جنى فواز الحسن

"صبحنا وصار أبوهم ماكو"، هكذا تصف أم جعفر من منطقة الكاظمية في بغداد وفاة زوجها وتيتّم ولديها. ثمّ تردف "قُتل بسبب الطائفية عام 2006 ومنذ ذلك الحين وأنا أصارع وحدي في الحياة".

على الرغم من يقينها أنّ زوجها توفيّ وتلقيها اتصالات تؤكّد هذا الأمر، غير أنّه لم يتمّ العثور على جثة زوج أم جعفر وهو لا يزال حتّى الآن بالنسبة للجهات الرسمة في عداد المفقودين.

نطلب من الأمّ أن نتحدّث مع ابنها البكر البالغ من العمر حالياً الرابعة عشر، فيقول "ليتني ابن شهيد وليس ابن مفقود.. على الأقلّ عندها سيكون هناك قبر لوالدي لأذهب وأزوره وأقرأ له الفاتحة كل يوم".

لا يخفي جعفر غضبه في حديثه مع موقع (إرفع صوتك)، ويقول إنّه يعرف من قتل والده "ولا بدّ أن أعيد حقنا يوماً ما".

تنمّ نبرة صوته عن غضبٍ شديد، لكنّ أمّه تسكته على الفور وتقول "ماكو شي.. البلد سيعود كما كان".

تقول أم جعفر "أنا كأمّ أحاول قدر الإمكان تهدئة الحالة العاطفية لولديّ. من سيهدّئهما إن لم أفعل ذلك؟ الفضائيات أو التلفزيون؟ أقول لهم إنّ الأمور ستتحسّن على الرغم من أنّي في أحيانٍ كثيرة لا أصدّق ما أقول".

زوجي شهيد إرهاب

في بغداد أيضاً حكاية امرأة أخرى، هي أمّ لستة أطفال تحاول أن تواجه مصاعب الحياة. تماماً كأمّ جعفر، تتذمّر أمّ حسين من غياب المساعدات الحكومية وتقول "زوجي شهيد إرهاب، شهيد الدولة العراقية.. كان موظّفاً عادياً وقُتل في انفجار حين كان متوجّهاً إلى عمله. لماذا لا يضموننا إلى مؤسسة الشهيد؟ كل شيء صعب، أبنائي في حالة نفسية يُرثى لها. كل شيء من كل النواحي صعب".

تنادي أم حسين ابنتها فاطمة وتعطيها سمّاعة الهاتف. أسأل فاطمة عن عمرها، فتقول ستّ سنوات. ثمّ تقول "أنا لم أرَ بابا منذ زمن. استشهد ونحن تقريباً لا نخرج أبداً. حتّى في العيد لم أخرج".

تسأل فاطمة أمّها "ماذا أقول أيضاً؟" ثمّ تخبرني "لا أحبّ الانفجارات والأصوات العالية تثير في داخلي الخوف الكبير".

تقول أم حسين إنّ ابنتها عانت من التبوّل اللاإرادي بعد مقتل والدها، وإنّها حتّى الآن تستيقظ مذعورة في اللّيل ويكون فراشها مبلولاً. "كلّ إخوتها تأثّروا بما يحدث، لكنّها حسّاسة جدّاً وتحتاج دائماً إلى رعاية خاصّة".

قتلوه أمام أبنائي

حال السوريين الذين يشهدون أقسى أنواع العنف ليس أفضل من حال العراقيين. هذا ما تشير إليه حكاية أم عبدو السورية، التي لجأت من بلادها إلى مخيّم الزعتري في الأردن بعد أن قُتل زوجها وابنها أمام عينيها وأعين أبنائها الثلاثة.

تقول أم عبدو في حديث لموقع (إرفع صوتك) "لديّ ثلاثة أبناء الآن. زوجي وابني قتلوهما منذ ثلاث سنوات أمامنا.. اتّهموه أنّه يملك سلاحاً وهو لا يفعل. قتلوهما وملأت الدماء دارنا. لا أعرف كيف بقيت حيّة. كان ابني الصغير خطّاب في الخامسة من عمره، محمد في الحادية عشر وتيماء في الثالثة عشر من عمرها".

تتابع أم عبدو "أحياناً أشكر ربي أنّي لم أتعرّض للقتل. لا أعرف كيف تركوني حيّة. كان الدمّ يملأ البيت وكنت أحاول أن أصبّر أولادي وأقول لهم إنّ أباهم وأخاهم لم يموتا بل ذهبا عند الله.. كانت أيّاماً مريعة واضطر ولديّ الأكبر سنًّا أن يغسلا الجثث ويغطّياها معي. لن ننسى ما جرى ما حيينا".

تروي أم عبدو أنّ أولادها عانوا من الحرارة المرتفعة بعد الحادثة. "صاروا كخيطان الحرير تنسال بين يديّ من الحرارة. كنت أحاول أن أقويهم حتّى تمكّنوا من استجماع قواهم ومساعدتي".

حتّى اليوم تقول تيماء إنّها لن تنسَ أبداً ما حدث.

"أيّ ذنب ارتكباه أبي وأخي."، تتساءل تيماء. "لنفترض أنّهما كانا يملكان سلاحاً، وهذا أمر غير حقيقي، فما هذا الذنب العظيم لقتلهما هكذا أمامنا؟".

تتابع تيماء التي باتت في السادسة عشر من عمرها الآن "بقي الرصاص قربنا لأيّام وهربنا ونحن نشعر بالرصاص بين أقدامنا. كنا نجري ونجري ونحاول أن نجرّ خطّاب معنا. نحن ندعو كلّ يوم أن يحاسب الله من فعلوا بنا هذا. ودعوة المظلوم لا تردّ".

ما بدنا نعيش بالمخيّم!

أم فارس السورية هي الأخرى لجأت إلى مخيّم الزعتري مع طفليها. تقول ابنتها نورا "أريد أن أعود إلى سورية. هناك الكثير من الغبار في المخيّم ولا يوجد تعليم ولا أيّ شيء".

نورا في الثامنة من عمرها الآن، بينما شقيقها الأكبر في العاشرة. يقول هو أيضاً "سيعود البرد والثلج قريباً ولا نريد العيش في المخيّم. لولا القصف، لكنّا عدنا".

 تفضّل أمّ الطفلين التي فقدت زوجها في سورية ألّا تعقّب كثيراً على كلام ولديها. تقول "في كلّ مرة نتكلّم مع الإعلام ويتحدّثون عن قصصنا لكن لا يحدث أي تغيير في أحوالنا. ماذا يمكننا أن نقول بعد؟".

 *الصورة: "نحن ندعو كلّ يوم أن يحاسب الله من فعلوا بنا هذا"/وكالة الصحافة الفرنسية

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.