بقلم علي عبد الأمير:

ينتقل الحديث عن الإيمان والدولة المدنية إلى مسار شائك يتعلق بالعلاقة بين الدين والعلمانية، لا سيما أن الأخيرة تبدو مرادفة في عصر الإسلام السياسي وقيمه وسلطته السائدة اليوم في المنطقة، للانحرافات الدينية والأخلاقية.

وهو ما يرد عليه أنصار العلمانية والدولة المدنية بقولهم إنّه من النادر رؤية إيمان خارج مقاسات المؤسسة الدينية، بعدما "أخذ الإسلام السياسي يلوي كل تفاسيرها و أحكامها، ما أدى إلى أن يزحف عليها حتى تربع على عرشها،  فصار التحزب الإسلامي لا يشكل ظاهرة هذا العصر فحسب، بل وطابع هذه المؤسسة ولونها".

من النادر رؤية إيمان بلا دين..

وفي هذا الصدد يقول الكاتب والمعلق السياسي العراقي، رشيد الفهد إنّه "من النادر اليوم رؤية إيمان بلا دين أو مذهب، وبالتالي بلا دوافع نفعية تجري شرعتنها وتحديثها بمهارة لتحقيق دوافع المؤسسة  بالتعاون والشراكة مع القطيع".

ويوضح في مداخلة مع موقع (إرفع صوتك) أن "الإيمان المجرد عاش ونما وازدهر بعد تشكيل الدولة العراقية الحديثة مباشرة، أي بعد الإعلان عن ولادة نظام مدني دستوري، فقد كان هذا الإيمان هو العقيدة المتداولة للنخب الحاكمة والطبقة المتوسطة ولكل أبناء الديانات الأخرى تحت مظلة زواج ناجح وجميل تم بين هذا الإيمان والعلمانية. لكن انفرط عقد هذه الرابطة على أيادي القوميين العروبيين الذين وفروا فيما بعد كل أسباب وظروف نشأة الإسلام السياسي لشمولية الإثنين. وفي الواقع كافة الشموليين يلتقون في النهاية طالما طريقة التفكير التي يشتغلون عليها واحدة".

"استغلال الدين في إقامة الدكتاتورية"

ويعتقد الكاتب والباحث علي عنبر السعدي أنّ الفصل بين الدين والدولة أو الدمج بينهما هو "الموضوع الأكثر اشتغالاً بين المفكرين على امتداد قرون، لكن العلمانية وعلى رغم نجاحها في إقامة دولة مدنية لا يلعب الدين دوراً مباشراً في target="_blank">وظيفتها السياسية، لم تستطع زحزحة الدين بمحمولاته الاجتماعية، وإن حجّمته بقوانين منعت أن يكون حاسماً في مسار الدولة، التي أوجدت (دينها) الجديد المتمثل بالدستور" .

 وبحسب السعدي فقد تواصل تأثير المعتقدات الدينية على المجتمع وتحديد خيارات أفراده السياسية في الأنظمة الديموقراطية، لافتاً في هذا الصدد إلى "أحزاب اتخذت أسماء دينية (الأحزاب الديموقراطية المسيحية وقوى اليمين المسيحي) في عدد من الدول الغربية المتقدمة. وعلى هذا، واجهت العلمانية وأنظمتها مأزقاً في نظرية فصل الدين عن الدولة. ففي حين فعلت ذلك في مواد الدستور، بقي للدين تأثيره في السلوك السياسي لجموع الناخبين الذين يحددون شكل النظام وهيكلية الحكم طبقاً لذلك" .

أمّا في الأنظمة التي تنادي بالدين أو تعتمد عليه، فهي كما يرى الكاتب السعدي "واجهت إشكالاتها منذ البداية، حيث صعوبة الجمع بين متطلبات النصّ المقدس الثابتة، وضرورات السياسة المتغيرة، ما أسهم في ارتباك التطبيق في السياسة واستغلال الدين في إقامة الدكتاتورية. وهكذا لم يربح الدين ممارسة سياسية متطورة ولم تطور السياسة نظرية فكرية تبعاً للمتغيرات" .

ويخلص السعدي إلى القول إن "العراق بات اليوم بحاجة ماسة إلى قيام دولة مدنية تضمن حقوقاً متساوية لجميع مواطنيها، في نظام علماني  يفصل دستورياً بين الدين كمسألة ايمانية، وبين الدولة كوظيفة اجتماعية".

مهمة الإيمان العسيرة

وعن منظومة الإيمان بوصفها قائمة على جملة من المحرمات، يقول الباحث والأكاديمي العراقي د. إسماعيل نوري الربيعي "ما أسهل مهمة الإيمانيين حين يقدمون موضوعهم بناء على الحلال والحرام والثواب والعقاب، وما أصعب معضلة العلماني في الشرح والتفسير".

ويلفت إلى أنّه في "زخم المواجهات والصدام والتشظي الذي يقوم عليه العالم، تم التغافل عن الوظيفة الأصل التي تقوم عليها منظومة الإيمان أو العلمانية. فقد تحولت تلك المفاهيم من وسائل للمعالجة إلى مجرد أدوات للتأزيم وتمزيق العالم وتشظيه".

ويشير الدكتور الربيعي إلى أنّه "تم تغييب الإيمان المنقى العميق والأصيل وتم التفريط بالعلمانية تحت مطرقة الشعارات وتكرار مقولة (الدين لله والوطن للجميع)، حتى فرّغ من محتواه. فيما تتقاتل الجموع والفرق والحشود نحو امتلاك الحقيقة. ليست الأزمة بالإيمان ولا تكمن المشكلة بالعلمانية، بقدر ما يقوم أصل الإشكال والتأزيم على طريقة التعبير والقراءة المرتبكة والوعي الزائف. وقديماً قيل، تتعثر الرجال بالحصى لا الجبال".

الصورة: من فيديو تظاهرة عراقية اتهمت الحكام باستخدام الدين للاستيلاء على موارد البلاد/عن يوتيوب

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.