بغداد – بقلم ملاك أحمد:

يعود تأسيس الجيش العراقي إلى6  كانون الثاني/يناير عام 1921. وقد تمكّن بقوّاته البرية والبحرية والجوية من خوض العديد من المعارك. هذا الجيش انهار في الموصل عام 2014 ليطرح التساؤلات حول مكامن الخلل في قوّاته، تحديداً بعد إعادة تأسيسه عام 2003 بقرار من الحاكم الأميركي السابق بول بريمر.

ضباط الدمج

أولى الخطوات التي يعتبرها الكثير من العراقيين بداية الخلل كانت ما يسمى في العراق "ضباط الدمج". ويقول الخبير الأمني منعم الموسوي في حديث لموقع (إرفع صوتك) "من هنا، بدأت مجمل التطورات اللاحقة والتي اتسمت بكثير من الخطورة".

وقد يوضح الموسوي أن لجنة الدفاع البرلمانية في العام 2012 ذكرت أنّ - المؤسسة الأمنية غير قادرة على حفظ الأمن، لعدم كفاءة ومهنية الضباط والقادة الأمنيين – "وتعود اعترافات اللجنة إلى ما تسببت به إجراءات العام 2003 في تعيين أفراد الأجهزة الأمنية العراقية بشكل عشوائي من دون اختبارات أو ضوابط حقيقية صارمة، بل إن أغلب الذين اندمجوا في هذه الأجهزة لم يدخلوا الكلية العسكرية، وهم من أطلق عليهم العراقيون تسمية (ضباط الدمج)".

الفساد المالي والإداري

 من جهته، يشرح الخبير القانوني والاكاديمي ياسر الحسيني في حديث لموقع (إرفع صوتك) أن نتيجة التطورات المذكورة سابقاً كانت أن "تسارعت الأحزاب الدينية والكتل السياسية لدمج أفرادها وجماعاتها وفق اتفاقيات فيما بينها. وتمكّنت أعداد هائلة من أتباعها السيطرة على جميع مفاصل الأجهزة الأمنية في البلاد، كفيلق منظمة بدر التابعة للمجلس الأعلى وغيرها من الأحزاب الدينية، وكذلك الضباط الذين كانوا يخدمون في الأجهزة الأمنية قبل العام 2003".

ويرى الحسيني أنّ تأثير هذا الأمر كان واضحاً من خلال خلافاتهم السياسية على مكاسب السلطة. "فكلما اشتدت الخلافات فيما بينهم، تردّى الوضع الأمني في البلاد وتصاعدت حوادث التفجيرات الإرهابية والاغتيالات".

ويضيف  أنّ هذه الأوضاع كانت في صالح من يبحث عن مكاسبه عبر الفساد المالي والإداري في المنظومة الأمنية والعسكرية. "ولذا فإن إطالة أمد الأوضاع غير المستقرة كان يصب في خدمة الكثير من الأحزاب السياسية".

ويشير الحسيني كذلك إلى أنّ "البطالة دفعت بالكثير من العاطلين عن العمل إلى دفع الرشاوى بهدف تعيينهم في الأجهزة الأمنية، بل وصلت الأمور إلى حد أن أصبح التعيين وفق تسعيرة مالية تصل الى 30 ألف دولار".

كما يضيف الاكاديمي العراقي أنّ "عمل المنظومة الأمنية خلال العقد الماضي حتّى يومنا هذا يفتقد الكثير من الصرامة في اتخاذ القرارات وتنفيذها بسبب الفساد المالي والإداري".

مفارز وسيطرات تفتيشية وهمية

اتسمت مراحل ما بعد العام 2005 أيضاً بالصراع الطائفي بين الشيعة والسنة، و"كانت قوات الأمن تثير حولها الشكوك بأنّها وراء الفتنة الطائفية رغم أنّ أفرادها والمنتسبين إليها كانوا من أكثر ضحايا الطائفية"، حسب الخبير الأمني أحمد جاسم.

يقول جاسم لموقع (إرفع صوتك) "لا يمكن الحديث عن العنف الطائفي من دون الحديث عن السيطرات أو المفارز التفتيشية في شوارع العاصمة بغداد وقيامها بالقتل والاعتقال على الهوّية".

"وعلى الرغم من تصريحات كثيرة من جهات أمنية وحكومية بأنّ هذه المفارز غير رسمية وتابعة لعصابات مسلحة، لكن المجتمع ما زال يعتبر حتى اللحظة أنّ التصريحات تلك كانت تخلو من المصداقية بسبب تفكك المنظومة الأمنية وانقسامها على أسس طائفية وحزبية".

الفضائيون وبيع الملابس العسكرية والأسلحة

وقد تندرج من ضمن أهمّ العوامل التي أشعلت حدة الطائفية امتلاء الأسواق المحلية بمختلف الملابس العسكرية والأمنية والتجهيزات القتالية. وقد أخذت الأسلحة بمختلف أشكالها وأنواعها تباع بأسعار متدنية لكل من يرغب بالحصول عليها.

يقول الحاج أبو فاضل الذي يعمل في بيع مختلف التجهيزات العسكرية في سوق شعبي في منطقة علاوي الحلة) ببغداد إنّه  كان يحصل على الملابس العسكرية والأسلحة من أفراد الأمن والجيش الذين استغلوا من يطلق عليهم تسمية (فضائيون) ليحصلوا على هذه التجهيزات.

والفضائيون مصطلح ظهر بعد العام 2003 على أسماء شغلت مناصب واستلمت رواتب، لكن لا وجود لأفرادها.

ويضيف في حديث لموقع (إرفع صوتك) "في تلك المرحلة، لم تكن هناك أي متابعة جادة من قبل أي جهة مسؤولة على ما نعرضه من ملابس وعتاد عسكرية للبيع. كان أكثر ما يقلقنا في وقتها الجماعات المسلحة فقط".

العلاقة المدنية والعسكرية

وبعد أن شغل نوري المالكي في العام 2006 منصب رئيس الوزراء العراقي، "برز تدخله في عمل الأجهزة الامنية والعسكرية كافة ، حيث تجاوز صلاحياته المعتادة وفرض سيطرته عليها. ومارس مختلف الضغوط الفعلية لانصياعها وخضوعها لرغباته في توسيع سلطته المدنية والعسكرية"، حسب حديث العراقي سعد اللامي لموقع (إرفع صوتك)، وهو خبير في الشأن الأمني.

 ويرجع اللامي انهيار المنظومة الأمنية في العراق لحكم رئيس الوزراء نوري المالكي الذي بقيّ يشغل منصبه حتى العام 2014.

وهو ما ذكره تحليل إقليمي للباحث فلورنس غاوب صدر في شهر كانون الثاني/يناير 2016 عن مركز كارنيغي للبحوث في الشرق الأوسط. وجاء فيه "تدخّل رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بشكل مباشرة في الأمور العسكرية، بدءاً من اتخاذ القرارات الخاصة بالأفراد، وصولاً إلى المعدّات والتجهيزات، في حين همّش الأطراف الفاعلة السياسية والمؤسّساتية الأخرى المسؤولة رسمياً عن إدارة العلاقات المدنية - العسكرية مثل وزارة الدفاع ولجنة الأمن والدفاع في البرلمان، الأمر الذي أضعف قدراتها".

المصالحة الوطنية

وقد تفيد أحداث ما بعد العام 2011 عند محاولة التركيز على هيكلية المنظومة الأمنية العراقية التي دخلت إلى مظلة المصالحة الوطنية والذي كانت الغاية منها الانفتاح على الاطراف المعارضة للعملية السياسية من سياسيين ومسلحين - باستثناء الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب العراقي.

هذا المشروع دفع بالكثير من التنظيمات المسلحة إلى إلقاء أسلحتها وانخراطها ضمن أجواء العملية السياسية. وتعكس هذه الخطوة حسب رأي المحلل السياسي محمد علاوي "خطورة ما يجري، لأن جميع التنظيمات التي دخلت ضمن الأجهزة الأمنية بعد المصالحة الوطنية متورطة بمجملها بالدم العراقي".

ويقول علاوي في حديثه لموقع (إرفع صوتك) "الملفت خلال مراحل بناء الأجهزة الأمنية تعرض ضباط الجيش السابق بعد عودتهم إلى الخدمة في الجيش الجديد - إثر قرار أصدره المالكي في العام 2010 - إلى عمليات تصفية واغتيالات واسعة اضطر على أثرها الكثير منهم إلى الهرب أو الهجرة".

 التسليح بأحدث الأجهزة والمعدات  

 ويعتقد الخبير الأمني ناصر الصفار أنّ "عمل المنظومة الأمنية منذ العام 2003 ولغاية الآن لم يفلح في توفير الأمن ولا في مواجهة الإرهاب من دون تدخلات دولية كبيرة ودعم مالي واستراتيجي وعسكري، كما يحدث الآن في محاربة تنظيم داعش".

ويضيف "من بين أسباب فشل المنظومة الأمنية تقاطع مصالح ومكاسب الأحزاب الدينية والكتل السياسية التي يندرج أغلب عناصرها ضمن المنظومة الأمنية نفسها، فضلاً عن ضعف التدريب والتسليح وغيرها الكثير من الثغرات في الخدمات اللوجستية العسكرية".

في المقابل، يؤكّد رئيس لجنة الأمن والدفاع النيابية حاكم الزاملي أنّ "المنظومة الأمنية في العراق بحاجة إلى فلترة للتخلص من الذين لهم علاقة بعصابات مسلحة، فضلاً عن حاجتها إلى التدريب والتسليح بأحدث الأجهزة والمعدات".

وقفة مهمة لإعادة النظر

ويعترف العميد يحيى رسول الزبيدي، المتحدث الرسمي باسم قيادة العمليات المشتركة، في حديث لموقع (إرفع صوتك) أنّ "أجهزة المنظومة الأمنية لم تلعب دوراً كافياً لحماية العراق ولتكون سوراً لهذا الوطن".

ويضيف "بناء الجيش وأجهزة المنظومة الامنية في العام 2003 تمّ على عجل. وبعد ذلك انهمك الجيش في عمليات تأمين حماية مدينة بغداد في عمليات السيطرات والدوريات إثر اندلاع دوامة العنف والطائفية".

ويشير إلى أنّ "القيادة العسكرية العراقية، وعلى رأسها أعلى المستويات، انتبهت لهذه الاخفاقات والسلبيات، خاصّةً بعد أحداث الموصل وصلاح الدين والرمادي. وكانت هناك وقفة مهمة لإعادة النظر بأسلوب مناهج تدريب للجيش العراقي مع ضرورة استمرار تسليحه وتجهيزه بمعدات أفضل".

"وفق المرحلة الحالية، نحن نقاتل الارهاب والعصابات المسلحة التي اعتمدت على أساليب غير منظمة ومتمثلة باستخدام العبوات الناسفة والتفخيخ والألغام والقتل وغيرها. لذا فقد تم إدخال دروس ومناهج للكليات العسكرية في كيفية القتال في المدن وبين المباني ومكافحة الارهاب والأساليب التي يتخذها المقاتل أثناء المعارك".

يقول الزبيدي "نوعاً ما، أصبحت هناك خبرة لدى القوات المسلحة العراقية من خلال المعارك التي جرت مؤخراً في حربه على تنظيم داعش".

*الصورة: القوات العراقية في الأنبار/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.