الأردن – بقلم صالح قشطة:

مع كل ما تشهده المنطقة العربية من صراعات سياسية ونزاعات دموية، طفت على السطح أيديولوجيات مختلفة تروّج للإرهاب وتتخذ من التطرف قاعدة وأرضاً خصبة لتنطلق منها وتروج لأفكارها.

وهو ما أدى لأن تعلو في الأردن أصوات تنادي بالإصلاح الشامل الذي يعمل على مكافحة أي نزعة تطرف وللقضاء على أي فهم خاطئ للأديان قد يوّلد العنف ويجلب الهلاك للبلاد والمنطقة. وقد تعددت مطالب تلك الأصوات وتنوّعت حول ما قد يعزز التطرف لدى المجتمع بكافة أشكاله وممارساته.

تنشئة الطفل بطريقة سليمة وزرع مختلف القيم الإنسانية في روحه منذ الصغر كانت إحدى الحلول المقترحة التي نادى بها عدد من المختصين والمهتمين بهذا الشأن. وهو ما دفع كثير منهم لمراجعة المناهج الدراسية التي تُدرّس للطالب منذ لحظة دخوله المدرسة، وذلك للوقوف على دروس قد يساء فهمها من قبل الطفل، كونها غير مناسبة لعمره وإدراكه وتشكل خطراً على مستقبله ومستقبل مجتمعه.

أعياد غير المسلمين

Jordan First Photo

في حديث لموقع (إرفع صوتك)، أشارت المختصة التربوية نور رياض إلى أحد دروس مادة التربية الإسلامية للصف الثامن الأساسي، التي جاء فيها كلامٌ يُحرِم على المسلمين مشاركة غير المسلمين في أعيادهم، والذين وصفهم الدرس بأنّهم "من ذوي الأخلاق السيئة والأعمال الخبيثة".

وأكملت معلمة المرحلة الأساسية في إحدى المدارس الخاصة تعليقها على هذه المناهج قائلة إنّ "صياغة بعض الدروس بشكل عام قد تحمل معانٍ مبطنة وقد تدفع الطفل للتفكير بالتطرف والعنصرية. وهو أبعد وآخر ما نريد الوصول إليه".

وتقول رياض "في موسم عيد الميلاد المجيد، تزدان الأردن بمظاهر العيد تماماً كما تزدان لعيد الفطر والأضحى. والأطفال المسلمون تغمرهم الفرحة والبهجة بالزينة التي تكسو بيوت جيرانهم وأصدقائهم المسيحيين تماماً كما يفرح الطفل المسيحي بطقوس وشعائر عيد الفطر والأضحى. فكيف لي أن أمنع طفلاً من الفرحة؟ وكيف لي أن أصادر بهجته بالعيد ومن ثم أدعوه لأن يحترم دين الآخر في وقت منعته فيه من تهنئة جاره أو صديقه بعيده؟". وتتساءل "ألن يزرع ذلك في نفوس أطفالنا نوعاً من التطرف أو ربما يضع دينهم بخانة المقارنة؟ فيشعرون أن الدين الآخر يبدو أكثر تسامحاً ومحبة للآخر من دينهم؟".

وبذات السياق، قال المختص التربوي فادي حمدي لموقع (إرفع صوتك) "هذا الدرس يدعو لعدم تقبل الآخر"، مضيفاً أنّ "الانفتاح نحو الثقافات والخبرات المختلفة ينمي القدرات المعرفية لدى الأطفال". ويشير إلى أن من أسباب نهضة الأمة الإسلامية، حسب رأيه، كان "انفتاحها على الثقافات العالمية من يونانية وفارسية وهندية وحبشية".

ويصف حمدي ما تناوله الدرس ذاته عن التقليد الأعمى لغير المسلمين بأنه "يعزز ربط وتخصيص الأفعال السيئة والمعاصي بغير المسلمين، علماً بأن هناك مسلمون أفعالهم جيدة ومسلمون أفعالهم مؤذية، وكذلك الحال بالنسبة لغير المسلمين".

"الآخر المختلف"

وتستنكر رُبى صبحي ولية أمر أحد طلاب الصف الثالث الابتدائي ما يتم طرحه في بعض المناهج حول  "الآخر المختلف وتصويره كما لو أنّه من أتباع الشيطان، أو Jihad Jordan twoككافر، وأن الله لم ينعم عليه بنعمة الإسلام!".

أما إيفيت فلاس، ولية أمر أحد طلاب الصف التاسع الأساسي، فقد أبدت استغرابها من هذه المواد والأفكار، لا سيما ما يتم تلقينه للطلاب المسلمين حول عدم جواز مشاركتهم بأعياد المسيحيين. وأوضحت "لم نسمع عن شيء من هذا القبيل عندما كنت طالبة على مقاعد الدراسة". واعتبرت الترويج لهذه الدروس كنوع من "انتقاص الآخر، كما أنه يعتبر استفزازاً لمشاعر غير المسلمين".

الجهاد في المناهج

ودعا حمدي إلى ضرورة تعزيز الدروس بجوانب توعوية شاملة، خصوصاً فيما يتعلق بمفهوم الجهاد الذي يطرحه نفس المنهاج والذي وصفه بأنه "أصبح وسيلة في يد السياسيين من أجل تحقيق مكاسب شخصية".

وعلّقت نور رياض على هذه النقطة أيضاً بقولها "الجهاد كلمة ومصطلح لا يفترض أن يقترن بالدم والقتال فقط، فالتعليم جهاد والعمل جهاد تغيير المنكر حتى ولو بالقلب جهاد، وكظم الغيظ جهاد ومقاومة المغريات جهاد، فلماذا يختزل الجهاد بمناهجنا بالقتل والسبي والأسر؟".

المحاسبة بالسيف

واستطردت رياض متسائلة Jordan Omar Bin Khattab حول مادة مقدمة لطلاب الصف الثالث الابتدائي ضمن منهاج اللغة العربية يبدي فيها الخليفة عمر بن الخطاب موافقته أن يحاسبه قومه بالسيف، "أليس من الممكن أن يساء فهم هذا المثال من قبل عقل طفل يدرس بالصف الثالث؟ ألا يوجد مثال أكثر ملائمة لعقل وإدراك الطفل نقدمه لتقويم السلوك غير السيف وسفك الدم؟ أين ذهب النقاش والحوار كما ورد في ديننا، والتدريج في التغيير؟".

وأضافت "هذه الجملة تولد تناقض لدى الطفل في طريقة تقويم السلوك وتعطيه الأولوية بتقويم أي سلوك يراه عن طريق "سفك الدماء". وهذا مرفوض. إضافة إلى أن هذا النص مطروح تحت بند "أقرأ واستمتع"! هل من الطبيعي أن يستمتع الطفل ذو الثمان سنوات بفكرة سفك الدماء؟ هل هو نوع من أنواع الرسائل الخفية أو تحفيز الأدرينالين لفكرة سفك الدماء؟".

المرحلة الثانوية

كما يطرح الناشط المجتمعي أدهم محمد بعض الملاحظات حول مقرر الثقافة العامة للمرحلة الثانوية وينوّه إلى احتوائها بعض التمارين التي رأى أنها "تعتبر إقصاءً لغير المسلمين"، ومن ضمنها مثلاً التمارين التي "تطلب من الطلاب الذهاب للمسجد وإجابة بعض الأسئلة على ضوء خطبة الجمعة".

Friday Prayers Jordan

ويضيف في حديثه لموقع (إرفع صوتك) "لماذا يشمل الكتاب تمريناً لا يمكن أن يقوم به غير المسلم في وقت تدرس المادة للطلبة المسلمين والمسيحيين؟ ماذا سيفعل الطالب المسيحي أمام هذا التمرين؟".

ويسأل أيضاً "كيف سيتقبل الطفل وجود فتاة غير محجبة في المجتمع؟ وكيف سنطلب منه أن يعامل الآخر وأن يحترم ويعامل زميلاته بناءً على سلوكهن وليس مظهرهن في وقت لم يتم تصوير الفتاة والأم والمعلمة والمديرة إلا محجبة بكل صور كتاب اللغة العربية للصف الأول؟ ولماذا كل صفة أو سلوك نموذجي للأسرة يختزل بالمسلمين دون سواهم حتى بكتب التربية الفنية وكتب مهارات الاتصال؟".

"رسالة عمّان"

لم تقتصر المطالبة بإعادة النظر بالمناهج وتفعيل دورها فقط بالتربويين والأخصائيين والناشطين، بل كانت مطلب وأولوية لدى رأس الحكم في الأردن. حيث أطلق الملك عبد الله الثاني ما سُمي بـ "رسالة عمان" لتنشئة مواطن معتدل يتحلى بالصفات الإنسانية. وعمل على الترويج لهذه الرسالة في مختلف المؤتمرات والمحافل المحلية والدولية، فتمّ إدراجها ضمن المناهج الدراسية لما تحمل من دعوة للتسامح والاعتدال وعدم استغلال الدين في أي تصرفات غير مقبولة إنسانياً.

ويصف موقع الملك الخاص على شبكة الإنترنت أهدافه المبادرة بأنّها "تسعى إلى أن توحد رؤية العالم الإسلامي وتجمعه على خطاب واضح المعالم محدد الأطر، لا يسمح بترك المفاهيم العامة تتحول إلى مساحات رمادية يلعب فيها ويعبث بها منتسبون ضعفاء العقل والضمير عابثون بمصير الأمة، لا يقيمون وزن شرع الله وسنة النبي، يلتقون في نهاية المطاف بالقوى التي دأبت منذ عقود على محاولة عزل الأمة الإسلامية عن المجتمع البشري والحضارة الإنسانية المعاصرة، وليس حماية لها كما يدعون".

ومع أنّه تمّ تعديل عدد من المناهج الدراسية وتم إدراج رسالة عمان ضمن مقررات المرحلة الثانوية، إلا أن بعض الخبراء يرون أن الرسالة لا بد من تدريسها في مراحل دراسية مبكرة، وذلك بشكل مبسط بحيث يتصاعد شرحها تدريجياً حسب كل مرحلة، لتخلق بيئة مدرسية وتعليمية سليمة تقدم للمجتمع جيلاً جديداً خالياً من أي نزعات للتطرف. كما يعتقدون أنّه يجب أن تتم مراجعة كل المناهج من قبل المختصين بشكل شامل وجدي لما سيساهم بالقضاء على العنف المدرسي والجامعي والمجتمعي الذي بات مؤخراً يأخذ اتجاهاً تصاعدياً ودموياً.

وقد حاول موقع (إرفع صوتك) الوقوف عند رأي وزارة التربية والتعليم الأردنية بهذا الخصوص وجهودها لمراجعة المناهج وتنقيحها، إلا أننا وحتى وقت كتابة هذه السطور لم نتلق أي رد أو تجاوب من السيد وليد الجلاد، الناطق الإعلامي باسم الوزارة.

*الصورة: "الانفتاح نحو الثقافات والخبرات المختلفة ينمي القدرات المعرفية لدى الأطفال"/shuttertock

*الصور الأخرى: من كتب في مناهج الأردن: كتاب لغتنا العربية للصف الأول، كتاب لغتنا العربية للصف الثالث، كتاب التربية الإسلامية للصف الثامن، كتاب الثقافة العامة – المرحلة الثانوية/إرفع صوتك

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.