بقلم حسن عبّاس:

تُعتبر "الاستراتيجية الإعلامية العربية لمكافحة الإرهاب" الوثيقة الرسمية الوحيدة التي تعرض خطةً لجامعة الدول العربية تهدف إلى تنسيق جهود الدول الأعضاء من أجل مكافحة الإرهاب إعلامياً.

والاستراتيجية هذه أقرّها مجلس وزراء الإعلام العرب في أيار/مايو 2015، وهي في الأساس مقترح من جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، وهي الجهاز العلمي لمجلس وزراء الداخلية العرب كانت قد أعدّته في كانون الأول/ديسمبر 2013.

تنطلق الاستراتيجية من اعتبار أن وسائل الإعلام يمكن أن تعمل على "تغذية ظاهرة الإرهاب" أو على "الحد من آثارها ومكافحتها" وتدعو إلى "إعلام مستنير يعمّق الوسطية بكل قيمها النبيلة".

10 خطوات هامة

وتضع الاستراتيجية مجموعة منطلقات وأهداف وآليات يمكن أن نستخرج منها 10 خطوات يجب تنفيذها لتحقيق ما أسمته الوثيقة "أمة بلا إرهاب"، وهي كالتالي:

1ـ إعداد برامج إعلامية مدروسة وموجّهة للتعامل مع مشكلة الإرهاب، والاهتمام بتوجيه رسائل إعلامية للأفراد والمجتمعات خاصة في مناطق القرى والأرياف.

2ـ التأكيد على حوار الحضارات ومبدأ الحوار بين أتباع الديانات بما يعزّز مبدأ استقرار النسيج المجتمعي.

3ـ تكثيف برامج التصحيح الفكري باستخدام مختلف وسائل الاتصال الجماهيري، وخاصة الشبكة العنكبوتية العالمية، والمنتديات الثقافية وغيرها، وتنقية البرامج الإعلامية من "الدعاة الجدد وفتاويهم المضللة".

4ـ تعزيز الاهتمام الإعلامي ببرامج المناصحة العربية، وذلك لتأكيد إتاحة الفرصة أمام التائبين للعودة إلى الاندماج في المجتمع.

5ـ إنشاء قاعدة معلوماتية إعلامية حول ظاهرة الإرهاب والعمل على تحليل تلك المعلومات بما يضمن محاصرة الإرهابيين إعلامياً وثقافياً.

6ـ تعزيز التبادل والتعاون الإعلاميين بين الدول العربية لتوفير منظور عربي مشترك حول الأحداث والقضايا الإرهابية.

7ـ إعداد الإعلاميين العرب وتأهيلهم للتعامل مع ظاهرة الإرهاب وفق مهنية عالية، عبر تنظيم الدورات التدريبية والحلقات النقاشية وورش العمل.

8ـ تبصير الرأي العام العربي بمسؤولياته الأسرية نحو حماية الأجيال الناشئة من السقوط في براثن الإرهاب.

9ـ تبنّي برامج إعلامية تهدف إلى تكريس حب الوطن وأهمية الانتماء إليه، والاهتمام بالقضايا القومية إعلامياً وقطع الطرق على الإعلام الإرهابي المضلل الذي يزعم تبنيه لهذه القضايا، خاصة قضية فلسطين.

10ـ إعداد برامج تبث باللغات المختلفة للتعريف بالإسلام، وتوضيح أن الإرهاب ليس من العروبة والإسلام في شيء، وبيان أن الإسلام دين التسامح والعفو وأنه يدعو إلى التعايش مع الآخر على أسس إنسانية، وتغيير الصورة النمطية للعرب والمسلمين.

وتقرّ الاستراتيجية بأهمية دور مؤسسات المجتمع المدني في تحقيق الأمن الفكري لدى المواطنين، وتقترح الاستفادة من خبرات جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية في تنفيذ بعض الخطط المرحلية. كما تعتبر أن العمل سيتم على مراحل تبدأ عام 2016.

انتقادات للاستراتيجية

أبرز ما كُتب في تحليل الاستراتيجية المذكورة هو دراسة  كتبها جمال زرن، الأستاذ التونسي المشارك في قسم الإعلام بجامعة قطر. وهنا أبرز النقاط التي سجّلها عليها:

1ـ تباعد التواريخ بين خطة وأخرى، "وهو ما لا ينسجم مع قواعد بناء الاستراتيجيات". فقد وضعت "الاستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب" عام 1998، والاستراتيجية الإعلامية وُضعت عام 2013، وأقرت عام 2015 وستطبق سنة 2016. ومن تاريخ إلى آخر كان العالم العربي والمشهد الإعلامي يتغيّران كثيراً.

2ـ لم تفرد الاستراتيجية معطيات إحصائية أو بيانات علمية تعتمد عليها، بل كثيراً ما كانت عناصرها عامة وفضفاضة يصعب حصرها وتطبيقها وتقييم مدى نجاح تحققها.

3ـ تطالب الاستراتيجية بإعداد برامج تُبَثُّ باللغات المختلفة للتعريف بالإسلام. ويتساءل زرن: "هل هذه الاستراتيجية مُوجَّهة إلى الآخر وليس الداخل، وبذلك فهي مُوجَّهة لتحسين صورة العرب والمسلمين في الخارج؟".

4ـ غياب المنظور العربي المشترك حول الأحداث والقضايا الإرهابية بين الدول العربية، وهذا سيؤدي إلى استحالة وضع آليات مشتركة.

5ـ تدعو الاستراتيجية إلى الاستفادة من خبرات جامعة نايف للعلوم الأمنية. ويتساءل زرن: "لماذا الاعتماد دائماً على آلية في التنفيذ لها خلفية أمنية؟"، منتقداً طغيان المقاربة الأمنية على بقية المقاربات.

6ـ تتعامل الاستراتيجية مع الإعلام التقليدي فقط ولا تذكر الإنترنت إلا مرة واحدة. وبرأي زرن، "إن اندماج الإعلام والاتصال يفرض علينا تبني استراتيجية إعلامية/اتصالية عربية لمكافحة الإرهاب، وليس فقط استراتيجية إعلامية"، خاصةً في ظل الانفجار غير المسبوق لشبكات التواصل الاجتماعي.

ولوضع استراتيجية إعلامية ناجحة، يدعو زرن إلى ضرورة تبنّي منطلقات "قائمة أساساً على قاعدة حقوق الإنسان ومرجعيتها وحرية الرأي والتعبير أولاً وأخيراً. وفي غياب هذه المرجعيات فإنها ستكون بالضرورة استراتيجية ناقصة ومُحفِّزة ومُنتجة لمناخ قد يكون أكثر قابلية لتبني الفكر الإرهابي، ومنتجة لمخرجات إعلامية متماهية بوعي أو من دون وعي مع سياقات الإرهاب".

الصورة: قادة دول عربية يصلون إلى شرم الشيخ للمشاركة في القمة العربية لعام 2015/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.