بقلم خالد الغالي:

عند الحديث عن مسار حقوق الإنسان في المغرب، يتموقع تاريخ 16 أيار/مايو 2003 كعلامة فارقة، يوم هزت سلسلة انفجارات مدينة الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، مخلفة 33 قتيلاً وعشرات الجرحى، بالإضافة إلى مقتل 12 انتحارياً.

كان البلد إلى حدود تلك اللحظة، يراكم النقاط الجيدة في المجالين السياسي والحقوقي: توافق بين المؤسسة الملكية والمعارضة أوصل الأخيرة إلى رئاسة الحكومة لأول مرة منذ 50 عاماً، رفع الإقامة الجبرية عن زعماء سياسيين، عودة آخرين من المنفى، تشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة للبت في انتهاكات حقوق الإنسان خلال "سنوات الرصاص" وغيرها. بيد أن الهجوم الإرهابي أوقف عجلة هذا المسار، ودفع الدولة إلى ردة فعل أتت على كثير من مكاسب السنوات الأولى من حكم الملك محمد السادس.

يقول محمد السكتاوي، المدير العام لمنظمة العفو الدولية، فرع المغرب، لموقع (إرفع صوتك) "عرف المغرب تطورات إيجابية في مجال حقوق الإنسان بعد تولي الملك محمد السادس السلطة. وبدأت الدولة تفتح ملف انتهاكات حقوق الإنسان السابقة، وجرى تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة. لكن بعدما حصل في الدار البيضاء، دخل المغرب معركة ضد الإرهاب، وسارع إلى سن قانون مكافحة الإرهاب، فعرفت البلاد انتكاسة حقوقية".

رقم قياسي

هزت تفجيرات الدار البيضاء وجدان المغاربة بقوة، فلأول مرة ضرب الإرهاب المملكة منذ تفجيرات مراكش سنة 1994. وجاء رد السلطات بحجم الصدمة، فشنت حملة اعتقالات واسعة حطمت أرقاماً قياسية في عدد المعتقلين: لم تكد سنة 2003 تنتهي حتى وجد حوالي 2000 شخص أنفسهم في السجون.

وضعت المعركة ضد الإرهاب المغرب تحت أصابع اتهام المنظمات الحقوقية، المحلية والدولية، خاصة بعد وفاة معتقلُين اثنين في مرحلة التحقيقات التمهيدية. وشملت الاتهامات التعذيب والمعاملة السيئة وإرغام المعتقلين على توقيع محاضر دون الاطلاع عليها وعدم احترام مدة الحراسة النظرية وعدم إخبار العائلات بأماكن اعتقال ذويها.

وأبدت المنظمات الحقوقية أيضاً ملاحظات حول سير المحاكمات، متهمة القضاء بالاستعجال في النطق بالأحكام، من دون أن تتوفر ضمانات المحاكمة العادلة.

يقول تقرير لـ"هيومان رايتس ووتش"، صدر سنة 2005، "احتجز كثيرون، لأيام أو لأسابيع، في أماكن سرية حيث أخضعتهم الشرطة إلى مختلف أشكال سوء المعاملة والتعذيب أحياناً، بغية انتزاع الاعترافات. كما أنكرت عليهم المحاكم حقهم في الاستماع إليهم بشكلٍ منصف. وكانت ترفض دائما مطالبة الدفاع باستدعاء الشهود وبالأمر بإجراء الفحوصات الطبية لمن يدعون التعرض للتعذيب. وقد حوكم الكثيرون على عجل، وأدينوا قبل تشرين الأول/أكتوبر 2003".

انهارت صورة المغرب الحقوقية، وعكست التقارير الحقوقية المنعطف الخطير الذي تعيشه البلاد. فكتبت هيومان رايتس ووتش "المغرب: حقوق الإنسان على مفترق طرق". وأصدرت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان تقرير "السلطات المغربية في اختبار الإرهاب: إغراء اللجوء إلى العنف".

ونشرت منظمة العفو الدولية تقريرا أثار ضجة كبيرة في المغرب، وعنونته "المغرب/الصحراء الغربية: التعذيب في حملة مكافحة الإرهاب - حالة مركز اعتقال تمارة".  ومنحت منظمة فريدوم هاوس بدورها المغرب خمس درجات في سلم احترام حقوق الإنسان على سلم من واحد إلى سبعة، حيث سبعة هي أسوأ درجة.

في النهاية، صدرت أحكام القضاء على المعتقلين ومن بينها 17 حكماً بالإعدام.

ولاحقاً، أقرّ الملك محمد السادس في حوار مع جريدة (إلباييس) الإسبانية، في كانون الثاني/يناير 2005، بوقوع تجاوزات، قائلاً “ليس هناك شك بأن تجاوزات قد وقعت. ولقد سجلنا حوالي عشرين حالة في هذا الشأن".

معتقل وقانون من زمن الرصاص

بدأ في غمرة حملة المغرب على الإرهاب الحديث عن "معتقل سري" لاستنطاق وتعذيب المتهمين في قضايا الإرهاب. وطفا إلى السطح اسم "معتقل تمارة" (مدينة صغيرة قرب العاصمة الرباط) كمعتقل سري تابع لمديرية مراقبة التراب الوطني (المخابرات الداخلية).

ونشرت الصحف والمنظمات الحقوقية المغربية شهادات لمعتقلين من التيار السلفي ادّعوا فيها تعذيبهم في هذا المعتقل. وفي المقابل، ظلت السلطات المغربية ترفض الاعتراف بوجود "معتقل تمارة" أو حصول تعذيب فيه.

"توفرت معطيات موثوقة بأن هذا المعتقل الذي تديره مديرية مراقبة التراب الوطني، عرف عدداً من الاعتقالات والاحتجازات التعسفية لأشخاص تم اتهامهم بتهم تتعلق بالإرهاب"، قال محمد السكتاوي، ممثل منظمة العفو الدولية في المغرب في حديثه عن تقرير المنظمة حول "معتقل تمارة".

ولم تمر الحملة دون أن تضع بصمتها على المنظومة القانونية المغربية. فبعد ثلاثة أيام فقط من تفجيرات الدار البيضاء، صادق البرلمان المغربي بالإجماع على قانون مكافحة الإرهاب، الذي كان حتى ذلك الوقت محل معارضة شديدة من أطراف عدة.

صيغ القانون عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، وظلت المنظمات الحقوقية وعدد من الأحزاب، وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأس الحكومة اليوم، تتحفظ عليه بشدة. غير أن التفجيرات دفعت الحزب إلى الانحناء للعاصفة وتعديل موقفه.

يقول عبد العزيز أفتاتي، عضو مجلس النواب المغربي عن حزب العدالة والتنمية لموقع (إرفع صوتك) "كانت الأجواء صعبة جداً نتيجة هول الفاجعة، ولم يكن الوضع يسمح باتخاذ موقف آخر. فمن الصعب أن تستمر في ظل الوضع الاستثنائي بالمناقشة القانونية، كما لو أن الجو كان عادياً وكأن شيئاً لم يحدث".

تعرض القانون لانتقادات شديدة، واعتبرت المنظمات الحقوقية أنه ينبني على مقاربة أمنية لملف الإرهاب. يقول محمد السكتاوي "أعطى قانون الإرهاب مفهوماً فضفاضاً للإرهاب، وضمن بنوداً مسّت بدور محامي الدفاع والحياة الخاصة للأفراد، بل وسعت نطاق عقوبة الإعدام. كما مسّت بعض بنوده أيضاً حرية الصحافة والتجمع السلمي".

ويتابع الناشط الحقوقي "اعتبرنا هذا القانون ضربة في صميم الحريات الأساسية".

وكادت الحملة أن تطيح بحزب العدالة والتنمية نفسه، فقد حملته أطراف يسارية وآخرون محسوبون على المؤسسة الملكية وفي وسائل الإعلام المسؤولية المعنوية عن تفجيرات الدار البيضاء. وجرت المطالبة بحله، إلا أن الملك محمد السادس رفض مجاراة هذه المقترحات في النهاية.

* الصورة: "اعتبرنا هذا القانون ضربة في صميم الحريات الأساسية"/shutterstock

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

تبعات عمليات إسرائيلية عسكرية في الضفة الغربية
تبعات عمليات إسرائيلية عسكرية في الضفة الغربية

قالت الحكومة البريطانية، الجمعة، إنها تشعر "بقلق بالغ" إزاء العملية الإسرائيلية المستمرة في الضفة الغربية المحتلة، محذرة من أن خطر عدم الاستقرار جسيم وشددت على الضرورة العاجلة لخفض التصعيد.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية في بيان "نواصل دعوة السلطات الإسرائيلية للتحلي بضبط النفس والامتثال للقانون الدولي والتصدي بقوة لأفعال من يسعون إلى تأجيج التوتر".

وتصاعدت الاشتباكات مع القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر .

وبحسب إحصاءات فلسطينية، قُتل أكثر من 660 شخصا، من المسلحين والمدنيين، بعضهم على يد مستوطنين يهود نفذوا هجمات متكررة على بلدات فلسطينية في الضفة الغربية.

وقتلت القوات الإسرائيلية، الخميس، قياديا محليا ينتمي إلى حركة الجهاد الإسلامي المدعومة من إيران بالضفة الغربية وأربعة مسلحين آخرين في معركة بالأسلحة النارية خلال واحدة من أوسع الهجمات على الأراضي المحتلة منذ أشهر.

كما أعلن الجيش الإسرائيلي، الجمعة، مقتل "قائد حركة حماس في مدينة جنين" بالضفة الغربية، واثنين من مرافقيه خلال عملية في الضفة الغربية.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية: "نقر بحاجة إسرائيل للدفاع عن نفسها في مواجهة التهديدات الأمنية، لكننا نشعر بقلق بالغ إزاء الأساليب التي تستخدمها إسرائيل والتقارير عن وقوع خسائر بشرية بين المدنيين وتدمير البنية التحتية المدنية".

وأضاف المتحدث أن بريطانيا "تدين بشدة عنف المستوطنين"، وأنه ليس من مصلحة أحد أن يتسع الصراع وعدم الاستقرار في الضفة الغربية المحتلة.