حين يوزع بعض الرجال مشاعر الحب والإعجاب بالمجان/Shutterstock
حين يوزع بعض الرجال مشاعر الحب والإعجاب بالمجان/Shutterstock

بقلم علي عبد الأمير : 

كنا عرضنا في مقال سابق ما الدوافع إلى الابتزاز والتحرش الجنسي في مواقع التواصل الإجتماعي، ما  شواهدهما ودلالاتهما؟ هل تبدو النساء هنّ المستهدفات والأكثر عرضة لمثل هذه الأفعال، أم انها ظاهرة قد تشمل رجالا وقعوا ضحية "ابتزاز نسائي"؟ هل جعلت مواقع التواصل الإجتماعي أمر التحرش هينا ومتاحا أكثر من قبل؟ ما الاجراءات القانونية الرادعة، وقبلها الأخلاقية؟ أين احترام الخصوصية؟

التحرش وجه آخر للإرهاب

وتعتقد المعلمة العراقية الشابة  تقى عبد الرحيم، ان تراجع الوعي المجتمعي والحس الثقافي، وقسوة العادات والتقاليد وغياب الرقابة القانونية والضوابط، عوامل "تجعل إستخدام مواقع التواصل للتحرش والإبتزاز مساويا لما يقوم به تنظيم داعش" عبر هذه الوسائل من اساءات واعتداءات وتشويهات قاتلة، موضحة في مداخلة مع موقع (إرفع صوتك) ان "من يمارس أفعال الابتزاز مع الآخرين أجده معوقا فكريا مجردا من الانسانية والمبادئ والأخلاق والقيم التي تجعل من المخلوق البشري إنسانا".

بينما تذهب سناء حنا، إلى عرض مفارقة في هذا الشأن، تتعلق بازدواجية الأفكار والسلوك عند "بعض الأصدقاء"، موضحة "صدمت بالكثير من الأصدقاء المعروفين ضمن المجموعات الناشطة على الفيسبوك "groups"، مما كنت اقرأ منهم عبر رسائل يبعثونها على الخاص كانوا يصدمونني بكل رسالة وبعد مناقشتهم يقولون "اننا على الخاص ولن يقرأ احد ما نكتب" ولكنني اقرأ ما تكتب وارى اشياء تختلف عن ما تنشر وما تفكر به"!

استهداف النساء أولا ثم السياسيين؟

ويتحدث الناشط المدني عمر نزار  ، عن جوانب يمكن ان تكون عملية لمواجهة ظاهرة التحرش والإبتزاز، قائلا "سبقنا الغرب في تجارب الابتزاز بأشواط كبيرة، لكنه وجد الحلول عبر القانون الذي اغلق الثغرات الجنائية ولكننا بفضل التخلف القانوني الذي نحن فيه من جهة والتقدم العلمي من جهة اخرى نجد انفسنا بدون اي اجراء ضد انواع الابتزاز الالكتروني".

ويراهن نزار في مداخلة مع موقعنا، على العلم والتعلم كسبيل لحماية الفرد من هذه الجرائم التي بدأت تحدث في مجتمعاتنا "لاسيما اذا فهمنا التركيز على استهداف النساء بشكل أوضح وبالدرجة الأساس ثم الاستهداف السياسي ايضا الذي يطرح نفسه واضحا في عالمنا المعاش فقد لا يمر أسبوع ان لم نسمع أو نرى فضيحة أليكترونية لسياسي أو موظف كبير في الحكومة ."

وعن التعبير الواضح عن شخصية المرأة كونه سبيلا لتجنب المضايقة الشخصية، تقول السيدة وفاء عناد " لم أتعرض لأي مضايقة مهما كان نوعها من قبل الاخوة الأعضاء في مجموعة ناشطة على الفيسبوك هي "نريد أن نعرف"، أعتقد السبب يرجع لاستعمالي اسمي الصحيح، وصورتي الشخصية وهي أكبر دليل على كبر سني. وصور بعض أفراد عائلتي موجودة في صفحتي الشخصية. لكن الكثير من الأخوة يطلب الصداقة بمجرد وضع لايك او تعليق على منشوره".

الواقع الافتراضي أم الحقيقي ؟

وينظر الموظف الحكومي  محمد حسين عجام، إلى الموضوع عبر مدخل يبدو أوسع من ظاهرة الإبتزاز والتحرش، ويعتقد ان مواقع التواصل الاجتماعي شهدت قيام  ثورات، مثلما شهدت قيام تنظيم داعش والمجموعات الارهابية بتجنيد أعضاء عبر تلك المواقع، متسائلا "هل نستغرب وجود ابتزاز وتحرش جنسي عبر هذه المواقع ؟ التي أصبحت عالما متوازيا مع عالمنا الحقيقي، والبعض انغمس في هذا الواقع الافتراضي حد نسيان واقعه الحقيقي ... نعم، تبدأ الحكاية كنوع من التسلية والتعارف لتنتهي بكارثة وفاجعة وابتزاز وتهديد والشواهد في مجتمعاتنا كثيرة، وفوضى السلوك الأخلاقي لبعض مستخدمي مواقع التواصل هي صورة عن فوضى الديمقراطية والحرية والانتخابات الموجودة في بلادنا".

ويعتقد الأكاديمي الدكتور حامد العلي ان مواقع التواصل الاجتماعي اقتحمت خصوصية الاشخاص وأصبحت تمثل تهديدا للبناء الأسري، متسائلا "كيف نواجه هذا الخطر خاصة في المجتمعات الشرقية والتي دخلت عليها هذه المواقع فجأة وبأسلوب لم يكن معهودا؟ وانا أرى ان لاحل سوى بناء المنظومة الاخلاقية داخل كل أسرة والتمسك بها وترصينها من خلال الافصاح عن المسكوت عنه والتحذير من الخطر المترتب على الإذعان لها .. نجعل من افراد أسرنا أصدقاء لنا والإبتعاد عن سياسة المنع والترهيب. كما وان التحرش لا يقتصر على البنات فقط بل ان هناك بنات يتحرشن بالرجال، ووصل الامر الى الطالبات الجامعيات ان يتحرشن باساتذتهن".
 

*الصورة: حين يوزع بعض الرجال مشاعر الحب والإعجاب بالمجان/Shutterstock

 يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.