بقلم علي قيس:

قال فنانون ومختصون بالمناهج الثقافية الموجهة للأطفال أن وسائل ثقافة الطفل في العراق تشهد غياباً حقيقياً بسبب عدم اهتمام الجهات المختصة بالمؤسسات التي تعنى بالطفل، سواء التلفزيونية أو السينمائية والمسرحية أو المقروءة.

تصنّف الفنانة عواطف نعيم المسرح وسينما الطفل أنها ضرورات أساسية لتربية الأطفال وتثقيفهم وتنمية ذائقتهم الفنية. وقالت في حديث لموقع (إرفع صوتك) "في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كان هناك نشاط مهم مدعوم لمسرح الطفل، كما كان يعمل فيه رواد الفن العراقي، مثل الفنانين الراحلين قاسم محمد وخليل الرفاعي والفنان بهنام ميخائيل وغيرهم. كذلك ظهر برنامج سينما الأطفال على تلفزيون بغداد، حيث كان يعرض الفيلم لمجموعة من الأطفال، وبعد انتهائه، تتحدث معهم مقدمته نسرين جورج عن تأثير الفيلم والشخصية التي أحبوها والقيم التي حصلوا عليها من قصة الفيلم. كانت برامج موجهة ومربية بشكلٍ مثمر، بعيداً عن الوعظ المباشر".

وأضافت نعيم "كما كان هناك نشاط للمسرح المدرسي حيث تأتي فرق مدرسية من جميع المحافظات إلى بغداد وتقدم عروضها. ولا ننسى بعض الأفلام الروائية، مثل علاء الدين والمصباح السحري، والأميرة والنهر. هذه الأعمال كانت متابعة بشكل كبير، لكن بعد دخول العراق في مرحلة الحصار الاقتصادي في التسعينيات، بدأ الفتور والنكوص يضرب مسرح الطفل".

وحذرت الفنانة عواطف نعيم من خطر غياب مسرح وسينما الأطفال في المرحلة الراهنة، قائلة "الوضع الراهن أنتج أطفالاً بينهم من ترك مقاعد الدراسة، وآخرون يتسولون في تقاطعات الطرق بأساليب متنوعة، لذلك فالمسرح ذو قيمة مهمة في هذه المرحلة".

واختتمت نعيم حديثها بالقول "الآن المسرح يحاول أن ينهض بدعم خاص من قبل بعض الفنانين، لكن بالتأكيد لا يمكن أن يكون بمستوى ما كان يقدم بالسابق".

 

نعمان وملسون ولوحة وواحد

"افتح يا سمسم" نموذجاً

ومن بين أبرز برامج الأطفال التلفزيونية، برنامج "افتح يا سمسم" الذي كان يضم فقرات تعليمية متنوعة بين الآداب العامة وقواعد اللغة والرياضيات والصحة والتاريخ والثقافة والفنون.

وأشار الكاتب ومؤلف برامج الأطفال فالح الشريفي، وكان من العاملين في هذا البرنامج، إلى أن "افتح يا سمسم" كان يمنح المتعة والتعليم إلى مختلف الفئات العمرية.

وقال في حديث لموقع (إرفع صوتك) إنّ "برنامج افتح يا سمسم مأخوذ من برنامج شارع السمسم الأميركي. وكان يركز على التوجيه العلمي بشكل تربوي رصين، أنتجته شركة الإنتاج البرامجي لدول الخليج العربي، ولم تكن هناك رؤية إلى كم سيحصد من أرباح".

ولفت الشريفي إلى أن "الطفل اليوم توجه إلى الشاشات الصغيرة والحاسبات، وهذه الوسائل للأسف لا تنمي قدارته بل تدفع به إلى العزلة وعدم المشاركة. كما أنه بدأ يتلقى ثقافة العنف ومصارعة القوى الخيالية".

وحذر مما وصفه بالعزلة المفرطة، موضحاً "هذا سيؤدي بالمستقبل إلى صناعة جيل كامل لا علاقة له بالآخرين، والبعض منهم قد يكون مفرطاً في العزلة، وقد يؤدي الأمر إلى العنف أو عدم القدرة على الاندماج في المجتمع، لأن الطفل يعيش مع عوالم في خياله".

وعن أسباب تراجع البرامج التلفزيونية الموجهة إلى الطفل، قال الكاتب ومؤلف برامج الأطفال إنّ "القنوات التلفزيونية بدأت تشتري هذه الأفلام بسبب انخفاض أسعارها، أو دخول أناس ليس لهم علاقة بموضوع ثقافة الطفل. وبالتالي نجد مشاهد لا تربوية في بعض تلك البرامج والأفلام".

مجلتي
لمزمار

مجلتي والمزمار.. حكايات ملونة

ومن الوسائل الثقافية الموجهة للطفل، المقروءة على وجه التحديد، "مجلتي والمزمار"، وهما مجلتان كانتا تصدران بشكل أسبوعي عن دار ثقافة الأطفال التابع لوزارة الثقافة.

وأكد معاون السابق لمدير عام الدار السابق عبد الرحيم ياسر، أن وجود مجلات للأطفال هو ضرورة أساسية. وقال في حديث لموقع (إرفع صوتك) "في نهاية ستينيات القرن الماضي، شعر مجموعة من المثقفين بأهمية أن تكون هناك وسيلة لتثقيف الطفل، وأنتجوا مجلة مجلتي. وكانت حينها من أهم المجلات في الوطن العربي، وساهم في تأسيسها أبرز الكتاب والفنانين والرسامين".

وأوضح ياسر "عند تأسيس مجلتي، وضعت أهداف هي حب الوطن والصدق والتسامح وحب الآخر. من جملة الأفكار التي كان يعتمدها دار ثقافة الأطفال، هي البطولة الجماعية وأن الإنسان قادر على التغيير وليست الصدفة أو الوهم. وكذلك أن الإنسان يجب أن يحب الآخرين، وبمحبته يستطيع أن ينمي المجتمع".

وتابع "ثقافة الأطفال يجب أن تكون بيد خبراء، لأنها ثقافة خطرة يجب أن تبتعد عن الفئوية سواء الدينية أو الطائفية أو القومية".

وحول وضع الدار في الوقت الحالي قال المعاون السابق لمديره العام، "اليوم لا نشكو من تشوه العمل في ثقافة الطفل، لكن هذه الثقافة تعاني عدم وجود دعم لها، سواء من الدولة أو من منظمات المجتمع المدني. مجلتي والمزمار كانتا تصدران أسبوعياً بربع مليون نسخة، والآن وخلال العام الماضي صدرت ثلاثة أعداد من مجلتي وثلاثة أعداد من المزمار، بنحو خمسة آلف نسخة لكل عدد، والسبب ليس في قلة القراء، وإنما ضعف البنية التحتية للدار".

وشدد عبد الرحيم ياسر على ضرورة النهوض بمستوى الوسائل المقروءة بقوله "ثقافة الطفل المقروءة يجب أن تشكل حافزاً لدى المجتمع ولدى السياسيين والدولة، للاعتناء بهذه الشريحة، لأنها تشكل مستقبل العراق، خصوصاً وأن نسبة فئة الأطفال في العراق تشكل نحو 50%".

*الصورة: فتيات في إحدى مدارس بغداد/وكالة الصحافة الفرنسية

*الصورة 2: صورة من فيديو لبرنامج سينما الأطفال/عن اليوتيوب

*الصورة 3: صورة من فيديو لبرنامج افتح يا سمسم/عن اليوتيوب

*الصورتان 4 و5: غلافا مجلتين للأطفال/عن الموقع الرسمي لدار ثقافة الأطفال

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.