بقلم خالد الغالي:

تربّع الملك محمد السادس على عرش المغرب في تمّوز/يوليو 1999. وسبق توليه الحكم "تناوب توافقي" أوصل المعارضة اليسارية إلى رئاسة الحكومة لأول مرة، منذ 50 عاماً. دشّن الملك الجديد عهده بانفراج سياسي، فأفرج عن معارضين سياسيين وسمح بعودة آخرين من المنفى. وشكلت هيأة للإنصاف والمصالحة عهد إليها بالتحقيق في ملفات انتهاكات حقوق الإنسان خلال ما عُرف بسنوات الرصاص. وأقر البرلمان مدونة جديدة للأحوال الشخصية منحت المرأة حقوقاً واسعة، وازدهرت الصحف المستقلة.

بدا وكأنّ مغرب "العهد الجديد" يضع قدماً ثابتة في طريق التحول إلى بلد للحريات والقانون. غير أنّ الهجمات الإرهابية التي هزت مدينة الدار البيضاء، صبيحة 16 أيّار/مايو 2003، أعادت الدولة والمجتمع إلى مربع الصفر، مجبرة المغاربة على الاختيار المر: الأمن أو الحرية.

2003.. هزيمة الحرية

أحدثت هجمات الدار البيضاء، التي خلفت مقتل 45 شخصاً، هزة عنيفة في وجدان المغاربة. يقول عبد الله ترابي، مدير مجلة (تيل كيل) المغربية (مستقلة ناطقة بالفرنسية) والباحث المتخصص في الحركات الإسلامية، في تصريح لموقع (إرفع صوتك) "بعد أحداث أيّار/مايو 2003، طرحت أمام المغاربة مسألة الاختيار بين الأمن والحرية. وتوّلدت لدى المجتمع المغربي، نتيجة الصدمة النفسية، قابلية للقبول بالحد من الحرية مقابل الحصول على الأمن. ووجدت الدولة في الأحداث الفرصة مناسبة لتمرير قوانين تحد من الحريات، مثل قانون الإرهاب".

يشبّه ترابي ما حدث في المغرب سنة 2003 بما وقع في فرنسا بعد الثورة الفرنسية، قائلاً "خلال الفترة التي عقبت الثورة الفرنسية سنة 1789 وحتى مجيء نابليون، انعدم الأمن وعمّت الفوضى فرنسا، إلى درجة ظهر فيها داخل المجتمع الفرنسي طلب قوي على الأمن، ولو مقابل الاستغناء عن القيم التي قامت على أساسها الثورة الفرنسية (على رأسها قيمة الحرية). في تلك الفترة، صار الفرنسيون يطالبون الدولة بأن تلعب وظيفتها الأولى: الحفاظ على الأمن".

غلب المغرب، بعد هجمات 16 أيّار/مايو، الهاجس الأمني بقوة. ومباشرة بعد الأحداث، شنت السلطات حملة اعتقالات واسعة في صفوف نشطاء "السلفية الجهادية". وتحدثت الصحف المغربية حينها عن اعتقال قرابة 5000 شخص، كما صدرت أحكام قضائية وصل بعضها إلى الإعدام والسجن المؤبد.

اتسمت الحملة حسب المنظمات الحقوقية بتجاوزات عديدة، وتراجع المغرب في التقارير المتعلقة باحترام حقوق الإنسان، فحصل سنتي 2003 و2004 على 5 درجات في تقرير منظمة (فريدوم هاوس) (على سلم من 1 إلى 7، حيث 7 هي أسوأ درجة). واعترف الملك محمد السادس في حوار مع جريدة (إلباييس) الإسبانية، في كانون الثاني/يناير 2005، بوقوع تجاوزات، قائلاً "ليس هناك شك بأن تجاوزات قد وقعت".

تعايش هش

لاحقاً، استطاع المغاربة تدريجياً تجاوز مخلفات 16 أيّار/مايو، وتميّزت محاربة الدولة للإرهاب في السنوات الموالية بكثير من "الفعالية الاستباقية"، فتمّ الكشف عن عدد هائل من الخلايا بلغت أكثر من 130 خلية إلى حدود آذار/مارس 2015، كما تم تسجيل 267 محاولة إرهابية فاشلة.

بعد سنوات على أحداث الدار البيضاء، يقول عبد الله ترابي "عادت فكرة الحرية لتخترق من جديد صفوف المجتمع المغربي، خاصة في ظلّ وجود مجتمع مدني قوي نوعاً ما. وحاولت الدولة نفسها مسايرة هذا التطور. فحتى عندما ضرب الإرهاب المغرب مجدداً، في أحداث تفجير مقهى "أركانة" بمراكش سنة 2011، لم تلجأ الدولة إلى التضييق المنهجي على الحريات، كما حدث سنة 2003".

ويضيف مدير مجلة (تيل كيل) أنّ ما يهم الدولة حالياً هو تسويق فكرة "الاستثناء المغربي"، أي أن "المغرب، بالمقارنة مع دول المنطقة العربية بكاملها، هو البلد الوحيد الذي يعيش هامشاً من الحرية ويتمتع باستقرار أمني وسياسي".

من جهته، يرى أحمد الهايج، رئيس (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان) المستقلة، أن الوضع المغربي المتمثل في الاستقرار السياسي المشفوع بهامش نسبي من الحرية هو "نتيجة مسلسل تاريخي عرفته البلاد منذ وقت طويل. فمن جهة عمل الحكم على الهيمنة على مقاليد السلطة. ومن جهة ثانية، تم فتْح المجال أمام أشكال من الديمقراطية التمثيلية والنقابية والسياسية، إضافة إلى وجود صحافة مستقلة ومجتمع مدني نشيط ومعارضة استطاعت أن تنتزع بعض المكتسبات وتفرض بعض الإصلاحات. ومن خلال تعاقب هذين الشكلين من تدبير الشأن السياسي استطاعت الدولة أن تحافظ على نوع من الاستقرار".

ويعتبر الهايج أن المغرب يمزج بين الأمن والحرية على طريقته الخاصة، "فهناك استقرار، لكن ليست هناك حرية حقيقية كاملة كما في الدول الغربية، بل حرية محدودة ومراقبة يمكن أن تضحي بها الدولة، كما حدث بعد 16 أيّار/مايو حيث تمت العودة إلى الأساليب القمعية القديمة". ويقر رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالتحولات التي حملها الربيع العربي إلى المغرب، لكنّه يستطرد "ليست هنا مكاسب نهائية، فبإمكان الدولة أن تتخلى عن التزاماتها في أية لحظة".

الصورة: عناصر من الشرطة المغربية/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق "واتساب" على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.