"هناك ضرورة للإصلاح الديني في المجتمعات العربية والإسلامية، وهو شرط للإصلاح السياسي والتطور الاجتماعي، وذلك لأن السياسة والأنظمة السياسية تقوم في المجتمعات العربية والإسلامية على الدين أو على فهم خاص ومتعدد للدين الإسلامي"، قال الباحث والكاتب العراقي أحمد الكاتب لموقع "إرفع صوتك".

ولفت الكاتب إلى أن بعض الطوائف والأحزاب يعتقد أن "السياسة أو النظام الدستوري جزء من الدين وأن الدين يمتلك رؤية دستورية وسياسية كالخلافة أو الإمامة، وأن الدين الإسلامي يمتلك نظاماً شاملاً للحياة بما فيه النظام السياسي، ولذلك فانه يرفض الانفتاح على التجارب الغربية والإنسانية بصورة عامة ومنها التجربة الديمقراطية التي يستحيل دمجها بالإسلام كما يعتقد ذلك البعض".

وأشار الباحث العراقي إلى مشكلة أخرى هي وجود فرق وأحزاب وطوائف "تمتلك رؤى خاصة بها للدين وتكفر ٩٩٪ من المسلمين، وتصادر على ضوء ذلك حق الناس في الحرية والعدل والحياة" وتابع: "من هنا فإن هناك ضرورة لإعادة قراءة الدين وفهمه بشكل أفضل، ولا أعني بالضرورة إصلاح الدين نفسه بقدر ما أعني إصلاح فهمنا للدين".

تنزيه الدين عن الخرافة

وشدد على "ضرورة إصلاح فهمنا لعلاقة الإسلام بالنظام الدستوري والسياسي" وضرورة "تنزيه الدين عن الخرافات والأساطير والأحاديث الضعيفة الدخيلة فيه ومعرفة الأولويات ومقاصد الشريعة". فبرأيه، "لا يجوز أن نتشبث بالأمور الهامشية والصغيرة ونغفل عن الأمور الرئيسية والمهمة مثل العدالة الاجتماعية".

قبل أشهر، دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي رجال الدين إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة التي ترسخت في أذهان الأمة الإسلامية، معبراً عن "الحاجة إلى ثورة دينية".

رحب كثيرون بدعوته وانتقدها آخرون باعتبارها كلاماً دعائياً وباعتبار أن "الإصلاح الديني يحتاج إلى علماء في الدين الإسلامي لا إلى طغاة"، كما قال الباحث الأمريكي دانيال بايبس، في مقال نشره في صحيفة "الأوستراليان".

الاسلام وفقهاء السلطان

 ويؤكد معظم الباحثين تبعية المراكز الدينية الأساسية للسلطة السياسية. وأشار المفكر المصري حسن حنفي إلى أن العالِم هو فقيه السلطان وأن "شيخ الأزهر لم يصدر قراراً مخالفاً للسلطة" المصرية ودائماً ما كان يفتي بحسب أهواء الحاكم ضارباً مثل فتواه بعدم جواز الصلح مع إسرائيل في عهد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، ثم فتواه بأن ذلك يجوز في عهد خلفه أنور السادات، والمقرر في الحالتين كان "نفس مجموعة المشايخ".

وبحسب أحمد الكاتب، لا يمكن أن يحدث الإصلاح بصورة مفاجئة وشاملة، وإنما "لا بد أن نتوقع أن يتم عبر مراحل وخطوات تدريجية". أما المسؤولون عنه فهُم المثقفون المستقلون بالدرجة الأولى، فـ"رجال السياسة تمنعهم مصالحهم من التغيير والإصلاح، وكذلك ما يسمى برجال الدين سواء المرتبطين منهم بالأنظمة الحاكمة، والتابعين لها، أو المرتبطين بالجماهير العامة وهم صورة أخرى عن الحكام إلا ما ندر منهم".

وبرغم الكلام والمؤتمرات الكثيرة عن الإصلاح الديني، لا تزال معظم المساعي الإصلاحية غير قادرة على الخروج عن إطار الفقه التقليدي، ولذلك فإنها تعجز عن المضي بعيداً، كما كان قد لاحظ الباحث المصري الراحل نصر حامد أبو زيد.

"معتدلون" وإرهابيون: مرجع ديني واحد؟

 وكان المفكر الإسلامي السوري محمد شحرور قد أشار إلى أن العلماء المعتدلين غير قادرين على تفنيد آراء وأعمال الإرهابيين "لأن المراجع التي تُدرّس في الأزهر وفي السعودية هي نفس المراجع التي يعتمد عليها بن لادن وأيمن الظواهري".

للقيام بإصلاح ديني جدّي، بحسب أبو زيد، "علينا أن نأخذ بعين الاعتبار تلك الآيات القرآنية التي تتوجه مباشرةً وصراحةً إلى النبي وإلى المجتمع الذي عاش فيه". فعلى سبيل المثال، يرى أن عقوبة قطع يد السارق ما هي إلا "اقتباس من المجتمع العربي قبل الإسلام"، ما يبرّر إلغاءها حالياً.

على أرض الواقع، هناك مبادرات تضع ضمن أولوياتها القيام بإصلاح ديني ومنها مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق في قطر. هؤلاء المقرّبون من الداعية طارق رمضان يدعون إلى تجديد تأويل القرآن والتركيز على البعد الأخلاقي في الشريعة، "لمواكبة التحولات الراهنة وتلبية تطلعات المسلمين وغير المسلمين في عالمنا المعاصر"، كما قال نائب مدير المركز جاسر عودة.

وكمثال على الفائدة العملية من فكر المركز، أشار عودة إلى أن الكثير من الإسلاميين يقاربون السياسة عبر النصوص الحرفية ويعتقدون بإمكانية تشييد الخلافة كما كانت في الماضي، "ولكن إذا نظرنا إلى الجوهر الذي تقوم عليه الخلافة، لوجدنا أن المقصد دولة تقوم على العدل". ولكن هذه المبادرات لا تزال نخبوية ويصعب أن يطال عملها جمهور المسلمين.

الشيعة: رؤى تجديدية للدين

وعلى الساحة الشيعية، خرجت رؤى تجديدية للدين من أوساط علماء الدين الإيرانيين أكثر من نظرائهم العرب. ومن الأمثلة على ذلك اعتبار آية الله محمد تقي فضل ميبودي أنَّ العديد من الأحكام المثيرة للجدل اليوم إنما أصدرها الرسول لزمنه ولمجتمع ذاك الزمان، ذاكراً أحكام تتناول حقوق المرأة، وسن الزواج، والرق، والمعاقبة على الزنا والردة، والتمييز ضد الأقليات الدينية.

وكان أحمد الكاتب قد أصدر في نهاية العام 2008 بياناً عنوانه "البيان الشيعي الجديد"، تضمّن مراجعة لبعض الأفكار المنتشرة بين الشيعة، ونقضاً لبعض ما يعتبره الشيعة ثوابت. وفي ما خص العلاقة بين الناس ورجال الدين، دعا عامة الناس إلى الاجتهاد والتفكير ودراسة الآراء المختلفة واختيار الرأي الصائب من بينها.

إلا أن القوى التقليدية في المؤسسات الدينية لا تزال تحاصر كل خطوة جدية إصلاحية. فمعظم الإصلاحيين الإيرانيين الذين حاولوا التجديد انتهوا إما في السجن أو في الإقامة الجبرية أو فروا إلى خارج بلدهم.

كذلك يواجه الأزهر، الشهير بأنه "منارة المعتدلين السنّة"، كل من يخرج بعيداً عن رؤيته "الرسمية" للدين. فقبل أشهر، طالب بإيقاف برنامج تلفزيوني كان يقدّمه المفكر الشاب إسلام بحيري، على فضائية "القاهرة والناس"، لأنه يدعو إلى "ضرورة التجديد الديني" وينتقد تقصير الأزهر في هذا المجال ويشكك في صحة بعض الأحاديث المنسوبة إلى الرسول في الكتب المعتمدة عند السنّة وفي كتابات لعلماء كبار.

الصورة: المسجد النبوي في المدينة، المملكة العربية السعودية/وكالة الصحافة الفرنسية

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.