مصر – بقلم الجندي داع الإنصاف:

اكتسب الحديث عن وسطية الإسلام أهمية كبيرة، وخاصة بعد انتشار الأفكار المتطرفة التي أخرجت للعالم تنظيمات متشددة مثل القاعدة وداعش.

ولما كانت مؤسسة الأزهر هي المعبّرة –حسب رأي الكثيرين– عن الوسطية الإسلامية، يبرز التساؤل حول كيف يمكن للأزهر القيام بدوره الوسطي بينما هناك الكثير من الانتقادات التي توجه إلى مناهجه التي يقوم بتدريسها في المعاهد التابعة به وفي جامعة الأزهر؟

شروح خطيرة

يقول الدكتور أحمد كريمة أستاذ الشريعة والفقه المقارن في جامعة الأزهر لموقع (إرفع صوتك) إنّ بعض شروح الأحاديث النبوية في الفقه الإسلامي خاصّة عند السلفية الوهابية "خطيرة جداً لا سيما بعض فتاوى ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب"، مطالباً بمنع هذه الفتاوى وبحذفها من المناهج.

ويشير كريمة إلى أن بعض الطلبة الوافدين الذين يدرسون بالأزهر، ونتيجة انتشار مثل هذه الفتاوى خاصة بالمساجد التي يسيطر على الخطابة فيها السلفيون والإخوان –حتّى وقت قريب– "تسهم في عودة هؤلاء الطلاب إلى بلادهم بمشروع فكر إرهابي، بدلاً من عودتهم بثقافة أزهرية وسطية". ونموذج ذلك، حسب رأي كريمة، تنظيم طالبان وتفريعاته من القاعدة وداعش والسلفية الجهادية.

مختارات من التراث

ويرى أستاذ الفقه في أنّ "باب الجهاد في الفقه وما يتعلق به من الأسر والغنيمة والجزية والسبي لا يصلح تدريسه إلا بوجه معاصر". ويتساءل "لماذا لا يجمع أفضل ما في كتب التراث وأنسبها للعصر الحالي ويدرس للطلاب في كتاب يسمى "مختارات من التراث" وتُعطى بذلك للدارسين المعلومة التي تجمع ما بين الأصالة دون انكفاء عليها، والمعاصرة دون الذوبان فيها؟".

وإذ يعتقد كريمة إلى أن معظم الدراسة الأزهرية تدعو إلى السلم وقبول الآخر والتعايش، يشير إلى "نقطة خطيرة وهي أن المشكلة ليست في الكتب فقط، لكن في المعلم أو المحاضر الذي يقوم بالشرح للطلاب وفقاً لانتماءاته السياسية والدينية".

"الأفكار ليست موجودة بالضرورة في الكتب، إنّما هي موجودة كذلك في العقول"، يقول كريمة.

لا تشدّد في الأزهر

 الشيخ عبد العزيز داوود، وكيل المعاهد الأزهرية سابقاً، ينفي لموقع (إرفع صوتك) بشكل قاطع التشدّد عن كل مناهج الأزهر. ويقول إنّ "هناك علماء سابقين تخرجوا من الأزهر ولم يعرفوا التشدد، على الرغم من دراستهم التراث القديم بالأزهر ومنهم الشيخ الغزالي والشيخ الشعراوي".

وانتقد الشيخ داوود مهاجمي الأزهر ومناهجه واصفاً إياهم بأنهم "لا يفهمون شيئاً أو لم يقرأوا أو يطلعوا على المناهج الأزهرية، فهي لا تدعو إلى الإفراط أو التفريط".

منبع للإرهاب؟ أمّا الشيخ محمد عبد الله نصر، أحد خريجي جامعة الأزهر، فيعتقد أنّ "كل ما تحتويه مناهج الأزهر من أفكار هي المنبع الفكري لجماعات التطرف والإرهاب".

وقال لموقع (إرفع صوتك) "حينما تقوم جماعات الإرهاب المتأسلم بقتل الناس واغتصاب النساء، فهذا موجود في كتب الأزهر. وحينما يقوم الأزهر بتدريس السبي وملك اليمين وتقوم تلك الجماعات بتأسيس دول دينية تحت راية ما يسمى بالخلافة، فالأزهر يقول إن الخلافة فرض كفاية. حينما تقتل هذه الجماعات أناساً وتقول إنّهم مرتدون، فالأزهر يجيز قتل المرتد. وحينما تقتل من يترك الصلاة، فالأزهر يجيز قتل تارك الصلاة. وتشكيل الأزهر للجنة لتطوير المناهج وحذفها حديث أكل لحم الأسير، فهذا اعتراف من الأزهر بأنّنا لا نتجنى عليه وإنما هي كتب موجودة".

الصورة أدناه من مناهج سابقة في الأزهر.

بحسب نصر، "الأزهر هو المنوط بمعالجة المرض، لكنه لا يعترف أنه مريض وهنا الإشكالية الكبرى. فلو اعترف الأزهر بأن هناك مناهج في الفقه القديم وأحاديث مدسوسة عن النبي صلى الله عليه وسلّم بأنّه يجب تنقيتها، لكان الأمر خيراً. لكنّهم لا يعترفون بوجود أي خلل ويردون بأن هذه مؤامرة لإسقاط الأزهر وهدم الإسلام ويعتبرون أنّ كل من يطالب بتصحيح مناهج الأزهر عملاء هدفهم تشويه المؤسسة الدينية رمز الوسطية".

وطالب نصر الأزهر بفتح باب الاجتهاد المغلق منذ القرن الثامن الهجري "ومن هنا نجد أن كتب الفقه الأزهري التي تدرس في عام 2016 مات مؤلفها سنة 657 هجرية (1259م)".

الصورة أدناه من مناهج سابقة في الأزهر.

في طور التجديد

من جهته، قال وكيل وزارة الأوقاف الدكتور صبري عبادة لموقع (إرفع صوتك)  إنّ المناهج الأزهرية في هذه المرحلة "في طور التجديد والتطوير بما يتناسب مع قضايا العصر ومستجداته"، مشيراً إلى وجود بعض الأفكار القديمة التي تتضمنها بعض الكتب الدراسية لآراء فقهاء سابقين "لا تتماشى مع قضايا المجتمع المصري الآن بعد التطور التكنولوجي الهائل".

وإذ يطالب الأزهر بإعادة النظر في المناهج والإصدارات التي تصدر عنه لمعالجة الأفكار والدعوات الهدامة، يوضح أن في كتب التراث فتاوى "كانت صالحة في عصرها ولم تعد صالحة الآن".

وضرب على ذلك مثالاً بعض فتاوى ابن تيمية التي تعلقت بانتشار التصوف والمغالاة فيه لدرجة كانت تمس العقيدة وهي لم تعد صالحة بعد أن عاد المجتمع إلى طبيعته.

وطالب الدكتور صبري "علماء الأمة بالاجتماع لتنقيح الأفكار المتطرفة وتعليم الشباب كيفية استنباط الأحكام وقواعد التفكير الصحيح".

* الصورة: "الأزهر هو المنوط بمعالجة المرض، لكنه لا يعترف أنه مريض وهنا الإشكالية الكبرى"/Shutterstock

*الصور 2 و3: من مناهج سابقة في الأزهر/إرفع صوتك

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

مواضيع ذات صلة:

العالم

بسبب مهنهم.. تعب جسدي وألم نفسي

غمدان الدقيمي
29 مايو 2020

يشعر عبد الله، وهو شاب عراقي يعمل عتالا (حمالا) بمرارة وألم بسبب مهنته التي لا تتلاءم مع تحصيله الدراسي.

يتقدم عبد الله بخطى يائسة نحو عمله بملابس رثة يكسو وجهه الخجل، خصوصا وأنه قد تخرج من كلية الآداب قبل سنوات.

يأخذ نفسا عميقا ليواجه يوما صعبا مليء بالأحمال الثقيلة، ويعتمد أغلب الأحيان على عربة يضع فيها حاجيات المتبضعين من "سوق باب السراي"، أكبر أسواق الموصل وأقدمها، لنقلها إلى منازلهم أو مركباتهم.

يقول الشاب الثلاثيني "اخجل من عملي لكن ليس باليد حيلة فأنا صاحب عائلة ولم أحظى بفرصة عمل، لا حكومية ولا غيرها".

ويضيف في حديث لموقع (ارفع صوتك)، "لست الوحيد الذي يخجل من عمله فهناك صديق لي يعمل خبازا وهو الأول على دفعته في كلية التربية الأساسية، بالرغم من مكانة المعلم عالميا يجد صديقي يوسف نفسه أسيرا لهذا العمل الذي لم يجد غيره ليعينه على الظروف المعيشية القاسية ولاسيما أنه أب لأربعة أطفال".

ويتابع عبد الله "أتمنى أن تفعل الحكومة خطط استثمارية قادرة على فتح المجال للعاطلين، وخصوصا خريجي الجامعات، ليجدوا فرص عمل تليق بهم".

معاملة الناس

من جانبه، يخجل الطفل عبيدة عامر من أقرانه في المدرسة بسبب مهنة والده الذي يعمل في جمع النفايات (زبال).

عامر (33 عاما) يعمل منذ سبع سنين في هذه المهنة التي انهكته ورسمت على وجهه ملامح البؤس والتعب.

تجاوز مرحلة الخجل بعدما أصبح عمله أمرا اعتياديا يدر عليه ما يسد حاجته للعيش.

يتحدث عامر عن تركه للدراسة في ريعان شبابه لأن الأعمال الإرهابية خطفت حياة والده ليجد نفسه مقحما في معترك الحياة المحفوفة بالصعوبات، ناهيك عن عدم الحصول على فرصة عمل كريمة بدل عمله الحالي.

يقول عامر لموقعنا، "تتفاوت معاملة الناس لي بين من يعطف عليّ وبين من يحتقرني وينضر إلي نضرة دونية، وكأني أنا من اختار لنفسه أن يعيش زبالا ولا يفكر بأني أنا من أرفع قذارته".

مصطلح عنصري

ومهنة العتال أو الحمال وعامل النظافة وغيرها الكثير تعد مهن محتقرة من قبل فئات واسعة من المجتمع العراقي، مثل مهن أخرى محتقرة في مختلف البلدان العربية.

يقول عبد الكريم محمد، إن الشباب الذين يعملون "مزينين" أساءوا ويسيئون لأسرهم ومجتمعهم.

و"المزين" أو "المزاينة"، مصطلح عنصري تمييزي يطلقه بعض اليمنيين على شرائح من المواطنين والفئات التي تقوم ببعض الخدمات، كالحلاقين والجزارين والخدم، وذوو البشرة السوداء، والمغنين في الأفراح وغيرها.

ان عبد الكريم يخاطب بذلك مجموعة من أصدقائه، تعليقاً على شبان من ذات منطقته الريفية التابعة لمحافظة تعز (جنوبي غرب اليمن)، انخرطوا حديثا بالعمل في مهنة الحلاقة (قصات الشعر)، في مدينة عدن جنوبي اليمن.

ويضيف الرجل "أشعر بالخجل عندما أسمع شخصاً من صنعاء يحقر أبناء تعز وإب (وسط اليمن) كونهم يعملون حلاقين وخبازين في المطاعم وفي مهن أخرى".

ويعلق مروان المغربي، وهو أكاديمي يمني متخصص في علم الاجتماع، "لأنها مهن تخدم آخرين اعتبرت محتقرة، وبالتالي احتقر هؤلاء، وبموجبه احتلوا موقعاً متدنياً في السلم الاجتماعي اليمني".

وفقد مئات آلاف اليمنيين أعمالهم بسبب الحرب المستمرة في بلادهم منذ أكثر خمس سنوات، ولا يحظى الشباب بفرص عمل إلا نادرا.

وبات ملايين السكان على شفا المجاعة، فيما تسبب النزاع أيضا بواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حسب توصيف الأمم المتحدة.

العيب أن نسرق

يعمل محمد نصر (20 عاما)، حلاقا في مدينة عدن، ويرد على منتقدي مهنته "هذا استحقار واضح. أنا سعيد بهذا العمل، لكن هذا التحقير يزعجني".

ويضيف "أعمل في هذه المهنة منذ ثلاث سنوات ونجحت من خلالها في الإنفاق على أسرتي. هذا العمل هو الوحيد الذي أجيده".

يكسب محمد من الحلاقة بمعدل يومي على 5 آلاف ريال (8.3 دولار أميركي)، وهو مستمر بدراسته الجامعية.

ويقول "المهم أنني أعيش من هذا العمل ليس مهماً ما يقوله الآخرين عني، نحن الشباب أكثر المتضررين من الوضع القائم في اليمن"، مضيفا "العيب أن نسرق أو نستسلم للظروف الصعبة، فالعمل ليس عيباً والجلوس دون عمل سيصيبني بأزمة نفسية".

مرض نفسي

ويعتبر مروان المغربي، وهو باحث اجتماعي يمني من ينظر إلى هذه المهن وغيرها باحتقار، "لديه بالفعل مرض نفسي، لأنه يستجيب لضغوط المجتمع ببعض القيم الرذيلة".

ويوضح لـ(ارفع صوتك) أن من الأسباب التي تجعل الأشخاص يحتقرون بعض المهن، هي "التنشئة الاجتماعية الخاطئة، وهذا بدوره يتعارض مع قيم الإسلام التي تدعو إلى المساواة".
ويرى الباحث الاجتماعي أن تراجع القيم الإيجابية في بعض المجتمعات العربية، حيث العنصرية والعيب الاجتماعي، طغى على معاملات الناس اليومية، "ووصل الأمر إلى عدم قبول التزاوج بين طبقة وأخرى"، على حد تعبيره.

مشيرا إلى أن الحكومات المتعاقبة في هذه البلدان لم يكن لها أي دور في محاربة هذا الجانب، وإحداث تغيير اجتماعي حقيقي.

وبحسب المغربي فأن هناك العديد من الخطوات التي يجب اتخاذها للحد من هذه الظاهرة، وإنشاء جيل جديد يتقبل الآخر، يوضحها بقوله "بدءاً بإصلاح منظومة التعليم، وتضمين المناهج الدراسية مواضيع تحارب العنصرية واحتقار الآخر، وتنمي مشاعر التعايش والتضامن، إضافة إلى تفعيل دور الأسرة والمجتمع والمسجد في إذكاء هذه القيم".

غمدان الدقيمي