بقلم متين أمين:

على الرغم من رؤيتهما للكثير من المشاهد المخيفة أثناء تواجدهما في سجون تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، إلّا أنّ الطفل الأيزيدي الياس وأخته لا ينسيان فصلهما عن أمهما من قبل مسلحي التنظيم بعد سبيهما أثناء سيطرة داعش على مدينة سنجار والقرى والبلدات الأيزيدية غرب الموصل في شهر آب/أغسطس من العام الماضي.

الياس وأخته الصغيرة سارة لم يكونا الوحيدين، بل شاركهما هذا المصير الآلاف من الأطفال الأيزيدين. هما كانا محظوظين لأنّهما تمكّنا  ضمن مجموعة من النساء والفتيات الأيزيديات من الهرب من قبضة داعش، بمساعدة مهرّب والوصول إلى ذويهم في مخيم خانكي الذي يقع 15 كيلومتراً غرب محافظة دهوك في إقليم كردستان العراق.

الطفلان هربا قبل نحو ثلاثة أشهر، لكن والداهما لا يزالان محتجزين. فبقي الياس وأخته مع زوجة عمهم المسنة التي تركوها ضمن مجموعة من النساء المسنات مع الأطفال في مدرسة من مدارس قضاء تلعفر غرب مدينة الموصل.

حياة الطفلين في سجون داعش

الأوضاع التي عاشها الياس وشقيقته في سجون التنظيم أثّرت بشكل واضح عليهما. منذ عودتهما، تصيبهما حالات من الخوف والهلع بحيث لا يستطيعان اللعب مع أقرانهما من الأطفال في المخيم. وضع الياس تحديداً سيّء جداً، فهو يعاني من توتر ملحوظ وقد إعتاد على حشر رأسه بين فخذيه طول الوقت فيما لا تتوقف يداه عن الارتجاف، ولا ينطق بكلمتين إلّا وثالثهما "متى سيعود والداي؟".

في حديث لموقع (إرفع صوتك)، يروي الياس ابن الثانية عشر من خيمة عمه ما شاهده من مأساة ويقول "نقلونا نحن الأطفال مع النساء بسيارات الحمل إلى أحد المجمعات الإيزيدية التابعة لسنجار. وبعد نحو ثلاثة أيام، تعرّض المجمع لقصف جوي، فنقلنا التنظيم إلى مدرسة في مدينة تلعفر واحتجزونا جميعاً من أطفال ونساء داخل قاعات المدرسة".

يتوقّف الياس قليلاً عن الكلام، ثمّ يتابع "كانوا يضربوننا ضرباَ مبرحاَ ويسحلون النساء والفتيات الواحدة تلو الأخرى إلى الخارج ويمزقون ملابسهن. وبعد أيام من تواجدنا في المدرسة، جمعنا التنظيم في ساحة المدرسة وبدأ المسلحون يفصلون الأطفال الذين تبلغ أعمارهم ما بين خمسة أعوام  وخمسة عشرة عاماَ عن أمهاتهم لغرض إدخالهم  في معسكر للتدريب قريب من تلعفر وأخذوا الصبية  بالقوة".

أمّي لم تعد موجودة!

يكمل الياس "أنا كنت مع أمي في الصف الأخير من الواقفين وتمكّنت من دخول دورات المياه. اختبأت فيها لحين انتهاء حملة أخذ الصبيان. عدت بعدها لأعرف أنّ أمي لم تعد موجودة، فقد أخذ مسلحو التنظيم الفتيات و النساء الشابات بعد أخذهم للصبية. لن أنسى ذلك اليوم.. بكيت كثيراً. زوجة عمي كانت تُخبئني بين النساء و الفتيات الصغار  لكي لا يجدني التنظيم. وبعد أيام  تعرضت هذه المنطقة لقصف جوي، فاضطر التنظيم أن ينقلنا إلى سجن بادوش في الموصل، وأدخلتني زوجة عمي تحت ثوبها لكي لا يأخذني داعش إلى معسكراته".

ويتذكر "بعد أسابيع من تواجدنا في بادوش، أخذونا الى مدينة الرقة ومنها الى حلب حيث بقينا محتجزين لأشهر. التنظيم كان يضربنا يومياً ويقطع عنا الطعام والشراب، لحين تمكنّا من الهروب بعد أن استطاع أحد المهربين الذي كلّفه عمي تهريبنا إلى مدينة دير الزور ومنها إلى تركيا ومن ثم إلى زاخو ودهوك. لكن والداي لا يزالان محتجزين لدى مسلحي داعش".

يكمل الياس حديثه، ثمّ يرفع رأسه ويدخل يده في جيبه ويخرج صورة وهو يبكي ويقول "هذه صورة والداي. متى سيعودان؟".

رواية سارة

لا تقلّ معاناة سارة البالغة من العمر سبعة أعوام عن معاناة أخيها، فقد رأت مشاهد مرعبة، وروت هي الأخرى قصتها والخوف يملأ عينيها قائلة "وضعونا فوق بعضنا البعض داخل قاعة ضيقة وراحوا يضربوننا بالسياط ويأخذون الفتيات  الجميلات ويأمروننا باعتناق الإسلام، ويسألون النساء ما إذا كان  بينهن مسلمات. ثمّ أخذونا نحن الفتيات الصغيرات إلى قاعة أخرى وأرغمونا على الصلاة وقراءة القرآن. وأبلغونا إنهم أخرجونا من الظلام إلى النور وأنّنا لم نعد بعد اليوم إيزيديين. كانوا يوقظوننا كلّ فجر لأداء الصلاة. وبعد أسبوع، فصلوا الفتيات اللاتي تبلغ أعمارهن ما بين تسعة أعوام فما فوق عن الأصغر سنّاً و لم نرهنّ بعد ذلك".

سارة أيضاً أصيبت بسبب الخوف بحالة نفسية. وكانت تقضم  أظافرها طوال الحديث وتسأل عن أمها.

 *الصورة: وضعونا فوق بعضنا البعض داخل قاعة ضيقة وراحوا يضربوننا بالسياط ويأخذون الفتيات  الجميلات ويأمروننا باعتناق الإسلام/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق "واتساب" على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.