Palestinians inspect the site of an Israeli strike on a residential building, at Nuseirat refugee camp in central Gaza Strip
صورة تعبيرية لمبان دمرتها الغارات الإسرائيلية على مخيم النصيرات في قطاع غزة

سلط تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" بعنوان "ضحايا الظل في غزة"، السبت، الضوء على معاناة سكان القطاع للوصول لأحبائهم المدفونين تحت الأنقاض نتيجة العمليات العسكرية التي تشنها إسرائيل ضد حركة حماس منذ نحو خمسة أشهر.

وقالت الصحيفة إن غزة تحولت لمقبرة تصل مساحتها لأكثر من 225 كيلومتر مربع، فيما تواصل العائلات وعمال الإنقاذ البحث في المباني المدمرة عن الأصدقاء والأقارب المفقودين، باستخدام أدوات بدائية وأحيانا كثيرة بواسطة الأيدي فقط.

تشير أحدث تقديرات وزارة الصحة التابعة لحماس إلى أن عدد الأشخاص المفقودين في غزة وصل لحوالي 7000 شخص. 

لكن هذا الرقم لم يتم تحديثه منذ نوفمبر، إذ يقول المسؤولون في غزة وعمال الإغاثة إن آلافاً آخرين قد أضيفوا على الأرجح إلى هذه الحصيلة في الأسابيع والأشهر التي تلت ذلك.

جرى دفن البعض على عجل بحيث لا يمكن إحصاؤهم، فيما يرقد آخرون متحللين في العراء، في أماكن خطرة للغاية لا يمكن الوصول إليها، وفقا للصحيفة.

وتضيف الصحيفة أنه وبعد كل غارة جوية، يتجمع حشد صغير من رجال لإنقاذ أفراد أسر وجيران تحت الأنقاض للبحث عن ناجين محتملين، لكن الآمال تتضاءل بسرعة لإنه في العادة يتم العثور على الأشخاص الذين يبحثون عنهم ميتين تحت الحطام، بعد أيام أو أسابيع أو حتى أشهر.

في مقاطع منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي راجعتها الصحيفة، يظهر في أحدها أب يتسلق تلة من بقايا أنقاض قطع خرسانية وهو يصرخ موجها كلامه لابنته على ما يبدو قائلا: "لا أستطيع سماعك يا حبي".

يواصل الرجل النحيب وهو يضرب بمطرقته على قطع الخرسانة مرارا وتكرارا قبل أن ينهار: "سلمى ألم أقل لك أن تعتني بأختك؟".

وفي مقطع آخر يظهر رجل آخر وهو جالس على كومة ركام أخرى يبحث عن زوجته وأولاده، رهف، 6 أعوام، وعبود، 4 أعوام وهو يصرخ بصوت عال: "رهف ماذا فعلتي لتستحقي هذا؟".

وفقا للصحيفة فقد سلمت معظم العائلات بأن المفقودين تحت الأنقاض لقوا حتفهم، في وقت تسبب فيه القصف المستمر وتبادل إطلاق النار والغارات الجوية في جعل عمليات البحث أكثر خطورة.

تشير الصحيفة إلى أن عمليات البحث والإنقاذ مستحيلة من دون توفر آلات ثقيلة أو وقود لتشغيلها، وفي كثير من الأحيان، لا يتوفر أي منهما.

تخضع غزة لحصار منهك تفرضه إسرائيل ومصر بشكل مشترك منذ سيطرة حماس على القطاع في عام 2007.

كما أن أنواع المعدات المستخدمة عادة لإنقاذ الناس بعد الزلازل وغيرها من أحداث الدمار الشامل ممنوعة إلى حد كبير من دخول القطاع.

في جميع أنحاء غزة لا يوجد سوى حفارتان فقط متاحتان لهذه المهمة وفقا لأحمد أبو شهاب، وهو عامل في الدفاع المدني في القطاع، ومن دونها يعتمد رجال الإنقاذ على المجارف والمثاقب وأيديهم وهي مهمة شبه مستحيلة.

في الخريف الماضي، قال أبو شهاب إنه كان جزءا من فريق استخدم الجرافات والحفارة لانتشال عشرات الأشخاص من تحت أنقاض منزل مكون من ثلاثة طوابق.

استغرق الوصول إلى الأشخاص الموجودين في الداخل 48 ساعة، لكن بحلول ذلك الوقت كانوا جميعا قد ماتوا، وفقا لأبو شهاب.

واندلعت الحرب في قطاع غزة في 7 أكتوبر نتيجة هجوم غير مسبوق شنه مسلحو حماس من قطاع غزة على جنوب إسرائيل أودى بما لا يقل عن 1160 شخصا معظمهم من المدنيين، بحسب أرقام إسرائيلية رسمية.

وردا على ذلك، تواصل إسرائيل شن عملية عسكرية أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من ٣٢ ألف شخص في غزة معظمهم من المدنيين، وفقا لوزارة الصحة التابعة لحماس.

ودفعت الحرب 2,2 مليون شخص إلى شفير المجاعة وثلاثة أرباع السكان في القطاع المدمر إلى النزوح، بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

امرأة صومالية في إحدى المستشفيات يعاني طفلها من سوء التغذية- فرانس برس 2022
امرأة صومالية في إحدى المستشفيات يعاني طفلها من سوء التغذية- فرانس برس 2022

كان المتوقع أن يودّع العالم الجوع في عام 2030 إذا ما نجحت المبادرة التي تبنّتها الأمم المتحدة لاستثمار 267 مليار دولار سنوياً من أجل القضاء على الجوع وانعدام الأمن الغذائي حول العالم، إلا أن الواقع الحالي يؤكد أننا أبعد ما نكون عن تحقيق هذا الهدف.

وبعد أن مرَّ العالم بجائحة فيروس كورونا وتغيرات مناخية عنيفة في بعض المناطق ثم حربي أوكرانيا وغزة فإن الأوضاع ازدادت سوءاً؛ ومنذ 2020 ارتفعت مؤشرات الجوع مع توقعات بأن الأوضاع الحقيقية أسوأ مما ترصده الأرقام بكثير.

موجة الجوع التي تفاقمت في العالم خلال السنوات الأخيرة طالت 30% من سكانه بمعدل 2.4 مليار فرد خسروا إمكانية الوصول المستمر إلى الغذاء كلما احتاجوا إليه، بجانب 42% من السكان باتوا غير قادرين على تناول الغذاء الصحي بسبب ارتفاع تكاليفه.

وبحسب التوقعات التي أُعدت العام الماضي فإن سنة 2024 ستشهد تدهوراً "كبيراً" في أحوال سكان 18 دولة من أصل 22 دولة سبق تصنيفها كـ"نقاط جوع ساخنة"، تعيش أوضاعاً متدهورة تدفعها بسرعة نحو حافة المجاعة وسط عجز العالم عن التعامل مع هذه المشكلات الضخمة.

كذلك فإن 46 دولة جاهدت لتحسين وضعها في مؤشرات الجوع العالمية لكنها لم تصل إلى درجة "منخفضة" بسبب الأزمات الكبيرة التي تعرضت لها وعانَى منها الملايين من ساكنيها.

نتيجة لهذه الأوضاع؛ اعتبر مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم، أن تحقيق أهداف "مبادرة 2030" يمثّل تحدياً هائلاً بعدما قدّر أن عدد الذين سيُعانون من الجوع في هذه السنة لن يقل عن 600 مليون فردٍ في أفضل الأحوال.

الأمر ذاته تعرّض له مؤشر الجوع العالمي في تقريره السنوي، حيث أن العالم ليس على المسار الصحيح للقضاء على الجوع.

 

إحصائيات مخيفة

وفق تقديرات الأمم المتحدة عن حالة الجوع في 2023، فإن متوسط عدد الأشخاص الذين واجهوا الجوع بلغوا 735 مليون شخصٍ تقريباً بزيادة قدرها 122 مليون فردٍ عن عددهم في 2019. كما تؤكد ذات التقديرات أن 148 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من التقزم و45 مليوناً من الهزال بسبب سوء التغذية.

ورغم أن جهود مواجهة الجوع حققت تقدماً في بعض دول آسيا وأمريكا اللاتينية فإن دول أخرى في منطقة البحر الكاريبي وأفريقيا عانت من ارتفاعٍ كبير في مستويات الجوع.

قارة أفريقيا تحديداً تعاني من أزمة غذائية كبرى حتى أن دولها شغلت المراكز العشر الأولى في مؤشر الفقر بعدما مرّت بنزاعات عسكرية طويلة تزامنت مع أزمات مناخية زادت من معاناة السكان؛ هي: جمهورية أفريقيا الوسطى، مدغشقر، اليمن، الكونغو، ليسوتو، النيجر، تشاد، غينيا بيساو، ليبريا، سيراليون، مع تأكيدات عن وجود دول أخرى تستحقُّ مكاناً بارزاً في هذه القائمة لو توفّرت الإحصائيات الرسمية المناسبة، مثل: الصومال وبوروندي وجنوب السودان.

 

دول الحروب والجوع

السودان الذي يعيش حرباً أهلية منذ سنة تقريباً سقط عميقاً في تداعيات هذا القتال الذي حرم ملايين السودانيين من زراعة أراضيهم، وعطّل حركة الاستيراد ورفع الأسعار بشكلٍ كبير وقيّد دخول المساعدات الإنسانية إلى البلاد.

جراء ذلك دخل حوالي 18 مليون سوداني في دائرة الجوع الحاد، وفق ما أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو).

وبحسب إحصائيات دولية فإن 730 ألف طفل سوداني يعانون من سواء التغذية الشديد، من بينهم أطفال دارفور، حيث يموت منهم طفل كل ساعتين في مخيمات النازحين بسبب سوء التغذية، كذلك فإن 9 من بين كل 10 أفراد في مناطق الصراع الساخنة يعيشون انعدام الأمن الغذائي.

ويبدو أن هذه المشكلة لن تُحلّ قريباً في ضوء غياب الإرادة الدولية لذلك؛ فمن 2.7 مليار دولار أعلنت الأمم المتحدة احتياجها لها لإغاثة المتضررين السودانيين لم تتلقّ سوى 144 مليون دولار فقط.

كذلك هاييتي التي تعيش أوضاعاً شديدة الاضطراب منذ مقتل الرئيس جوفينيل مويز في يوليو 2021، بسبب أعمال الاقتتال الداخلي التي أسفرت عن مقتل الآلاف ونزوح مئات الآلاف من بيوتهم.

حالياً يعيش أكثر من 360 ألف نازح في هاييتي -المُصنّفة كأفقر دولة في الأميركيتين- ظروفاً مروعة يعجز العالم عن حلّها بالشكل الناجز بسبب سيطرة العصابات على الطرق الرئيسة واستيلائها المنتظم على المساعدات التي ترد من الخارج، الأمر الذي وضع هاييتي في أسوأ أزمة جوع عرفتها في تاريخها.

وفقاً للأمم المتحدة فإن أكثر من نصف سكان هاييتي (5.2 مليون فرد) بحاجة ماسة للحصول على طعام. ووفق دراسة أُجرتها منظمة إنسانية منتصف العام الماضي يعاني 97% من أسر المشاركين بها من الجوع الشديد.

أما قطاع غزة الفلسطيني الذي يعيش حرباً ضارية منذ أكتوبر 2023، فإنه يعاني أزمة غذائية ضارية قادته لحافة المجاعة بعدما توفي قرابة 27 طفلاً بسبب الجوع. وبحسب تقرير دولي فإن 1.1 مليون شخص في غزة -نصف السكان تقريباً- استنفدوا بالكامل إمداداتهم الغذائية و300 ألف فردٍ منهم سيدخلون في مجاعة خلال أيامٍ معدودة، كما أن واحداً من بين كل ثلاثة أطفال يعانون من سوء التغذية الحادة التي قد تؤدي بهم للموت.

إلى الصومال الذي يعيش أوضاعاً صعبة هو الآخر بسبب ظروف الحرب والمناخ القاسي الذي يعانيه منذ سنوات. فقد وصل عدد الأشخاص الذين يُعانون الجوع نحو 4.3 مليون فرد من بينهم مليون شخص مهدد بالمجاعة.

كذلك فإن الاضطرابات الكبرى التي تعيشها جمهورية الكونغو دفعت ربع السكان (قرابة 23.4 مليون) إلى أزمة جوع غير مسبوقة، هذه الأوضاع الصعبة دعت برنامج الأغذية العالمي لإعلان حاجته إلى 548.5 مليون دولار لمواصلة عملياته في الكونغو.

وكان برنامج الأغذية العالمي أصدر توقعات متشائمة عن الأوضاع في أفريقيا، منها زيادة كبيرة في أعداد الجياع في دول غرب ووسط أفريقيا لتصل إلى 49.5 مليون فرد في منتصف 2024.

بالإضافة إلى توقع بأن 8 من بين كل 10 أطفال لا يأكلون الحد الأدنى من معدلات الغذاء العالمية، 2 من بين كل 3 أسر لا تملك ما يكفي لتوفير الغذاء الكاف، وتوقعات مؤكدة بتزايد عدد الأطفال الذين يعانون من الهزال الشديد بسبب قِلة الطعام الذين بلغ عددهم 1.9 مليون طفل في 9 دول أفريقية نهاية العام الماضي.