من مصر إلى ليبيا ثم سورية واليمن تبخرت الأحلام.. قالوا: في البداية لا بد من الآلام، ولا توجد ولادة من دون مخاض، واستنتجوا ذلك من تاريخ أوروبا. لكن توالت الأعطاب، وسئم الشعب سريعا من الفوضى فهبّ مستغيثا بالجنرالات.

كبوات "ربيع الثورات" خدشت أحلام الشباب في الدول العربية. لقد طبخوا الثورات في وقت وجيز، و بدل أن "يحصّنوها بالثوابت الصلبة للديموقراطية قادوها إلى أحضان الشيوخ واستأمنوا عليها أفواه البنادق" يقول مراقبون.

البعض حمل الغرب مسؤولية فشل الربيع العربي. قالوا إن أميركا لم تتحرك في الوقت المناسب لدعم الثورات. لقد تمخضت الثورات فولدت تنظيمات متشددة وأشباه جيوش، في العراق وسورية وفي اليمن وليبيا أيضا.

تنفق الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات سنويا في إطار مساعيها لـ"نشر الديموقراطية" في سائر دول العالم التي لا تزال ترزح تحت ظل أنظمة ديكتاتورية واستبدادية، وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. فماهي مآخذ المناصرين للديموقراطية في العالم العربي على واشنطن؟

خفض المعونات

لقد أثار  قرار الإدارة الأميركية خفض معوناتها المالية المخصصة لبرامج الديموقراطية والحوكمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في موازنة 2014، تساؤلات العديد من المراقبين حول ماهية القرار وتوقيته الذي يتزامن مع تحولات سياسية في العديد من بلدان المنطقة.

فقد أقرت الحكومة في موازنتها لـ 2014 مبلغ 7.36 مليار دولار كمساعدات خارجية إجمالية للمنطقة بنسبة انخفاض بلغت تسعة في المئة عن قيمة المساعدات للعام الماضي، خصصت منها 298.3 مليون دولار لدعم الديموقراطية والحوكمة، وهو مبلغ يقل بنحو 160.9 مليون دولار عن المبلغ الذي خصصته للغرض نفسه في 2013.

وكشف تقرير صدر عن مشروع الديمقراطية في الشرق الاوسط ان الزيادة في الميزانية لعام 2015 التي وصل مبلغ المخصصات فيها الى 406.8 مليون دولار غير انها تبقى منخفضة بنسبة 18 بالمئة مقارنة مع العام 2010.

واختلفت التفسيرات حول الخلفيات الحقيقية وراء هذا القرار، الذي اعتبره بعض الملاحظين نتيجة للأزمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة والتي أجبرت الحزبين الجمهوري والديموقراطي على التوصل إلى اتفاق بعد مفاوضات شاقة حول الموازنة.

وفي هذا الصدد، يقول علي العنبوري رئيس تجمع عراق 2020 إن قرار الولايات المتحدة "بعيد عن الحكمة ويفتقد إلى رؤية موضوعية للأحداث الجارية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا".

ويبرر العنبوري قراءته في تصريح لموقع "راديو سوا"، بكون شعوب المنطقة تخوض "صراعات حقيقية لترسيخ مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان"، مشيرا إلى أن هذه الشعوب تنتظر استمرار أميركا الالتزام بالمبادئ المعلنة في ترسيخ مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.

وأضاف أن "القرار غير حكيم وعلى أميركا أن تراجع نفسها بشكل جدي وسريع وتعيد النظر فيه".

ويسير كول بوكنفيلد، الباحث في برنامج الديموقراطية في الشرق الأوسط، ومقره واشنطن، في المنحى ذاته ويعتبر التراجع في الإنفاق على مشاريع الديمقراطية في الشرق الأوسط، مسألة متعلقة بالإدارة الحالية التي صنفت اهتماماتها وأولوياتها لدعم مشاريع الديموقراطية في المنطقة انطلاقا من الموازنة المخصصة لها.

وقرأ آخرون هذا القرار برغبة من الولايات المتحدة في خفض درجة التوترات في دول الربيع العربي، من خلال خفض المساعدات التي تقدمها للجمعيات والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال الديموقراطية.

العمل التطوعي لا يكفي

نشر الديموقراطية في الدول الشمولية كان وما زال هدفا تسعى إليه معظم دول الغرب. فهي تغدق الأموال منذ خمسينيات القرن الماضي على الأقل، على مؤسسات حقوقية وقانونية ومالية غير ربحية تنشط في تلك البلدان.

وتستند استراتيجية الحكومات الغربية لنشر الديموقراطية في العالم الى فكرة العمل التطوعي، فهي تستغل رغبة بعض قطاعات الشعب في التغيير وتدعمها وصولا إلى الهدف المشترك.

هذه الاستراتيجية متفائلة جدا، فهي تؤمن بقوة القرارات الفردية في تغيير مسار أمة ما، وأن بالإمكان رعاية وبناء أسس الديموقراطية عبر إعطاء النشطاء وقادة المستقبل المهارات المطلوبة.

وفي عالم السياسة، يترجم هذا الدعم عبر وضع مليارات الدولارات تحت تصرف برامج تعكف على تدريب الجميع، من الصحافي الشاب إلى العامل وصولا إلى عضو البرلمان.

وجاء ما يسمى بالربيع العربي بعد سنين طويلة من جهود "نشر الديموقراطية" في المنطقة، فرجح الجميع أن التغيير قادم.

وكانت المفاجأة أن الثورات لم تأت بنتائج تذكر. فجميع الدول العربية التي وقفت ضد حكامها وأطاحتهم، أصبحت اليوم أقل ديموقراطية، باستثناء تونس.. ربما.

في مصر، حيث أطاحت ثورة شعبية حكم الرئيس حسني مبارك عام 2011، أصبح النظام العسكري فيها اليوم أكثر قمعا للشعب، حسب دراسة أميركية.

يقول الخبير السياسي في جامعة هارفرد طارق مسعود إن الدول الساعية لنشر الديموقراطية ينبغي أن تكون أكثر تواضعا في طموحاتها حول التغيير في تلك الدول.

فقد توصل مسعود في دراسة أعدها بالاشتراك مع خبراء آخرين إلى محصلة مفادها أن الأنظمة العربية "الاستبدادية" كانت تتمتع بهيكل حكم مستقر، لا يمكن لأي دعم غربي لمبادئ الديموقراطية مهما كان حجمه أن يزعزعها.

إخلاء الساحة

وسبق قرار خفض المعونات المالية لبرامج الديموقراطية قرارات أخرى لإدارة الرئيس باراك أوباما، خاصة مواقف واشنطن من قضايا متعلقة بالمنطقة العربية، منها الرفض الأميركي الصريح لأي تدخل عسكري مباشر على الأرض في ليبيا وبعدها سورية.

وتحفظت الإدارة الأميركية كذلك على مساعدة المعارضة المسلحة السورية في بداية الأمر قبل أن تقرر تقديم مساعدة غير قتالية، ثم أوقفتها بعد ذلك بسبب المخاوف من وقوع تلك الأسلحة بين أيدي التنظيمات المتشددة.

وجاء القرار الأخير بخفض المساعدات ليعزز قناعات العديد من المراقبين أنه تكريس لانسحاب تدريجي للولايات المتحدة من المنطقة، بسبب التكاليف الباهظة للتدخلات الأميركية المباشرة المتوالية.

وقال مدير مركز "الكلمة" لحقوق الإنسان في مصر ممدوح نخلة في هذا السياق "هو بالفعل انسحاب تدريجي سيفتح المجال أمام دول أخرى للدخول إلى المنطقة".

وقال نخلة "روسيا مثلا مرشحة لمزيد من النفوذ في المنطقة العربية، وأيضا دول الاتحاد الأوروبي لأن معظم دول المنطقة ظلت تعتمد على الولايات المتحدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، بعد ابتعادها عن روسيا مع تفكك الاتحاد السوفييتي".

ويرى مدير عمليات استقطاب الرأي في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط كول بوكنفيلد أن الاعتقاد السائد هو أن الولايات المتحدة بدأت بالفعل في الانسحاب والتخلي عن دعم الديموقراطية في المنطقة، وهو "ما شعرنا به منذ سنة على الأقل".

وأضاف أن أوباما أعلن عن أولوياته في المنطقة العربية في آخر خطاب له في الأمم المتحدة ولخصها في أربع أولويات، ولم تكن من بينها الديموقراطية، وهو "تراجع كبير مقارنة بسنوات قليلة مضت".

وتابع يقول إن السياسة الأميركية في المنطقة بدأت تعود تدريجيا إلى السياسة القديمة من خلال حماية بعض المصالح الاستراتيجية دون التدخل المباشر أو الدفع بمشاريع إصلاحات ديموقراطية في مناطق عديدة، والاكتفاء فقط بالمصالح الاستراتيجية الأساسية مثل الاقتصاد.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية
الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية

مع بدء السنة الدراسية الجديدة في معظم أنحاء الشرق الأوسط، يجد تلاميذ قطاع غزة أنفسهم للعام الثاني على التوالي دون مدارس ينهلون منها العلم والمعرفة، مما حدا برهط من المسؤولين والأهالي إلى إيجاد بعض الحلول الفردية، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وكان من المفترض أن يبدأ العام الدراسي الجديد رسميا هذا الأسبوع، في القطاع الذي يشهد حربا شرسة منذ أكثر من أحد 11 شهرا بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس، المصنفة "منظمة إرهابية" في الولايات المتحدة ودول أخرى.

وأدى القصف إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية الحيوية في القطاع الفلسطيني، بما في ذلك المراكز التعليمية، التي كانت تستوعب نحو مليون تلميذ تحت سن 18 عاماً، وفقاً للأمم المتحدة.

وفي ظل صعوبة تأمين مساحة آمنة لتدريس الأطفال، قررت وفاء علي، التي كانت تدير مدرسة بمدينة غزة قبل الحرب، فتح فصلين دراسيين في منزلها شمالي القطاع، حيث يتجمع العشرات من الأطفال لتعلم العربية والإنكليزية بالإضافة إلى مادة الرياضيات.

وقالت علي: "أرادت الأسر أن يتعلم أطفالها القراءة والكتابة بدلاً من إضاعة الوقت في المنزل، خاصة أن الحرب لن تنتهي قريبا".

ولا يستطيع المعلمون الوصول إلا إلى نسبة صغيرة من الأطفال الذين حرموا من التعليم بسبب الحرب، التي بدأت بعد أن هاجمت حركة حماس إسرائيل في 7 أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، وبينهم نساء وأطفال، حسب بيانات رسمية.

وردًا على ذلك، شنت إسرائيل عملية عسكري أدت إلى مقتل أكثر من 41 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع.

"نبذل قصارى جهدنا"

من جانبها، أوضحت آلاء جنينة، التي تعيش حاليا في خيمة بوسط قطاع غزة، أن طفلها البالغ من العمر 4 سنوات وابنتها ذات السبع سنوات، يتلقيان دروسًا في خيمة قريبة.

وقالت المراة البالغة من العمر 33 عاما، إنها زارت مؤخرا "مدرسة الخيام"، مضيفة: "لقد أحزنني ذلك. ليس لديهم ملابس أو حقائب أو أحذية. لكننا نبذل قصارى جهدنا".

وتقول وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي تدير عشرات المدارس بالقطاع، إن أكثر من ثلثي مدارسها دُمرت أو تضررت منذ بدء الحرب.

ووفقا للوكالة، فقد قُتل "مئات" الفلسطينيين الذين نزحوا إلى مرافق الأونروا، ومعظمها مدارس، بينما تؤكد إسرائيل
أن ضرباتها على المدارس وملاجئ الأونروا "تستهدف المسلحين الذين يستخدمون تلك المرافق"، وهو أمر تنفيه حركة حماس.

ورفضت هيئة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن التنسيق مع جماعات الإغاثة، التعليق، كما لم يستجب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لطلب التعليق من الصحيفة الأميركية.

"بقع لليأس والجوع"

وقالت "الأونروا" إنها أطلقت برنامج العودة إلى التعلم، الذي سيجلب حوالي 28 ألف طفل إلى عشرات المدارس، لافتة إلى أن ذلك البرنامج سيركز على "الدعم النفسي والفنون والرياضة ومخاطر الذخائر المتفجرة، ثم سيتعمق أكثر في مواد القراءة والكتابة والرياضيات".

وفي هذا الصدد، قال المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، الأربعاء، على وسائل التواصل الاجتماعي: "الكثير من المدارس لم تعد مكانًا للتعلم. لقد أصبحت بقعا لليأس والجوع والمرض والموت".

وتابع: "كلما طالت فترة بقاء الأطفال خارج المدرسة.. كلما زاد خطر تحولهم إلى جيل ضائع. وهذه وصفة للاستياء والتطرف في المستقبل".

من جانبه، أوضح الباحث في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بقطر، معين رباني، أن قطاع غزة "كان لديه معدلات تعليم عالية نسبيًا، على الرغم من نسب الفقر الكبيرة التي تسوده".

وأضاف رباني أن الفلسطينيين "سعوا منذ فترة طويلة إلى التعليم للتقدم وسط ظروف اقتصادية صعبة، حيث وقد وفرت لهم الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية مختلفة فرصًا تعليمية جيدة".

ولفت في حديثه للصحيفة الأميركية، إلى أن العديد من الفلسطينيين في غزة "اعتادوا على فقدان أراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم، وبالتالي اهتموا بالتعليم، لأنه أمر يمكنك أن تأخذه معك أينما ذهبت".

وهناك ثمن نفسي للابتعاد عن المدرسة على الأطفال أيضًا، إذ قالت ليزلي أركامبولت، المديرة الإدارية للسياسة الإنسانية في منظمة إنقاذ الطفولة الأميركية، إن قضاء عام بعيدًا عن المدرسة والأصدقاء والملاعب والمنازل خلال صراع مسلح عنيف، "يمثل إزالة للركائز الأساسية للاستقرار والسلامة للأطفال".

وشددت على أن "عدم اليقين والتوتر وفقدان المجتمع، يمكن أن يؤدي إلى تحفيز أنظمة الاستجابة الطبيعية للتوتر في الجسم، والتي يمكن أن تكون ضارة بمرور الوقت".

واستطردت حديثها بالتأكيد على أن "تكرار هذه الأعراض أو استمرارها لفترات طويلة، قد يؤدي إلى مجموعة من النتائج السلبية على الصحة العقلية، التي لا يتعافى منها الأطفال بسهولة".

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، قد كشفت في وقت سابق هذا الشهر، أن الأطفال في قطاع غزة "هم الفئة الأكثر تضررًا" مما يحدث هناك، وهم بحاجة ماسة لدعم نفسي وتعليمي بشكل عاجل.

وقال الناطق باسم المنظمة، كاظم أبو خلف، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، إن الوضع الحالي في غزة "يتطلب استجابة عاجلة لمساعدة الأطفال الذين يعانون من فقدان التعليم والأضرار النفسية الجسيمة التي يتعرضون لها".

وشدد على أن "جميع الأطفال في القطاع يحتاجون إلى دعم نفسي، حيث فقد ما لا يقل عن 625 ألف طفل عامًا دراسيًا منذ بدء الحرب.. وبعض الأطفال تعرضوا لبتر أطرافهم وهم بحاجة إلى الخروج من القطاع لتلقي العلاج، فيما يعاني العديد من الأطفال من الخوف والقلق بسبب الحرب".