمجاعة الكارثية"، وفق ما ذكره برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة، نهاية ديسمبر 2023.

والشهر الماضي، قال المتحدث باسم برنامج الأغذية العالمي، ستيف تارافيلا، إن حجم وسرعة هذه الأزمة لم يسبق لهما مثيل في العصر الحديث، مضيفا "إذا استمرت التوقعات الحالية، فسوف نصل إلى المجاعة بحلول فبراير".

ومن جانبها، رفضت إسرائيل نتائج التقرير.

وفي تصريحات صحفية، الإثنين، قال العقيد إيلاد غورين، الذي يرأس مكتب تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، والذي يعد جناح وزارة الدفاع الإسرائيلية الذي يشرف على الشؤون المدنية الفلسطينية، "لا توجد مجاعة في غزة".

مع تحول الجيش الإسرائيلي إلى ما يقول إنها مرحلة أكثر استهدافا من القتال، تحذر وكالات الإغاثة من أن أكبر التهديدات طويلة المدى لسكان غزة هي الجوع والمرض والتعرض لبرودة فصل الشتاء.

والأصغر سنا هم الأكثر عرضة للخطر، حيث يقول محمد إن ابنه البالغ من العمر 7 أشهر يعاني من الجفاف وسوء التغذية، بينما والدته الجائعة تكافح من أجل الرضاعة.

أما صباح أبو عطايا البالغة 19 عاما، فقد نزحت ثلاث مرات أثناء حملها بطفلها الثاني.

وقالت لـ"واشنطن بوست"، إنها خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من حملها، كانت تأكل حوالي مرة واحدة يوميا، وعادة ما كانت تأكل شيئا معلبا.

وأشارت إلى أن طفلتها وفاء قد ولدت مبكرا في 15 ديسمبر بوزن أقل من المعتاد، وأرجع الأطباء ذلك سوء التغذية الذي كانت تعاني منه الأم.

فرت الأسرة من القتال مرتين أخريين في الشهر الأول من ولادة طفلتهم وفاء، وقالت أبو عطايا إنهم وصلوا في 16 يناير إلى منطقة آمنة نسبيا في رفح بجنوب غزة. 

لكنها قالت إنها بالكاد تستطيع "إرضاع طفلتها".

والجمعة الماضية، تحول لون وفاء إلى "اللون الأزرق"، وهرعت والدتها إلى المركز الطبي، الذي أرسلها إلى مستشفى مكتظ، وأرسلها بدوره إلى مستشفى آخر.

وكانت وفاء قد ماتت عند وصولهم، وكان عمرها 35 يوما فقط، وقالت والدتها "ماتت الطفلة من الجوع والبرد، والحرب لم تنتهي".

وينشب الجوع مخالبه في قطاع غزة بأكمله الذي يعيش فيه 2.3 مليون شخص تحت القصف الإسرائيلي منذ السابع من أكتوبر، بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة حماس المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى.

وتتوقع منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" أن أكثر من عشرة آلاف طفل في غزة معرضون لخطر الهزال ونقص الوزن غير الطبيعي خلال الأسابيع المقبلة، وهو أحد أخطر نتائج سوء التغذية الذي قد يعيق نمو البدن والدماغ، حسب ما ذكرته وكالة "رويترز".

وفي بداية الحرب، أعلنت إسرائيل أنها قطعت جميع الإمدادات عن غزة، ووافقت في وقت لاحق على السماح بدخول المساعدات الإنسانية، لكن ما يدخل إلى الجيب الساحلي الآن أقل بكثير مما كان عليه قبل السابع من أكتوبر.

وتقول وكالات الإغاثة إن عمليات التفتيش الإسرائيلية تعرقل توصيل المساعدات إلى غزة وإن الجيش يمنع توزيعها خارج المنطقة الجنوبية المحيطة برفح.

وتمر حوالي 150 شاحنة يوميا عبر معبري رفح المصري ومعبري كرم أبو سالم الإسرائيلي بعد التفتيش الإسرائيلي، انخفاضا من حوالي 500 شاحنة يوميا قبل الحرب.

ونفى المتحدث باسم الحكومة الإسرائيلية، إيلون ليفي، فرض قيود على دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة وأرجع أي مشكلات إلى قدرة الأمم المتحدة على التوزيع.

وتتهم السلطات الإسرائيلية حماس بسرقة المساعدات من المدنيين، وتقول إن المنظمات الإنسانية تبالغ في التهديد بالجوع.

ومع تزايد المساعدات، أصبح المزيد من المنتجات الغذائية، مثل اللحوم المعلبة والتونة والجبن "متاحة"، وفي بعض المناطق، استقرت أسعار الدقيق وبدأ المزارعون في جني المحاصيل الشتوية، حسبما تشير "واشنطن بوست".

ويقول عمال إغاثة إن المناطق القريبة من الحدود المصرية تحصل على إمدادات محدودة من المواد الغذائية المستوردة، لكن هناك كارثة يواجها الناس في شمال ووسط القطاع حيث يدور أشرس قتال.

والتضخم المرتفع يعني أن القليل من الفلسطينيين يستطيعون شراء ما هو معروض للبيع، والظروف هي الأسوأ في الشمال، الذي عزلته القوات الإسرائيلية وبعيد عن متناول منظمات الإغاثة إلى حد كبير.

في شمال قطاع غزة الذي سحقته الضربات الإسرائيلية وأصبح من الصعب الوصول إليه، تهجم حشود من فلسطينيين جوعى وبائسين على شحنات المساعدات الشحيحة، ويقول عمال الإغاثة إنهم يرون أناسا في حالة هزال يتضورون جوعا وهو ما يتبين من شكل أعينهم الغائرة.

وتتحدث "واشنطن بوست" عن محمد أبو شرخ، جار محمد في بيت لاهيا، والذي انتظر أياما في نفس الطابور للحصول على الطحين. 

وأكد الرجل البالغ من العمر 39 عاما، إن أطفاله الستة "فقدوا الوزن، وتبرز أقفاصهم الصدرية".

وقال: "أعطيهم وجبة واحدة فقط في اليوم، عادة في الليل، حتى يتمكنوا من النوم دون بكاء".

وقالت ريم، وهي أم لثلاثة أطفال في مدينة غزة، إنها فقدت ما يقرب من 30 رطلا من وزنها".

وأضافت: "لا توجد فواكه أو خضروات".

وقالت ريم إن أسرتها تعيش على إمدادات متضائلة من الأرز، وفي بعض الأحيان يجدون البسكويت المدعم من وكالات الإغاثة.

ومن جانبها، قالت ميرفت البالغة 51 عاما، إن هناك المزيد من المواد الغذائية في رفح، حيث لجأ مليون نازح "لكن لا يتم توزيعها بالتساوي".

وأضافت:" نرى المساعدات قادمة ولكن إلى من لا نعرف، حتى أولئك الذين يوزعون المساعدات، فإنهم يعطونها لأصدقائهم، إذا كنت لا تعرف أحدًا، فلن تحصل على أي شخص".

وتذهب ميرفت مرتين كل أسبوع إلى مدرسة تديرها الأمم المتحدة، حيث تقول إنها تحصل على القليل من الخضار والبطاطس. 

وهي مصابة بداء السكري وقد أصيبت بعدوى في الكلى، على الأرجح بسبب الجفاف وعدوى المسالك البولية غير المعالجة. 

وقالت ميرفت إنها "تأكل مرة واحدة في اليوم، إذا أكلت على الإطلاق".

واندلعت الحرب في قطاع غزة إثر هجوم حركة حماس غير المسبوق في إسرائيل في السابع من أكتوبر الذي أسفر عن مقتل 1200 شخصا، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على الحركة"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، ما أسفر عن سقوط 26083 قتيلا غالبيتهم من النساء والأطفال، وإصابة 64487 شخصا بجروح فيما لا يزال كثيرون تحت الأنقاض ولا يمكن لفرق الإسعاف الوصول إليهم، وفق ما أعلنته، وزارة الصحة التابعة لحماس، الجمعة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

تلامذة نازحون يتابعون شرح مدرسهم في مدرسة مؤقتة في خيمة في مخيم بهركة، على بعد 10 كيلومترات غرب أربيل في إقليم كردستان، في 1 سبتمبر 2014. (صورة تعبيرية)
تلامذة نازحون يتابعون شرح مدرسهم في مدرسة مؤقتة في خيمة في مخيم بهركة، على بعد 10 كيلومترات غرب أربيل في إقليم كردستان، في 1 سبتمبر 2014. (صورة تعبيرية)

أثار قرار المحكمة الاتحادية بشأن توطين رواتب موظفي إقليم كردستان العراق ردود فعل متباينة. ففي الوقت الذي ترى فيه حكومة الإقليم أنه "انتهاك" لحقوقها الدستورية، يرى مختصون أن من شأن القرار تحقيق المساواة بين موظفي الدولة العراقية بالكامل وإنعاش اقتصاد الإقليم نفسه.

وكانت المحكمة الاتحادية العليا قررت إلزام كل من رئيس مجلس الوزراء الاتحادي محمد شياع السوداني ورئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، بتوطين رواتب الموظفين والعاملين في القطاع العام لدى المصارف الاتحادية.

وأمرت بإلزام تقديم الموازنة الشهرية لموظفي الإقليم لدى وزارة المالية الاتحادية، مع إلزام مجلس وزراء كردستان تسليم جميع الإيرادات النفطية وغير النفطية إلى الحكومة الاتحادية.

جاء النظر في القضية بعد رفع مجلس المعلمين في السليمانية دعوى قضائية ضد الحكومة المركزية وحكومة الإقليم تتعلق بتأخير دفع رواتب موظفي إقليم كردستان العام الماضي.

وقال المجلس في بيان إثر صدور القرار إن "قرار المحكمة الاتحادية جاء بعد مخاض عسير وجهد آلاف المعلمين والموظفين والمواطنين"، معتبرا أن توزيع الرواتب "حلم تحول إلى حقيقة".

يبين المحلل السياسي علي البدر أن حكومة الإقليم ترى في قرار المحكمة "إضعافاً لمفهوم الأقاليم وتعزيزا لحالة المركزية في إدارة البلاد، على الرغم من أن الدستور ذهب باتجاه الفيدرالية والحكم المحلي، وهو ما يجعل البصمة السياسية حاضرة في المشهد".

"ردود الأفعال التي لاحظناها من أطراف سياسية معينة (لم يسمّها) فيها نوع من الانتصار، كأن الموضوع سياسي أكثر من كونه قانونياً"، يضيف البدر لـ"ارفع صوتك".

وبغض النظر عن السياسة، فإن المستفيد في حالة تنفيذ القرار، كما يقول البدر، هو "المواطن الكردي المتضرر بشدة بسبب تأخر رواتبه، وكان ضحية الأزمة السياسية التي بدأت منذ عشر سنوات".

 

"تجاوز على حقوق الإنسان"

 

يبدو أن فرحة موظفي الإقليم بقرار المحكمة الاتحادية لن تكتمل إلا بتنفيذ قرار المحكمة بالكامل، فقد ربط القرار صرف الرواتب من قبل الحكومة الاتحادية بتسليم الإقليم لجميع الواردات النفطية وغير النفطية إلى بغداد. وهو الأمر الذي رفضته حكومة كردستان، على اعتبار أن هذه الواردات جزء من مكتسبات وحقوق الإقليم السياسية التي ناضل في سبيلها لعقود.

يقول النائب عن الاتحاد الديمقراطي الكردستاني محما خليل إن في القرار "تجاوزا واضحاً على حقوق الإقليم في تشريع القوانين واللوائح الخاصة به وفق المادة 14 من الدستور، التي نصت على أن جميع القوانين والقرارات المشرعة في برلمان إقليم كردستان سارية ما لم تتقاطع مع الدستور".

ويتهم في حديثه لـ"ارفع صوتك" الحكومة الاتحادية بـ"التجاوز على حقوق الإنسان" معللاً تصريحه بالقول: "نحن مع إعطاء حقوق الموظفين في الوسط والجنوب. ولكن عندما استثني من ذلك موظف الإقليم فهذا يعتبر تجاوزاً واضحاً على حقوقه، كما قامت كردستان بتوطين الرواتب، وكان يفترض وجود تنسيق في هذا الموضوع منذ فترة طويلة".

لكن السبب الرئيس في أزمة الرواتب لموظفي إقليم كردستان، من وجهة نظر  نائب رئيس لجنة الاقتصاد والتجارة ياسر الحسيني، نابع من "مماطلة حكومة الإقليم وعدم تسليمها الإحصاءات الدقيقة لأعداد موظفيها، وأيضاً لأنها لا تسلم وارداتها أُسوةً ببقية المحافظات".

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "المحكمة الاتحادية ذهبت إلى إلزام الطرفين (المركز والإقليم) بالاحتكام إلى الدستور والقانون وأن تسلم حكومة الإقليم وارداتها وتوطّن رواتب موظفيها، وإذا ما تم تنفيذ القرار فإنه لن يكون هناك شيء اسمه مشكلة رواتب الإقليم".

 

بين القانون والاقتصاد

على العكس مما يراه النائب محما خليل، يقول أستاذ مادة القانون الدستوري في جامعة بغداد، مصدق عادل، إن قرار المحكمة الاتحادية يصبّ في مصلحة موظفي الإقليم، "كونه حقق مساواتهم أمام القانون أسوة بموظفي الدولة الاتحادية وفق المادة 14 من الدستور التي كفلت حق المساواة عبر تحقيق المعيشة الكريمة الحرة لهم".

ويضيف لـ "ارفع صوتك" أن القرار أيضاً "أوقف جميع الادخار الإجباري أو الاستقطاعات التي كانت تستقطعها حكومة الإقليم والبالغة 30% من رواتب الموظفين في الإقليم".

"بالتالي، سيأخذ الموظف في كردستان راتبه سواء كانت هنالك مشكلة سياسية مع الحكومة الاتحادية أو لا توجد مشكلة" يتابع عادل.

وفي معرض رده على سؤال لـ"ارفع صوتك" عن التعقيدات التي يتحدث عنها سياسيون من إقليم كردستان، يرى عادل أن التعقيد "يأتي من إحساس القادة السياسيين في الإقليم أنهم فقدوا أمرتهم وسلطتهم على موظفي الإقليم وهو أمر بعيد عن الواقع، إذ كانوا يعتبرون أن إعطاء الرواتب جزء من السيطرة على الموظفين".

ويشرح أن "قرار المحكمة الاتحادية (13 لسنة 2013) ينص في المادة 13، على أن تقوم حكومة الإقليم بإعطاء الأولوية بصرف رواتب الإقليم دون أن يؤثر على الاستثمارات الأخرى. وفي حالة عدم قيام حكومة الإقليم بهذا الإجراء فإن على رئيس الوزراء الاتحادي اتخاذ الإجراءات اللازمة".

توصلت المحكمة الاتحادية إلى نتيجة "مهمة"، بحسب عادل، وهي أن "رئيس الوزراء الاتحادي ورئيس مجلس وزراء إقليم كردستان لم يؤدوا الواجب بتسليم الرواتب للموظفين، وعليه أعادت المحكمة هذه الرواتب لموظفي الإقليم لأنه جزء من مبدأ المساواة الذي يضمن المساواة بين أبناء الشعب".

من الناحية الاقتصادية، يؤكد أستاذ مادة النفط في جامعة المعقل بالبصرة، نبيل المرسومي، أن قرار المحكمة الاتحادية بتوطين رواتب الإقليم "في غاية الأهمية، كونه سيؤدي إلى تحقيق الاستقرار الوظيفي في كردستان وسينعش الحياة الاقتصادية فيها من خلال تعزيز الطلب الكلي الفعال الذي يعتمد بشكل أساسي على رواتب الموظفين التي تبلغ 775 مليار دينار عراقي شهريا".

إلا أن هذا القرار، كما يوضح المرسومي، "يتطلب عدم التزام الحكومة المركزية بالتخفيض الطوعي الثاني الذي التزم به العراق في أوبك بلس، والمحافظة على مستوى من الصادرات النفطية لا تقل عن 3.5 ملايين برميل يومياً لكي لا يتفاقم العجز في موازنة 2024".

وحتى لو تم الاتفاق مع كردستان على استئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي كما يشير المرسومي، "فإن هذا الأمر لا يغير شيئاً لأنه سيؤدي إلى تخفيض الإنتاج من ثم الصادرات النفطية جنوباً عبر البحر إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً انسجاماً مع حصة العراق في أوبك بلس".