بقلم حسن عبّاس:

يعترض الأردنيون المسيحيون على تغييب المناهج الدراسية في بلدهم لتاريخهم ولثقافتهم وعلى ما يصفه بعضهم بـ"إلغاء المسيحية من قاموس المناهج". ويعتقدون أن ذلك يؤثر سلباً على الوحدة الوطنية.

أين المسيحيون؟

في كلمة ألقاها، قبل نحو سنة، في مؤتمر "نحو استراتيجية شاملة لمحاربة التطرف" الذي ينظمه "مركز القدس للدراسات السياسية"، قال الأب حنا كلداني إنّ هنالك "إلغاءً كاملاً لتاريخ المسيحي العربي ما قبل الإسلام"، في المناهج الدراسية الأردنية.

وكان مجلس رؤساء الكنائس في الأردن قد أعدّ ورقة أوضح فيها أن "هنالك أخطاء تاريخية في مناهج دراسية... إضافة إلى عدم وجود ذكر للماضي المسيحي للأردن في القرون التي سبقت مجيء الإسلام". وأشار إلى أنّ هذا الواقع "يولّد عند الطالب المسلم الاعتقاد أن المواطن المسيحي إنسان غريب، كما يولّد عند الإنسان المسيحي نفس الشعور بالاغتراب عن تاريخه ووطنه ودوره في المجتمع الواحد".

ولمعالجة هذه الإشكالية، أصدر المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام في الأردن تقريراً من 45 صفحة، بعنوان "المناهج الدراسية ودورها في احترام الآخر الديني".

وبعد دراسته كتب التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية والاجتماعية واللغة العربية التي تُدرّس من الصف الأول الأساسي إلى الصف الثاني عشر، صاغ التقرير مجموعة ملاحظات حول محتوياتها.

وطالب معدّو التقرير بتعديل المناهج لتساهم في "التعاون بين مختلف مكوّنات المجتمع، دون إيثار أحدها على الآخر".

ماذا في المناهج؟

يسجّل التقرير الاعتراضات التالية على المناهج:

ـ يهتم المنهج بالحديث عن الأماكن المقدسة الإسلامية، خاصّةً القدس، إلا أنّه لا يذكر القيمة المسيحية لهذه المدينة.

ـ "تشطب" بعض كتب التاريخ أيّ ذكر للوجود المسيحي القديم في المنطقة. مثلاً، في كتاب “تاريخ العرب الحديث وقضاياه المعاصرة”، للصف العاشر (الوحدة السادسة بعنوان القدس تاريخ وحضارة - صفحة 69)، نرى انتقالاً من تاريخ القدس في العصور القديمة إلى القدس في العهد الإسلامي من دون الحديث عن الفترة المسيحية التي عرفتها المدينة.

ـ تتناول بعض الكتب قضايا تاريخ الكنيسة بطريقة سطحية، وأحياناً مغلوطة، ما يؤدي إلى "تشويش لعقيدة وتاريخ وهوية الآخر".

ـ يتحدث كتاب الثقافة العامة في الثانوية العامة عن مخطوطات قمران التاريخية، ويبيّن وكأنها جاءت فقط لتمهد لمجيء الإسلام. ولا يتحدث عنها كمخطوطات أصيلة عن الكتاب المقدس.

ـ تقتبس بعض الكتب من إنجيل برنابا وتعتبره إنجيلاً صحيحاً، بينما يعتبره المسيحيون إنجيلاً مزيفاً.

ـ تخلو المناهج من ذكر الأماكن السياحية الدينية المسيحية، وبالتالي لا تشكل أيّ ترويج وتشجيع على زيارتها والتعرف على تاريخها.

ـ تغيب أيّة إشارة تدل على وجود "ديانة ثانية". فلدى الحديث عن مرافق المجتمع، تقول المناهج "المساجد"، وتضيف إليها أحياناً "بيوت العبادة الأخرى"، ولا تبيّن للطالب أنّ هنالك كنائس بجوار المساجد.

ـ يرد في تدريبات اللغة العربية للصف السابع الآية الإنجيلية "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"، لكنّها لا تقول للطالب إنّها آية من الإنجيل كما يجري عند ذكر آيات قرآنية.

نموذج عن تعديل غير كافٍ

كان كتاب التربية الاجتماعية والوطنية للصف الخامس، يقول، في الجزء الأول منه، ص 15، إنّه “كان أكثر العرب قبل الإسلام يعبدون الأصنام والأوثان، مثل اللات وعزى ومناة وهبل، رغم وجود عدد قليل من العرب كانوا يعبدون الله تعالى، كالحنيفية، وهم أتباع سيدنا إبراهيم عليه السلام”.

وعام 2012، كتب الأب رفعت بدر مقالاً بعنوان "مناهج التربية والتلقين وإلغاء الآخر"‎، فتم تغيير الفقرة المذكورة عام 2013.

لكنّ التغيير لم يصل إلى حد ذكر اسم الديانة المسيحية، بل صارت الفقرة تقول "كان أكثر العرب قبل الإسلام يعبدون الأصنام والأوثان، مثل اللات وعزى ومناة وهبل رغم وجود عدد قليل من العرب كانوا يعبدون الله تعالى".

ويعلّق الأب بدر على هذا التعديل بقوله "تخجل مناهجنا التربوية من ذكر (مجرد ذكر) اسم ديانة أخرى".

اقتراحات مسيحية

ويطالب مسيحيو الأردن بتعديل المناهج وإدخال مفاهيم تركّز على الحوار وثقافة التعددية، كما يطالبون بتغييرات أخرى مثل:

ـ تخصيص مساحة للحديث عن أهم المواقع المسيحية التاريخية واقتراح رحلات مدرسية لزيارتها.

ـ تعديل تعبير "التاريخ العربي الإسلامي" إلى "التاريخ العربي والإسلامي"، بهدف "الاعتراف بوجود عرب غير مسلمين، وتحديداً مسيحيين".

ـ إعادة النظر في تسميات مثل عصر الجاهلية والنصارى وأهل الذمة والإرساليات التبشيرية والحروب الصليبية، واستبدالها بمصطلحات أكثر علمية.

ـ الأخلاق، بحسب المناهج المدرسية، محصورة دوماً بالجانب الإسلامي، وتغيب القيم التي تتمتع فيها المسيحية. ولحلّ هذا الإشكال يمكن الحديث عن "حقوق الإنسان" وكرامته من منطلق إنساني لا ديني.

الصورة: مسيحيون يؤدون صلواتهم في كنيسة/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.