انب من الاحتجاجات في القصرين في كانون الثاني/يناير 2015/وكالة الصحافة الفرنسية
انب من الاحتجاجات في القصرين في كانون الثاني/يناير 2015/وكالة الصحافة الفرنسية

بقلم حسن عبّاس:

تحتل تونس صدارة المشهد في الدول العربية في ما خصّ الاحتجاجات الشعبية ضد البطالة وللمطالبة بتحسين أوضاع العمال، مع أن ما يعاني منه التونسيون تعاني منه شعوب عربية كثيرة.

التونسيون يحتجّون

عندما ثار التونسيون ضد نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، كانوا يحملون طموحات كثيرة من أبرزها تحسين أوضاعهم الاقتصادية. ولكن رياح التغيير أتت بما لا تشتهيه سفنهم.

وقال الكاتب والصحافي التونسي الشاب أحمد نظيف لموقع (إرفع صوتك) إنه “بعد سقوط بن علي، لم تتوقف الاحتجاجات لأن أسبابها لم تعالَج. فمعدلات البطالة ارتفعت أكثر وخريجو الجامعات في تزايد كبير”.

حالياً، وبحسب المعهد الوطني للإحصاء، وهو مؤسسة رسمية، سجّلت نسبة البطالة في تونس خلال الربع الثالث من العام الحالي 15.5 في المئة.

كذلك، فإن عدد العاطلين عن العمل بلغ 357,000 رجلاً و272,600 امرأة، وذلك من بين نحو 4 ملايين و47 ألف شخص في سن العمل.

ومن بين مئات الآلاف من العاطلين عن العمل٬ نجد ما لا يقل عن 214,100 من حاملي الشهادات الجامعية.

والمشكلة الأبرز أن نسبة البطالة ترتفع في المحافظات الداخلية ما يعكس حقيقة غياب الإنماء المتوازن للمحافظات. ففي تطاوين (جنوب شرق) على سبيل المثال، تصل نسبة البطالة إلى 32 في المئة.

واعتبر نظيف أن “الفوضى السياسية والأمنية التي أعقبت سقوط النظام أدّت إلى تقلّص الإنتاج المحلي وهروب رؤوس الأموال الأجنبية. لكن الحركة الاحتجاجية المرتبطة بالبطالة تعتبر ضعيفة قياساً للحركات الاحتجاجية النقابية التي تقودها النقابات لتحسين أوضاع العمال”.

وأثبتت النقابات التونسية قوتها في المشهد التونسي مع حصول “الاتحاد العام التونسي للشغل” على جائزة نوبل للسلام لعام 2015، كأحد مكوّنات الرباعي الراعي لحوار وطني أوجد حلولاً للأزمة السياسية العميقة بين حركة النهضة وحلفائها وبين معارضيها.

من أين هذا الزخم؟

برأي الصحافي التونسي محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع “حقائق أون لاين”، فإن “تنامي ظاهرة الاحتجاجات في تونس خاصة بعد الثورة مردّه إلى ربيع الحريات الذي عرفته البلاد بعد سقوط منظومة الاستبداد التي سقطت معها جدران جمهورية الخوف”.

وأشار اليوسفي لموقع (إرفع صوتك) إلى إحباط الشباب التونسيين، بسبب “عجز الطبقة السياسية عن معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية”.

ولفت إلى أن لهذه المشاكل “أسباب هيكلية عميقة ومتشعبة تتطلب فترة غير قصيرة من الزمن من أجل إيجاد حلول جذرية لها على غرار معضلة البطالة والتنمية في المحافظات” المهمّشة.

وعانت تونس من عدم استقرار سياسي بعد ثورة 2011 وتعددت الحكومات التي تعاقبت على السلطة.

وعقّد من عملية الانتقال السياسي الإرهاب الذي تسلل إلى البلاد بعد الثورة والذي “مسّ قطاعات حسّاسة في الاقتصاد الوطني مثل السياحة التي تعدّ شريان هذا الاقتصاد”، قال اليوسفي.

ومما يُحدث الفارق بين تونس ودول أخرى، برأي نظيف، أن “البطالة عندما تطال شباباً ذوي تكوين جامعي، تفرز قطعاً حركات نقابية واجتماعية قوية في الشارع. فالوضع في تونس لم يكن أسوأ من بعض الدول العربية ولكن الوعي كان أكثر عمقاً والحركات الاجتماعية كانت أكثر تنظيماً وقوةً”.

هل من أفق؟

بحسب تقدير نظيف، “ستسير الحركات الاحتجاجية نحو مزيد من التنامي بعد قرار الحكومة التونسية وقف التوظيف في القطاع العام بطلب من صندوق النقد الدولي، كشرط لمنحها قرضاً. ومن طبيعة التونسي أنه يرغب في العمل بالقطاع العام الذي يحقّق له الأمان الوظيفي”.

واعتبر أن “تعثّر النمو الاقتصادي والوضع الأمني والإرهاب لا يخلقان بيئة أعمال مناسبة لاستيعاب آلاف العاطلين وكذلك تردّي الوضع في الجارة ليبيا التي كانت سابقاً تستقبل اليد العاملة التونسية”.

آخر الاحتجاجات الشعبية الواسعة في تونس، اندلعت بعد مقتل الشاب رضا اليحياوي، 28 عاماً، صعقاً بالكهرباء، في 16 كانون الثاني/يناير، خلال تظاهرة في مدينة القصرين احتجاجاً على ما قيل أنه تلاعب بقوائم توظيف في القطاع العام.

وتشهد تونس فرض حالة الطوارئ منذ 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، عندما استهدف تنظيم داعش حافلة تقل عناصر من الأمن المركزي.

والآن، يعتبر البعض أن الوضع الأمني لم يعد يستدعي فرض الطوارئ. ويرجّح المحلل طارق بالحاج أن يكون “تنامي الاحتقان الاجتماعي الناجم عن ارتفاع معدّلات البطالة، وتدهور وضعية الطبقة المتوسطة وتردّي الظروف المعيشية، والهشاشة السياسية” وراء استمرار العمل بحالة الطوارئ.

الصورة: جانب من الاحتجاجات في القصرين في كانون الثاني/يناير 2015/وكالة الصحافة الفرنسية

يمكنكم التواصل معنا وإرسال الفيديوهات والصور لموقعنا عبر تطبيق “واتساب” على الرقم 0012022773659

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.