علي عبد الأمير

بدأت مشكلة البطالة لدى حملة الشهادات العليا في العراق بالظهور بعد عام 2007، عندما ألغي ما يعرف بالتعيين المركزي لهذه الشريحة. ومع تخرج كل فرد منهم بدأت المشكلة تزداد، فبلغ عدد الباحثين عن عمل بينهم عام 2015 أكثر من 3300 شخص.

وبدأت هذه الشريحة بالتظاهر والاعتصام أمام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وأمام بعض الجامعات للمطالبة بتعيينهم. ولكن لم يستجب أي وزير تعاقب على إدارة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

ويورد أحد هؤلاء الباحثين عن فرصة عمل فايز الخفاجي، الحاصل على شهادة ماجستير في التاريخ السياسي من جامعة البصرة، في رسالة الى موقع (إرفع صوتك)، أنه في أحدى التظاهرات، قام حملة الشهادات العليا بحرق شهاداتهم وأطاريحهم أمام مبنى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. "فرد الوزير حسين الشهرستاني على مطلب تعيينهم بالاستهزاء وقال: لو أحرقوا أنفسهم فليس لدينا تعيين لهم".

ويتسائل الخفاجي "لماذا هذا الإستهزاء بحقوقنا؟ ألم نكن نحن من أبناء هذا البلد، وتعرضنا لمصاعب أمنية ومالية وصحية وعلمية من أجل حصولنا على هذه الشهادات"؟

الخريجون العاطلون: تقصير حكومي

في موازنة العام 2015  التي أقرها البرلمان العراقي، تضمنت المادة  13- ثالثاً، فقرة تنص على: تلتزم الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة بالإعلان عن الدرجات الوظيفية المستحدثة ضمن ملاك سنة 2015 *في الصحف المحلية مع الالتزام بنسب السكان في كل محافظة مع مراعاة تحديد نسبة 10% من الدرجات المستحدثة لعام 2015 لغرض تعيين ذوي الشهداء والسجناء والمشمولين بقانون مؤسسة السجناء السياسيين وذويهم المعدل/35 لسنة/2013 وذوي ضحايا الإرهاب، وبما لا يقل عن 5% من الدرجات الوظيفية المستحدثة لغرض تعيين أصحاب الشهادات العليا (الدكتوراه والماجستير).

ويقول الخفاجي "لم تستجب أي وزارة لهذا القرار الذي هو قانون مكتسب حق (الإلزام)".

التلويح بالهجرة واللجوء؟

وحيال أزمتهم المتواصلة، يشير الخفاجي إلى تلويح العاطلين بالهجرة واللجوء "حيث ارتأت بعض الجهات الحكومية (تهجيرهم) من بلدهم وذلك بعدم (تعيينهم)... هل من المعقول ليس لدى الحكومة وظيفة لـ (3300) من خريجي الشهادات العليا، ولو من (حصة الفضائيين) الذين تم الكشف عنهم واعادة مبالغ رواتبهم إلى الخزينة العامة".

وفي هذا السياق أنشأ ناشطون من حملة الشهادات العليا "العاطلين" عن العمل صفحة على فيسبوك أسموها "هجرة حملة الشهادات العليا"، ورأوا فيها وسيلة كي "تكون هذه المجموعة خاصة بالذين يرغبون بالهجرة من حملة الشهادات العليا فقط... مشكلتنا ليست مع الوطن لأن الوطن في قلوبنا، ولكن المشكلة مع من يحكم الوطن... ونحن بحملتنا هذه سنفضحهم شر فضيحة لأن هجرتنا تمثل وصمة عار على جباههم".

وفي صفحة أخرى على فيسبوك، هناك مجموعة معنية بالموضوع ذاته وحملت عنوان "المطالبة بتعيين حملة الشهادات العليا"، نقرأ "لذلك انكفأ البعض على ذاته وراح يجتر آلامه و يعين اغتيال عمره، بينما قرر البعض الآخر الانسحاب نهائياً من المجتمع بالهجرة إلى بلدان أخرى سواء بطريقة شرعية إن تمكنوا من ذلك أو بطرق غير شرعية رغم كل المخاطر".

مؤسسات طاردة للمعرفة

وفي المجموعة تلك قراءة لواقع يعانيه طلبة الدراسات العليا في العراق بعد نيلهم شهاداتهم، فهم "كلهم أمل في أن يطبقوا دراساتهم على أرض الواقع، لا سيّما أنهم يعون تمام الوعي حاجة البلد لاختصاصاتهم و تخصصاتهم لاسيما التقنية و العلمية منها. لكنهم يصطدمون بصخرة الواقع ليجدوا أن وزارات الدولة ومؤسساتها قد تنكرت لهم... و المحظوظون من الذين تمكنوا من الفوز بوظيفة يجدون أنفسهم مضطرين لتقديم فروض الولاء و الطاعة لرؤساء يدّعون الخبرة... كما إن الأعمال الموكلة بحملة الشهادات العليا الذين استطاعوا الفوز بوظيفة لا تتناسب مطلقاً مع إمكانياتهم العلمية".

* الصورة 1: "لماذا هذا الاستهزاء بحقوقنا؟"/وكالة الصحافة الفرنسية

*الصورة 2: نسخة من كتاب رسمي أرسله الأمين العام لمجلس الوزراء العراقي إلى الوزارات للاستفسار عن الإجراءات المتخذة لتنفيذ المادة 13-ثالثا في قانون الموازنة العامة لعام 2015

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.