"خطر المجاعة مرتفع ويتزايد كل يوم، مع استمرار الأعمال العدائية وتقييد وصول المساعدات الإنسانية"- تعبيرية
"خطر المجاعة مرتفع ويتزايد كل يوم، مع استمرار الأعمال العدائية وتقييد وصول المساعدات الإنسانية"- تعبيرية

"النوم هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يلهي أطفالي عن الشعور المؤلم بالجوع".. كلمات تعكس بها الفلسطينية هنادي الجمارة (38 عاما) بعضا من تفاصيل الحياة القاسية التي يعيشها سكان قطاع غزة المحاصر، وذلك في وقت حذرت فيه منظمة الصحة العالمية من أن "خطر المجاعة مرتفع ويتزايد كل يوم" هناك.

وفي تقرير لشبكة "سي إن إن" الأميركية، قالت الأم لسبعة أطفال، إنها أصبحت "تتسول الطعام" في شوارع مدينة رفح الطينية، لتطعم أبناءها وزوجها مريض السرطان والسكري.

وفي شمال غزة، أوضح أخصائي العلاج الطبيعي، محمد حمودة، أن كثيرين من أقاربه وأصدقائه لا يزالون في شمال قطاع غزة. وأضاف الأب لثلاثة أطفال في تصريحات للشبكة الأميركية: "يأكلون العشب ويشربون المياه الملوثة".

يذكر أن المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، أكد، الأربعاء، أن المنظمة تواجه "تحديات خطيرة" لتوصيل المستلزمات الطبية إلى القطاع. وأضاف: "نواجه صعوبة شديدة حتى في الوصول إلى المستشفيات جنوبي غزة".

وأردف: "ترد تقارير بوقوع قتال عنيف قرب المستشفيات في خان يونس، مما يعرقل بشدة وصول المرضى والموظفين والمستلزمات إلى المرافق الصحية".

وأشار أدهانوم غيبريسوس إلى أن موظفي المنظمة على الأرض يتحدثون عن تزايد نقص الأغذية بين المرضى وموظفي القطاع الصحي في غزة.

وقال: "خطر المجاعة مرتفع ويتزايد كل يوم، مع استمرار الأعمال العدائية وتقييد وصول المساعدات الإنسانية.. كل شخص يتحدث مع فرقنا يطلب الأغذية والمياه".

"موت القنابل أفضل"

تطرق إلى التحذير من المجاعة أيضًا، برنامج الأغذية العالمي، حيث أكد، الثلاثاء، أن كميات قليلة جدا من المساعدات الغذائية تجاوزت جنوبي قطاع غزة إلى شماله منذ بداية الصراع، وأن خطر حدوث مجاعة في مناطق بالقطاع الفلسطيني "لا يزال قائما".

ونقلت وكالة رويترز عن المتحدثة باسم البرنامج في الشرق الأوسط، عبير عطيفة، قولها إنه "من الصعب الوصول إلى الأماكن التي نحتاج إليها في غزة، وخاصة في شمال غزة".

وتابعت: "كميات قلية جدا من المساعدات تجاوزت الشطر الجنوبي من قطاع غزة.. أعتقد أن خطر وجود جيوب من المجاعة في غزة لا يزال قائمًا إلى حد كبير".

وفي تصريحاتها لشبكة "سي إن إن"، قالت الجمارة: "نحن نموت ببطء.. أعتقد أن الموت بالقنابل أفضل لنا.. نموت الآن من الجوع والعطش".

وحول وضع أطفالها حاليا، قالت: "إنهم ضعفاء ويعانون من إسهال دائم ووجوههم أصبحت صفراء. ابنتي البالغة من العمر 17 عاما، تبلغني بأنها تشعر بالدوار، وزوجي لا يتناول الطعام".

وفي ظل الأوضاع المأساوية للسكان شمالي القطاع، قال حمودة إنه بلغه من أصدقاء له في جباليا، أن بعض الأشخاص في ظل عدم وجود الطعام، "قاموا بوقت سابق من هذا الشهر بذبح حمار ليأكلوا لحمه".

وفي تقرير لصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، قالت سيدة تدعى عبير (43 سنة) وتعيش في خيمة بمدينة رفح جنوبي القطاع قرب الحدود مع مصر: "نعيش 11 شخصا في خيمة ضيقة جدا". وتابعت أنه على الرغم من ذلك "من يملك خيمة هو محظوظ جدا".

لحظة دمرت كل شيء

نزحت عبير مع بداية الحرب رفقة أسرتها إلى مدينة خان يونس شمالي رفح، وظلوا هناك حتى مطلع ديسمبر الماضي، حيث نزحوا مجددا تحت القصف إلى رفح، وحصلوا على خيمة من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وباتت منزلهم منذ ذلك الوقت.

وتشير إحصائيات الأمم المتحدة أن 1.7 مليون شخص في قطاع غزة نزحوا منذ السابع من أكتوبر، وباتت الخيام تكتظ بالنازحين في مدينة رفح، ووصل عددهم إلى مليون شخص.

ووصفت عبير الأوضاع السيئة والخيام المهترئة في ظل دخول فصل الشتاء، إنها "درست وعملت وقامت ببناء منزل مع زوجها وأنجبت أطفالا، وكل ذلك دُمر في لحظة واحدة".

أما نور الحلو (44 عاما) الأم لثلاثة أطفال، فقد نزحت إلى رفح من مخيم جباليا قرب مدينة غزة شمالي القطاع، وقالت في تصريحات لمركز بتسليم الحقوقي الإسرائيلي: "نعيش في خيمة مساحتها 20 مترا نصبناها من الخيام والبطانيات. نحن 32 شخصا بداخلها، من بينهم 14 طفلا. وفي الليل ننام قريبين من بعضنا البعض، ويكون النوم صعبا بسبب الزحام والبرد والمطر".

وتحدثت عن أزمة المياه النظيفة أيضًا، حيث ترسل أطفالها لملء العبوات من مدرسة مجاورة لا يوجد فيها ماء يكفي للشرب أو الغسيل أو الاستحمام، وقالت: "لم نغتسل لمدة شهر ونصف بسبب قلة المياه".

وأشارت في حديثها إلى طابور انتظار طويل على دخول المرحاض، ولفتت أيضًا إلى نقص مستلزمات النظافة الشخصية الخاصة بالنساء، فقالت: "نستخدم قطع قماش ونغسلها بعد ذلك، لكن الأمر صعب جدا بسبب نقص المياه أيضًا".

وما يزيد من محنة السكان، التهديد الذي تتعرض له المساعدات التي تديرها وكالة أونروا التابعة للأمم المتحدة، بعدما اتهمت إسرائيل 12 من موظفيها البالغ عددهم 30 ألفا، بالتورط في هجمات حماس في 7 أكتوبر.

وعقب الاتهامات التي وجّهتها إسرائيل إلى موظفي الأونروا، علّقت 13 دولة تمويلها للوكالة، في انتظار أن تقدّم توضيحات حول ذلك.

وحذر رؤساء وكالات إنسانية تابعة للأمم المتحدة في بيان مشترك، الأربعاء، من أن قطع التمويل عن وكالة "الأونروا" سيكون له "عواقب كارثية" على غزة.

من جانبها، أكدت أونروا أنها فصلت الموظفين المتهمين، بينما توفي اثنان منهم، مؤكدة أنها فتحت تحقيقا في الاتهامات.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

تلامذة نازحون يتابعون شرح مدرسهم في مدرسة مؤقتة في خيمة في مخيم بهركة، على بعد 10 كيلومترات غرب أربيل في إقليم كردستان، في 1 سبتمبر 2014. (صورة تعبيرية)
تلامذة نازحون يتابعون شرح مدرسهم في مدرسة مؤقتة في خيمة في مخيم بهركة، على بعد 10 كيلومترات غرب أربيل في إقليم كردستان، في 1 سبتمبر 2014. (صورة تعبيرية)

أثار قرار المحكمة الاتحادية بشأن توطين رواتب موظفي إقليم كردستان العراق ردود فعل متباينة. ففي الوقت الذي ترى فيه حكومة الإقليم أنه "انتهاك" لحقوقها الدستورية، يرى مختصون أن من شأن القرار تحقيق المساواة بين موظفي الدولة العراقية بالكامل وإنعاش اقتصاد الإقليم نفسه.

وكانت المحكمة الاتحادية العليا قررت إلزام كل من رئيس مجلس الوزراء الاتحادي محمد شياع السوداني ورئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، بتوطين رواتب الموظفين والعاملين في القطاع العام لدى المصارف الاتحادية.

وأمرت بإلزام تقديم الموازنة الشهرية لموظفي الإقليم لدى وزارة المالية الاتحادية، مع إلزام مجلس وزراء كردستان تسليم جميع الإيرادات النفطية وغير النفطية إلى الحكومة الاتحادية.

جاء النظر في القضية بعد رفع مجلس المعلمين في السليمانية دعوى قضائية ضد الحكومة المركزية وحكومة الإقليم تتعلق بتأخير دفع رواتب موظفي إقليم كردستان العام الماضي.

وقال المجلس في بيان إثر صدور القرار إن "قرار المحكمة الاتحادية جاء بعد مخاض عسير وجهد آلاف المعلمين والموظفين والمواطنين"، معتبرا أن توزيع الرواتب "حلم تحول إلى حقيقة".

يبين المحلل السياسي علي البدر أن حكومة الإقليم ترى في قرار المحكمة "إضعافاً لمفهوم الأقاليم وتعزيزا لحالة المركزية في إدارة البلاد، على الرغم من أن الدستور ذهب باتجاه الفيدرالية والحكم المحلي، وهو ما يجعل البصمة السياسية حاضرة في المشهد".

"ردود الأفعال التي لاحظناها من أطراف سياسية معينة (لم يسمّها) فيها نوع من الانتصار، كأن الموضوع سياسي أكثر من كونه قانونياً"، يضيف البدر لـ"ارفع صوتك".

وبغض النظر عن السياسة، فإن المستفيد في حالة تنفيذ القرار، كما يقول البدر، هو "المواطن الكردي المتضرر بشدة بسبب تأخر رواتبه، وكان ضحية الأزمة السياسية التي بدأت منذ عشر سنوات".

 

"تجاوز على حقوق الإنسان"

 

يبدو أن فرحة موظفي الإقليم بقرار المحكمة الاتحادية لن تكتمل إلا بتنفيذ قرار المحكمة بالكامل، فقد ربط القرار صرف الرواتب من قبل الحكومة الاتحادية بتسليم الإقليم لجميع الواردات النفطية وغير النفطية إلى بغداد. وهو الأمر الذي رفضته حكومة كردستان، على اعتبار أن هذه الواردات جزء من مكتسبات وحقوق الإقليم السياسية التي ناضل في سبيلها لعقود.

يقول النائب عن الاتحاد الديمقراطي الكردستاني محما خليل إن في القرار "تجاوزا واضحاً على حقوق الإقليم في تشريع القوانين واللوائح الخاصة به وفق المادة 14 من الدستور، التي نصت على أن جميع القوانين والقرارات المشرعة في برلمان إقليم كردستان سارية ما لم تتقاطع مع الدستور".

ويتهم في حديثه لـ"ارفع صوتك" الحكومة الاتحادية بـ"التجاوز على حقوق الإنسان" معللاً تصريحه بالقول: "نحن مع إعطاء حقوق الموظفين في الوسط والجنوب. ولكن عندما استثني من ذلك موظف الإقليم فهذا يعتبر تجاوزاً واضحاً على حقوقه، كما قامت كردستان بتوطين الرواتب، وكان يفترض وجود تنسيق في هذا الموضوع منذ فترة طويلة".

لكن السبب الرئيس في أزمة الرواتب لموظفي إقليم كردستان، من وجهة نظر  نائب رئيس لجنة الاقتصاد والتجارة ياسر الحسيني، نابع من "مماطلة حكومة الإقليم وعدم تسليمها الإحصاءات الدقيقة لأعداد موظفيها، وأيضاً لأنها لا تسلم وارداتها أُسوةً ببقية المحافظات".

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "المحكمة الاتحادية ذهبت إلى إلزام الطرفين (المركز والإقليم) بالاحتكام إلى الدستور والقانون وأن تسلم حكومة الإقليم وارداتها وتوطّن رواتب موظفيها، وإذا ما تم تنفيذ القرار فإنه لن يكون هناك شيء اسمه مشكلة رواتب الإقليم".

 

بين القانون والاقتصاد

على العكس مما يراه النائب محما خليل، يقول أستاذ مادة القانون الدستوري في جامعة بغداد، مصدق عادل، إن قرار المحكمة الاتحادية يصبّ في مصلحة موظفي الإقليم، "كونه حقق مساواتهم أمام القانون أسوة بموظفي الدولة الاتحادية وفق المادة 14 من الدستور التي كفلت حق المساواة عبر تحقيق المعيشة الكريمة الحرة لهم".

ويضيف لـ "ارفع صوتك" أن القرار أيضاً "أوقف جميع الادخار الإجباري أو الاستقطاعات التي كانت تستقطعها حكومة الإقليم والبالغة 30% من رواتب الموظفين في الإقليم".

"بالتالي، سيأخذ الموظف في كردستان راتبه سواء كانت هنالك مشكلة سياسية مع الحكومة الاتحادية أو لا توجد مشكلة" يتابع عادل.

وفي معرض رده على سؤال لـ"ارفع صوتك" عن التعقيدات التي يتحدث عنها سياسيون من إقليم كردستان، يرى عادل أن التعقيد "يأتي من إحساس القادة السياسيين في الإقليم أنهم فقدوا أمرتهم وسلطتهم على موظفي الإقليم وهو أمر بعيد عن الواقع، إذ كانوا يعتبرون أن إعطاء الرواتب جزء من السيطرة على الموظفين".

ويشرح أن "قرار المحكمة الاتحادية (13 لسنة 2013) ينص في المادة 13، على أن تقوم حكومة الإقليم بإعطاء الأولوية بصرف رواتب الإقليم دون أن يؤثر على الاستثمارات الأخرى. وفي حالة عدم قيام حكومة الإقليم بهذا الإجراء فإن على رئيس الوزراء الاتحادي اتخاذ الإجراءات اللازمة".

توصلت المحكمة الاتحادية إلى نتيجة "مهمة"، بحسب عادل، وهي أن "رئيس الوزراء الاتحادي ورئيس مجلس وزراء إقليم كردستان لم يؤدوا الواجب بتسليم الرواتب للموظفين، وعليه أعادت المحكمة هذه الرواتب لموظفي الإقليم لأنه جزء من مبدأ المساواة الذي يضمن المساواة بين أبناء الشعب".

من الناحية الاقتصادية، يؤكد أستاذ مادة النفط في جامعة المعقل بالبصرة، نبيل المرسومي، أن قرار المحكمة الاتحادية بتوطين رواتب الإقليم "في غاية الأهمية، كونه سيؤدي إلى تحقيق الاستقرار الوظيفي في كردستان وسينعش الحياة الاقتصادية فيها من خلال تعزيز الطلب الكلي الفعال الذي يعتمد بشكل أساسي على رواتب الموظفين التي تبلغ 775 مليار دينار عراقي شهريا".

إلا أن هذا القرار، كما يوضح المرسومي، "يتطلب عدم التزام الحكومة المركزية بالتخفيض الطوعي الثاني الذي التزم به العراق في أوبك بلس، والمحافظة على مستوى من الصادرات النفطية لا تقل عن 3.5 ملايين برميل يومياً لكي لا يتفاقم العجز في موازنة 2024".

وحتى لو تم الاتفاق مع كردستان على استئناف تصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي كما يشير المرسومي، "فإن هذا الأمر لا يغير شيئاً لأنه سيؤدي إلى تخفيض الإنتاج من ثم الصادرات النفطية جنوباً عبر البحر إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يومياً انسجاماً مع حصة العراق في أوبك بلس".