بقلم علي قيس:

ارتفعت نسبة الفقر في العراق خلال العامين الماضيين، إلى نحو 23%، حسب آخر الإحصاءات الرسمية العراقية الصادرة عن وزارة التخطيط، بعد أن انخفضت تلك النسبة إلى 15% عام 2012.

وتزايدت المخاوف من زيادة نسبة الفقر في ظل تراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية واستمرار السياسة الاقتصادية للحكومة العراقية المعتمدة على تصدير النفط.

وفي حديث لموقع (إرفع صوتك) قال المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية عبد الزهرة الهنداوي، إن ما حدث في العراق من احتلال تنظيم داعش لعدد من محافظات البلاد وما أعقبه من عمليات عسكرية كلّف العراق مبالغ مالية ضخمة، فضلاً عن انخفاض أسعار النفط. كل هذا أسهم في تزايد معدلات الفقر في العراق.

"اذا نظرنا للعراق حسب المناطق"، قال الهنداوي، "نجد أن نسب الفقر الأكثر ارتفاعاً هي في المناطق التي تخضع لسيطرة داعش، حيث تصل إلى نحو 41%. وتنخفض قليلاً في المناطق المحاذية لها، مثل كركوك وديالى، لتصل إلى 31%. وفي إقليم كردستان ارتفعت نسبة الفقر بسبب موجات النزوح إليه، حيث بلغت 12%".

وأردف أن نسبة الفقر في المحافظات الجنوبية ارتفعت إلى 31%. فيما بلغت في محافظات الوسط نحو 17%، وفي بغداد 13%. هذه المعدلات سجلت نهاية عام 2014. ولم تتمكن الوزارة من إجراء إحصائيات أخرى "بسبب الأوضاع الاستثنائية التي تشهدها البلاد".

محاربة الفساد .. مثل حرب داعش

من جانبه، توقع الخبير الاقتصادي سالم الجبوري ارتفاع نسبة الفقر في العراق خلال الأشهر المقبلة، في ظل مؤشرات الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد وتدني إيرادات الاقتصاد العراقي.

ويقول الجبوري في حديث لموقع (إرفع صوتك) "كلما انخفضت إيرادات البلد من العملة الصعبة، كلما ارتفعت نسبة الفقر". ويؤكد أن المحاولات الحكومية في رفع معدلات تصدير نفط لن تكون كافية. "حتى إجراءات التقشف غير كافية لسد العجز. الموضوع بحاجة إلى حرب ضد الفساد توازي الحرب ضد داعش. وهذا مرهون بقرار سياسي موحد، لا يتحمل مسؤوليته شخص أو كتلة معينة".

ويعاني الاقتصاد العراقي من توقف القطاعات الداعمة، الصناعية أو الزراعية، التي يمكن أن توفر مصدراً إضافياً غير النفط. فضلاً عن ذلك فالعراق يعتمد على الاستيراد، مما أدى إلى خروج الأموال الصعبة خارج البلاد. "كل تلك العوامل، جعلت الاقتصاد العراقي في موقف حرج جداً"، حسب الجبوري.

أموات يشاركون في مزاد

"أكثر من تسعة آلاف مشروع استثماري وهمي، خُصص لها نحو 288 ترليون دينار في موازنة عام 2014"، حسب قول النائبة في مجلس النواب العراقي ماجدة التميمي. وتوضح أن المجلس يتابع الأمر للكشف عن المتورطين في هذه المشاريع.

النائبة التميمي، وهي عضوة في اللجنة المالية في البرلمان، شرحت أن مزادات العملة التي يشرف عليها البنك المركزي العراقي ويبيع العملة الصعبة فيها، خاصة للتجار المستوردين، "هي إحدى مصادر الفساد وضياع الأموال".

"نحو 57% من إيرادات النفط تذهب إلى الخارج عن طريق البنوك إلى شركات التحويل. ونحن حددنا المصارف الأكثر شراء للعملة الأجنبية واكتشفنا أن ما بين 10- 15% فقط هو ما يذهب للاستيراد، أما المتبقي فهو عبارة عن غسيل للأموال ودعم للإرهاب" حسب التميمي.

"معظم الأموال تحول بأسماء أشخاص اعتياديين. وهناك أسماء لأشخاص متوفين قبل فترة طويلة من تاريخ تحويل مبالغ لصالحهم". وشددت التميمي على أهمية استرداد الأموال المهربة لمعالجة الأزمة الاقتصادية وآثارها على المجتمع.

أما جواد البولاني، عضو مجلس النواب ورئيس اللجنة الاقتصادية فيه، فدعا إلى الاعتماد على الاستثمار في معالجة موضوع تصاعد نسبة الفقر وتجاوز الأزمة الاقتصادية.

وقال البولاني في حديثه لموقع (إرفع صوتك) "العراق اليوم بأمس الحاجة إلى الاهتمام بالاستثمار... لا توجد فائدة من تصدير النفط والغاز لأن جميع الإيرادات تحوّل إلى أموال وتنفق بصورة معونات اجتماعية. نحن بحاجة إلى فتح باب الاستثمار، وزيادة فرص العمل".

*الصورة: أطفال عراقيون يتزودون بالماء جنوبي بغداد/ وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أشعة توضح إصابة الطفل محمد أكرم الذي أصيب برصاصة طائشة، ويظهر في الصورة- أ ف ب
صورة أشعة توضح إصابة الطفل محمد أكرم الذي أصيب برصاصة طائشة، ويظهر في الصورة- أ ف ب

كان الطفل محمد أكرم ابن الأربعة أعوام جالسا في منزل العائلة عندما اخترقت رصاصة طائشة السقف واستقرت داخل رأسه مهددة بإصابته بشلل رباعي، في مشهد كثيرا ما يتكرر في العراق حيث ينتشر السلاح المتفلت.

تقول رندة أحمد (30 عامًا) فيما يجلس ابنها بين أحضانها "كان محمد في غرفة المعيشة حين سمعنا فجأة صوت ضربة"، مضيفة "جاءت طلقة نارية مباشرة برأسه" في منتصف أبريل الماضي.

في المناسبات السعيدة كما في الخلافات  حتى البسيطة منها، يُطلق الرصاص عشوائيا في العراق، حيث يُعدّ حمل السلاح ظاهرة شائعة في بلد لا يزال يعاني مخلّفات حروب ونزاعات استمرت لعقود.

عن مصدر الرصاصة تقول رندة أحمد "لا نعرف، إنها رصاصة طائشة".

وتضيف الأم في منزلها ذي السقف المعدني في الرضوانية غرب بغداد "حدث له نزف فنقلناه للمستشفى وبقي خمسة أيام تحت المراقبة".

تتابع: "قال الأطباء إن حالته حرجة وخطرة وهناك احتمال أن يُصاب بالصرع، وإذا تحركت الرصاصة ستؤدي لإصابته بشلل رباعي".

وبسبب صعوبة العملية نصح الأطباء بعدم إجرائها لسحب الرصاصة، ليصبح اللعب فعلا ماضيا بالنسبة لمحمد، إذ بدأ يشعر بإرهاق سريع ويعاني من صداع شديد بشكل متكرر.

ونهشت أعمال العنف العراق الذي يسكنه نحو 43 مليون نسمة، خلال الحروب والغزو الأميركي عام 2003 وعنف طائفي ومعارك لطرد تنظيم داعش، وخلفت مئات الآلاف من القتلى.

انتشرت في تلك الفترات أسلحة خفيفة وثقيلة في العراق حيث تكثر النزاعات العشائرية وتصفية الحسابات السياسية. ويقول كثيرون إنهم يتمسكون بالسلاح لغرض "الحماية".

 

7,6 ملايين في 2017 

في عام 2017، كان في حوزة المدنيين في العراق نحو 7,6 ملايين  سلاح ناري من مسدسات وبنادق، بحسب مسح أجرته منظمة "سمول آرمز سورفي" Small Arms Survey التي تتعقّب انتشار الأسلحة في أنحاء العالم.

يقول المستشار لدى المنظمة آرون كارب لوكالة فرانس برس "يُتوقع أن تكون الأرقام اليوم أعلى بكثير"، ويقدر أن تكون الزيادة "ثلاثة إلى خمسة بالمئة سنويًا" منذ 2017.

بينما كان سعد عباس (59 عامًا) جالسًا في حديقة منزله في بلدة اليوسفية جنوب غرب بغداد يستعدّ لصلاة الجمعة في نوفمبر، شعر بصدمة في كتفه. يقول "اعتقدت في بادئ الأمر أن أحدًا ضربني بحجر في كتفي، لكن تبيّن في ما بعد أنني أُصبت برصاصة" اخترقت كتفه واستقرت داخل صدره.

يضيف لوكالة فرانس برس "سقطت الرصاصة من السماء".

ورغم مرور عدة أشهر، لا يزال سعد طريح الفراش بعدما نصحه الأطباء بعدم إجراء عملية جراحية خشية مضاعفات محتملة إذ يعاني من أمراض مزمنة.

ويتابع "لم تعد حركة يدي كما كانت في السابق لا أستطيع رفعها وأصابعي تؤلمني ولا أستطيع حتى رفع الغطاء (عند النوم)".

ويقول سعد بغضب "عندما يفوز منتخب (كرة القدم)، الكلّ يرمي رصاصًا، وفي الأعراس كذلك!"، متسائلًا "أين يذهب كل هذا الرصاص؟ هل تسحبه الملائكة؟ كلّا، إنه يسقط على البشر والحيوانات".

في أواخر أبريل الماضي مثلًا، قُتل رجل برصاصة طائشة خلال إطلاق نار احتفالاً بزفافه في الموصل شمال العراق. 

ويشدّد سعد على ضرورة أن "يُسحب السلاح من كل الجهات ويبقى بأيدي الدولة" فقط.

 

خطة وزارة الداخلية 

العام الماضي، بدأت السلطات العراقية تنفيذ خطة للسيطرة على السلاح المتفلت بافتتاح 697 مركزًا في عموم العراق لتسجيل أو شراء الأسلحة غير الخفيفة من العامة.

وخصصت مبلغ مليار دينار (حوالي  750 ألف دولار) لكل محافظة وضعف ذلك المبلغ لمحافظة بغداد، وفقا للمتحدث باسم الخطة العميد زياد القيسي.

وبموجب القانون العراقي، يعاقب بالسجن لسنة واحدة من يملك سلاحا  من دون إجازة.

وستتولى السلطات عملًا بالخطة ذاتها "منح إجازة حيازة قطعة سلاح خفيف لكل مواطن يمتلك دارًا ولكل ربّ أسرة مستقل، لغرض الحماية"، كما يقول المتحدث باسم وزارة الداخلية العميد مقداد ميري.

ويوضح لفرانس برس أن انتشار السلاح مرتبط لحدّ كبير "بثقافة المجتمعات العربية"، إذ أن "هناك من يعتبر في المناطق العشائرية والريفية أن السلاح جزء من شخصيته".

ويشير إلى أن "كمية الأسلحة التي تركها الجيش العراقي في أحداث تحرير البلد (بعد غزو 2003) كانت كبيرة، كما أدخلت الجماعات المسلحة بين 2014 و2018 (في إشارة لتنظيم داعش) الكثير من الأسلحة بحكم ضعف إجراءات الضبط على الحدود، فكثرت الأسلحة الواصلة إلى أيدي المواطنين".

ويؤكد ميري أن "المشكلة الرئيسة هي في السلاح المتوسط والثقيل" الذي يجب أن يكون بيد الدولة.

 

"أبرياء"

تعرض السلطات وفق الخطة مبالغ على المدنيين تصل لحوالي أربعة آلاف دولار وفقًا لنوع السلاح وحالته.

ويرى خبراء أمنيون أن السيطرة على السلاح وحصره في يد الدولة أمر بالغ الصعوبة. يوضح الخبير أحمد الشريفي لفرانس برس "هناك مواطنون يتمسكون بسلاحهم (...) وهناك سلاح الأجنحة المسلحة للأحزاب والعشائر"، معتبرًا إياه "الأخطر".

في مارس الفائت، قتل ضابط في الاستخبارات خلال تدخلّه لفضّ خلاف عشائري تخلله إطلاق نار في جنوب البلاد. وسبق ذلك بأسابيع قليلة انتشار فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر مواجهات مسلحة نهارا داخل سوق مزدحمة في شرق بغداد سببها خلاف بين أقارب أدى لمقتل شخص واحد على الأقل.

وفي أبريل 2023، كان أحمد حسين (30 عامًا) مستلقيًا في سريره حين سقط أرضا وشعر بحرارة برجله ورآها "ملطّخة بالدم"، إثر إصابته برصاصة يعتقد أنها أطلقت خلال حفلة بجوار منزله، قرب بغداد.

يقول لفرانس برس "عطّلني ذلك عن العمل مدة شهر تقريبا"، مردفاً بسخرية "أصبح حتى عراك بين أطفال أو خلاف على طير أو شراء خروف هذه الأيام يؤدي إلى رمي رصاص". 

ويرى أحمد أن "الأمر مخز جدا خصوصاً أن الكثير ممن يصيبهم الرصاص أبرياء يسيرون في الشارع".