المغرب – بقلم زينون عبد العالي:

أمام التطور الهائل الذي تشهده وسائل التواصل الاجتماعي، وما تتيحه من سرعة نشر المعلومات وما تحمل من تأثير على المتلقي، سارعت السلطات الأمنية في كل دولة إلى مراقبة كل ما يروّج له في هذه الفضاءات.

ومن ضمن هذه الدول المغرب، والحجة الرسمية لمراقبة هذه المواقع هي الحدّ من التطرّف والإرهاب.

ويتداول الناشطون ما يفيد بأنّ أجهزة الدولة تعمل على مراقبة كل صغيرة وكبيرة في الشبكة العنكبوتية، وهو ما يطرح إشكالية حرية الأشخاص على شبكات التواصل الاجتماعي، وهل هي فضاء خاص أم عام؟

المراقبة تكميم للأفواه

يقول الناشط الأمازيغي منتصر إثري، 29 عاماً، لموقع (إرفع صوتك) "مراقبة الأجهزة الأمنية لمحتوى مواقع التواصل الاجتماعي تحدّ من حرية الأفراد على هذه الشبكات، نظراً للدور الكبير الذي لعبته ولا تزال، خصوصاً في نشوب الثورات والانتفاضات الشعبية في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط".

ويتابع "بعد أن قامت هذه الشعوب بثورة اجتماعية احتضنتها منصات التواصل الاجتماعي عبر نشر ملفات الفساد والاستبداد والطغيان، بدأت الأجهزة الأمنية بمحاولة "تمييع" المحتوى والمواضيع التي كانت تناقشها الشعوب في المواقع الاجتماعية، وهذا يتناقض مع الدساتير التي تنص على حرمة وسرية الحياة الخاصة للأشخاص وضمان حماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة".

ويضيف منتصر "كما أن هذا الإجراء يُعد نوعاً من تكميم الأفواه والتضييق على الحريات العامة والخاصة، وعودة إلى زمن أسوأ من زمن سنوات الجمر والرصاص".

الرقابة تقييد للحرية

أما الناشطة هاجر الريسوني، 23 عاماً، فتعتقد أنّ "الرقابة على محتوى التواصل الاجتماعي تحدّ من حرية الفرد".

وتقول لموقع (إرفع صوتك) "تحدّ مراقبة الأجهزة الأمنية لمحتوى مواقع التواصل الاجتماعي من حرية الكتابة، حيث يفكّر المدوّن دائماً أن هناك عيون خفية تراقب كتابته، فيصبح مسؤولاً عن كل حرف يخطه، ويفكر مرات ومرات قبل تدوين موقف حول قضية ما".

وتضيف "المشكلة هي أنّ الرقيب يصبح داخلياً ويؤثر في أفكار المدوّن وآرائه وحتّى في أحاسيسه. وعلى الرغم من اعتقادنا أنّ فضاء المواقع الاجتماعية فضاء حر، إلا أنّ الرقابة  تجعله فضاء مقيداً بسلاسل مكسوة بالورد، وهذا يدل على ضعف النظام وخوفه الدائم من الأقلام الحرة".

المراقبة لا تقيّد حريتي

من جهة أخرى، يرى سامي جولال، 20 عاماً، أنّ الرقابة لا تشكل تقييداً لحريته. ويقول لموقع (إرفع صوتك) "لا أعتبر أن المراقبة التي تفرضها أجهزة الدولة على مواقع التواصل الاجتماعي تحدّ من حريتي" ويتابع "بعد العمليات الإرهابية التي شهدها المغرب، وتفكيك الخلايا النائمة في بعض المدن واكتشاف أنها كانت تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للتخطيط لأعمالها، فإن للدولة كل الحق في مراقبة هذه المواقع، حتى تتمكن من استباق العمليات الإرهابية الهادفة إلى زعزعة الأمن الوطني".

نعم لمراقبة المحتوى لكن..

ويرى غسان بن الشيهب، 23 عاماً، أنّ "المكسب الأساسي الذي جاءت به الشبكات الاجتماعية هو مبدأ حرية التعبير، وإمكانية التعليق والنقاش حول كل المواضيع من دون استثناء. هذا المكسب الذي نعيشه لا يمكن أن يحدّ المواضيع التي نناقشها، هذا سيسبب أزمة حرية فيما بعد".

ويضيف غسّان في حديثه لموقع (إرفع صوتك) "لكن أظن أنّ المراقبة واجب عند الشك بجرم معيّن، خصوصاً مع انتشار أفكار متطرفة يمكن أن تنتج لنا فئة خطيرة على المجتمع. لذا، يجل ألا يكون الغرض من المراقبة كمّ الأفواه، بل الحماية من التطرّف".

تقرير غير مرحب به

ويشار إلى أن السلطات المغربية كانت قد رفعت دعوى قضائية ضد جمعية (الحقوق الرقمية) بعدما قدّمت قراءة في تقرير صادر عن منظمة (الخصوصية الدولية) يعرض شهادات لصحافيين وناشطين حقوقيين وقعوا ضحية للتجسس الالكتروني في المغرب. كما كشف التقرير عمّا اعتبره  تجسساً للدولة المغربية على مواطنيها عبر استخدام برامج معلوماتية متطورة.

مراقبة مكثفة

وتزايد طلب الحكومات لبيانات حسابات مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة موقع فيسبوك، حيث أعلنت شركة "فيسبوك" أن نسبة الطلب ارتفعت بنسبة 18 بالمئة خلال النصف الأوّل من السنة الجارية، غير أن الإحصائيات التي قدمها التقرير لم يشر إلى وجود اسم المغرب في قائمة الدول المعنية.

الصورة: "الرقابة على محتوى التواصل الاجتماعي تحدّ من حرية الفرد"/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.