بقلم محمد الدليمي:

"أخطر شيء الآن هو أنّ الجيل الحالي يفضل أن يموت غرقاً"، هكذا يصف الكاتب الجزائري والمدون الساخر كريم سعيدي حالة اليأس التي تعمّ شباب بلاده التي ضحّت يوماً بأكثر من مليون من أبنائها ثمناً للتحرّر من الاحتلال الفرنسي.

"لا يوجد قصف وموت يومي مثلما يحدث في سورية، لكنّ الشباب يفضل صعود قوارب الموت طمعاً في فرصة عمل، متصوراً أن الحياة في أوروبا لن تضيّع عليه شبابه وسنين عمره".

بعد مرور أكثر من خمسة عقود على تحرير الجزائر، لا يزال جيل الثورة هو من يمسك بزمام الحكم. وعلى الرغم من رفع شعار "تسليم المشعل" لأجيال الشباب في الجزائر، إلّا أنّ هذا المشعل "لا يزال بعيداً عن متناول الشباب".

مرت الجزائر بتحديات ومنعطفات خطرة وخاصّة "العشرية السوداء" في تسعينيات القرن الماضي، حين شهدت البلاد حرباً أهلية وأعمالاً إرهابية أودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين. وهو ما أسّس لمخاوف مشروعة من تحديات القيادة وصعوبة المهمة. وتشهد الجزائر أنباءً عن تغييرات عسكرية وايقافٍ لضباط كبار في مؤشرات تثير تساؤلات عن كيفية انتقال السلطة في المستقبل.

إشكالية "كهولة الحكومة" في الجزائر تعززها وتزيد من ضرورة معالجتها نسبة الشباب المرتفعة في المجتمع، حيث يمثل الشباب نسبة تقترب من نصف السكان، ما يثير تساؤلات حول دور الشباب وقدرته على تحمل المسؤولية في ظلّ الفجوة بين جيل حرر البلاد وظل يقودها وجيل يريد فرص عمل ودوراً في القيادة يراه مستحقاً.

"جيل عاطل عن الأمل"

يتحدّث سعيدي عن إشكالية دور الشباب في الجزائر عبر مقارنة دورهم في الماضي ووضعهم الحالي. ويقول إنّ "الشباب كان صانعاً للحدث ومؤثراً فيه"، أمّا اليوم فالشباب يراقب الحدث.

ويضيف أنّ "من أطلق الثورة هم 22 من الشباب الجزائري" وأنّ الرئيس عبد العزيز بوتفليقة تولّى وزارة الخارجية في العشرينيات من عمره (25 سنة) بعد التحرير وهو ما لم يتح للشباب في الوقت الحالي.

"استلموا السلطة وانتقلوا من الشباب إلى الكهولة فيها من دون استيعاب تغير الأدوار وضرورة إعداد جيل لتسلم المشعل من جيل الآباء المحررين".

ويشرح سعيدي أنّ تغيّر الأدوار لا يعني إبعاد هذا الجيل، لكنّه ضرورة تفرضها "سنة الحياة وضرورة إشراك الشباب".

وعن شعار تسليم المشعل، يقول سعيدي "الدولة صورية والشعارات لا تمثل الواقع، فهذه الشعارات أكبر مما يمكن تحقيقه على أرض الواقع".

والحديث عن الأجيال في الجزائر فيه شيء من التفصيل، فجيل التحرير وجيل ما بعد الاستقلال كان قريباً من أحداث وهو جيل ينظر للقيادة الحالية نظرة تختلف عن جيل ما بعد الارهاب، والذي يريد مواكبة العصر وتحقيق تطلعاته. وتمثيل الشباب في الحكومة قليل، رغم تعيين وزيرة شابة، يبقى خجولاً ويحتاج لزيادته.

"أستطيع أن أصفه بأنّه جيل عاطل عن الأمل، ويعيش قطيعة مع الأجيال السابقة، وهو أمر خطير"، يقول السعيدي، مضيفاً أنّ "هذه الخطورة تبرز في رغبة هذا الجيل بركوب "قوارب الموت" والسفر لبلاد أخرى".

ويرى سعيدي بأنّ إمكانيات الشباب في الجزائر متوفرة، لكنّها تحتاج إلى تطوير. ويشير إلى أنّ "إمكانيات الشباب لم تهيأ لها وسائل مناسبة لتنميتها وصقلها من قبل الدولة، بل أغلبها إمكانيات عصامية ذاتية فتصبح في أحيان كثير متواضعة نظراً لقلة الخبرة".

وعن المستقبل، فنظرة سعيدي ليست تفكيراً بالتمني تسوقه الاماني غير المبنية على وقائع، إذ يقول "لستُ متفائلا بالمستقبل. فكلما فكرت بالمستقبل رأيته مظلماً وإن ما فات كان أحسن ولكن لم يفت وقت الحل فوقت الحل لا يفوت".

شباب يصطدم بالمحاباة

الجزائر لا تختلف عن الدول العربية الأخرى في المشاكل التي تواجه الشباب مثل عدم اعتماد الكفاءة كمعيار أساس في اختيار ممثلي الشباب في قطاعات مختلفة.

الشاب فاتح مختاري، وهو طالب جامعي، يقول إنّ "مشكلة عدم اشراك الشباب في اتخاذ القرار تعود لسنوات قديمة منذ أيام الاحتلالين العثماني والفرنسي". ويرى فاتح أنّ "الشباب الجزائري يواجه تحديات تتعلق بتطوير الكفاءات وزيادتها".

"إن الشباب الجزائري اليوم ليس لديه وعي تام لعدة أسباب منها أن الدولة لم توفر للشباب الامكانيات ليكون بالكفاءة المطلوبة، فأصبح العديد من الشباب بمستوى لا يرقى لممارسة القيادة".

ويضيف أنّ المحاباة جعلت من التمثيل الشبابي في الدولة غير مؤثر، قائلاً إنّ "السياسة في الجزائر تقوم على أساس المحاباة. فتمثيل الشباب على المستوى التنفيذي موجود، لكن استناداً على أساس المحاباة وليس على القدرات والكفاءات".

ويقول فاتح إنّ الشباب الجزائري قام بالعديد من المظاهرات السلمية والنشاطات المجتمعية في محاولة للتأكيد على دوره وفعاليته، وإن القطيعة بين الأجيال تسببت بمشاكل كثيرة كان يمكن تلافيها. ويختتم حديثه قائلاً "تعاني الجزائر من مشاكل عديدة بسبب هذه القطيعة. كان بإمكان النظام وضع حلول لمشاكل عديدة واجهت الجزائر عن طريق مشاركة الشباب وتوظيف طاقاتهم واستغلال أموال طائلة كانت بيد الدولة، لكنّ سوء التصرف من قبل شيوخ أضاع العديد من الفرص لتحسين الاوضاع".

"خوف أبوي"

تقول السيدة فائزة، وهي تدريسية جزائرية، أن التعليم في الجزائر يحتاج لإصلاح حتى يكون قادراً على إنشاء جيل شبابي يستطيع القيام بمسؤولياته. وتقول إنّ عدم زيادة دور للشباب هو "الخوف الأبوي على الأبناء" لحين جهوزهم.

وتضيف "هناك قصور من طرف الشباب حيث أن الشباب يجب أن يكون أكثر فاعلية وأن يعطي صورة أفضل عن دوره. فالشباب يحاول دائما تجنب الطرق المتعبة ويحاول تسلّم الدرج إلى أقصاه".

الدولة، بحسب فائزة، تحتاج إلى "إصلاح النظام التعليمي، فبناء الشباب يتم من الصغر، فالتعلم في الصغر كالنقش في الحجر".

وعن دورها في إعداد الشباب ومحاولة الدفع بهم إلى الاشتراك الفعال في الدولة، تقول فائزة "كنت أقوم بدوري من خلال تعليم الطلبة وأقول لهم، بعد سنوات ستكون أنت مسؤولا في الدولة وتحتاج أن تبذل جهوداً في بناء الوطن".

ما بعد جيل الثورة؟

يقول الشاب توفيق بوقاعدة، الناشط في منظمات المجتمع المدني، إنّ الشباب الجزائري موجود وهو يحاول أخذ دوره، لكنّ الهوة بين الأجيال تمنعه من أخذ دوره.

"الجزائر مليئة بالكفاءات الشابة ويمكنهم أن يقودوا الجزائر ولكن قناعة الجيل السابق وعدم الثقة بالشباب تمنعهم من أخذ دورهم". ويضيف أنّ تشويه الحراك الشاب يؤذي دور الشباب.

"في كل محاولة للحراك الشعبي في الجزائر يتم تشويهه من قبل النظام عبر وسائل الخاصة والعامة ممّا أدى إلى إضعاف هذا الحراك. أضف له ما تعيشه دول عربية مثل العراق وسورية من عدم استقرار تدفع بالجميع للتخوف من أي حراك، فالخوف الأمني هو متصدر الساحة".

ويضيف أنّ الجزائر على أعتاب مرحلة تاريخية  حيث أنّ "جيل الثورة وبسبب العمر والفناء الطبيعي لن يكون موجوداً، نحن نشهد عصراً جديداً".

 ويقول إنه متفائل بمستقبل الجزائر رغم كل التحديات. "أنا متفائل بالمستقبل، فمهما كانت المرحلة صعبة فإنها سوف تنقضي وسوف يأتي اليوم الذي يأخذ الشباب الجزائري دوره في تأسيس جزائر أخرى، تمنح الشباب فرصاً أكبر وتشهد طفرات كبيرة على كل المستويات".

* الصورة: "الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة تولى وزارة الخارجية في العشرينيات من عمره" / وكالة الصحافة الفرنسية

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.