على الترتيب من اليمين إلى اليسار: غيث التميمي، أسعد الناصري، حسين ناجي
على الترتيب من اليمين إلى اليسار: غيث التميمي، أسعد الناصري، حسين ناجي

لا يبدو انتقاد مواقف التيّار الصّدري أو زعيمه مقتدى الصّدر، أمراً سهلاً، في العراق.

وأثبتت الأحداث في ساحات التظاهرات خلال الأسابيع الماضية التي تسير بالتوازي مع تغريدات وبيانات الزعيم الصّدري، أن الردّ من الأتباع المتعصّبين لزعيمهم وعقيدتهم ذو أشكال متعددة، يصل حد القتل.

في نفس الوقت، وعلى الرغم من حملات ومحاولات التشويه والترهيب والإسقاط للمتظاهرين والمتظاهرات من قبل أتباع التيار الصّدري، خرجت عديد الأصوات المحسوبة على التيّار، جهراً، وعبّرت عن نفسها سلمياً أمام الرأي الآخر الذي يُصر على منهج الإقصاء بحقهم.

 

 

 

 وواحد ممّن ظهر في مقاطع الفيديو أعلاه، تعرّض للتهديد وأُجبر -وفق نشطاء في مواقع التواصل- على تقديم اعتذاره أمام الكاميرا، فيما استغنى آخر عن قلادته التي تحمل صورة مقتدى الصّدر، برسم لخارطة العراق. 


ومن النشطاء البارزين الذين وجّهوا النقد للتيّار وزعيمه، أساتذة سابقون في الحوزة العلمية، ومعممّون أيضاً، تعرّضوا جميعهم لهجمات منظمة، سواء بشكل مباشر من مقتدى الصّدر نفسه أو من أتباعه المتعصّبين، هم: أسعد الناصري وحسين علي ناجي وغيث التميمي. 

ولدى كل من الناصري وناجي (المعروف بـ حسين تقريباً) والتميمي عشرات الآلاف من المتابعين في مواقع التواصل، وينشطون في دعم المتظاهرين ميدانياً وإعلامياً.

وفي حوار هاتفي لـ"ارفع صوتك" مع الثلاثة، أوضحوا علاقتهم التي باتت من الماضي، مع التيّار الصّدري، ودورهم في الاحتجاجات منذ بدايتها، وأيضاً الأسباب وراء مواقفهم من التيّار وزعيمه وأتباعهما أيضاً.

"لم أكن عضواً أو أتقاض راتباً"

في 25 يناير الماضي، صدر بيان عن مكتب مقتدى الصّدر، ونُشر في موقعه الرسمي، يقضي بـ"تجميد" الأستاذ أسعد الناصري، والسبب وفق ما جاء فيه "التجاوزات الصادة من الناصري وتصريحاته في مواقع التواصل الاجتماعي بخصوص الأحداث الأخيرة".

ودعا البيان الناصري لـ"ترك ثوار محافظة الناصرية وعدم التدخل بتقرير مصيرهم لا سلباً ولا إيجاباً" أما إذا كان "مضطراً لتغيير أفكاره فلا داعي للتمسك بارتدائه العمّة الشريفة ولا دخل للخط الصّدري بأفكاره". 

البيان من مصدره الأصلي: الموقع الإلكتروني لمكتب مقتدى الصدر

في اليوم التالي، غيّر الناصري صورته الشخصية في مواقع التواصل من دون العمامة، كتب عليها "سأخلع العمامة حباً بالعراق والناصرية والثائرين. أنا مع العراقيين، كنت وما زلت وسأبقى. أرجو الاستعجال في تصفيتي لأنني اشتقت إلى الشهداء".

وبعد يومين، قرر النزول للمشاركة الميدانية، في ساحة الحبّوبي بالناصرية، وصار له خيمة هناك.

 

يقول الناصري (48 عاماً) لـ"ارفع صوتك" رداً على ذلك "كنت مقرباً من الشهيد السيد محمد الصّدر (والد مقتدى) وما زلت أعتبر نفسي كذلك، وإماماً بشكل غير منتظم لمسجد الكوفة بين الأعوام 2004 و2019، وقبلت ذلك بشرط أن أبقى مستقلاً، ولستُ عضواً رسمياً في التيار الصدري ولم أتقاض راتباً لقاء عملي في الإمامة، بالتالي فإن تجميدي من قبل المكتب لا معنى له".

"كنتُ محسوباً على التيار الصّدري، صحيح، لكنّي غير مرتبط به بصفة رسمية" يقول الناصري، مضيفاً "ومنذ عامين أنا بعيد عن العمل مع التيّار بحكم دراستي، ولم أخطب في مسجد الكوفة (تابع للصّدر) منذ تسعة شهور". 

إذن لماذا هذا البيان بحقك؟ يقول الناصري "كان نوعاً من التسقيط لا التجميد".

وماذا عن الخطبة القديمة التي تم تداولها لك وأنت تمدح مقتدى الصّدر فيها بشكل شبه متطرّف واستُخدمت ضدك؟ يجيب الناصري: "هذه الخطبة تجاوز عمرها 10 سنوات، ولها سياقها الزماني والتاريخي الخاص بها، حيث شُنّت هجمة ضد التيار من قبل فصائل مسلّحة وإيران بسبب مقاومته، فقمت بتشخيص الموقف فقهياً، لكن الآراء تتغيّر مع مرور الزمن حسب الظروف، فلا هي مقدّسة ولا التيّار مقدّس".

ولا يكتب الناصري في حساباته بمواقع التواصل حين تطرقه للأحزاب الفاسدة أو المعممّين الفاسدين، اسم التيار الصدري أو مقتدى بشكل علني، إلا أن متابعيه يفهمون عادة أنّه يقصدهم.

هل تقصدهم بالفعل، ولماذا لا تكتب بالأسماء؟ يقول الناصري لـ"ارفع صوتك": "أنا أعيش في العراق، لا أملك مطلق الحريّة مقارنة بمن يعيشون خارجه، وحتى لو لم أكتب عنهم بالاسم فهم على رأس القائمة من الأحزاب والمليشيات التي أوجّه لها انتقاداتي".

ويرى الناصري أن التيّار الصدري تمّ "توريطه" من قبل إيران بعد اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، ليقوم بعدّة أمور بخصوص التظاهرات وتشكيل الحكومة، وهو استجاب بالفعل.

ومن جملة هذه الأمور، يقول الناصري "دعم محمد توفيق علاوي واعتباره مرشّح الشعب رغم أن المتظاهرين يقولون غير ذلك، وقمع الانتفاضة وتطهير الساحات (حسب تعبير الصدريين)" مستدركاً "لكنّ الثورة أكبر من الجميع".

يتابع الناصري القول "في بداية الحراك أراد التيار الصدري ركوب الموجة، وتبنّي جميع التحركات، لكن الأحداث الأخيرة أحبطت مساعيه، والمتظاهرون أعلنوا رفضهم مرارا وتكرارا لتدخله ورفعوا الشعارات المناوئة له".

هذا كلّه تسبب بـ"هستيريا كبيرة لمقتدى الصدر" على حد تعبير الناصري، مضيفاً "لينتقل بعدها إلى المرحلة الثانية، وهي تشويه المتظاهرين ونعتهم بالجوكرية وبأنهم مندسّون ويتحركون بإيعاز السفارات".

"خرجت مع سرايا السلام"

منشورات حسين ناجي لم ترض الصدريين أيضاً، وأعيد نشر صور قديمة له يتقدّم بعمامته مسيرة لسرايا السلام (الذراع المسلّح للتيار الصدري)، بقصد "تشويهه" بالنسبة للمتظاهرين وأتباع الصدر على حد سواء.

وفي 8 فبراير الجاري، نشر حسين الصورة مرفقة بالتوضيح.

يقول ناجي (27 عاماً) الذي درّس علوم الفلسفة والمنطق في الحوزة العلمية بمدينة واسط، لـ"ارفع صوتك": "في 2014، حين انهارت المحافظات الثلاثة (الأنبار وصلاح الدين ونينوى)، وصدرت فتوى الجهاد الكفائي من السيد علي السيستاني في النجف، بدأنا كطلاب حوزة ومعمّمين نقوم بدورنا في رفع المعنويات وإعادة العزيمة للجيش العراقي والقوات المسلحة مع دخول داعش، و تحشيد الهمّة، حيث طغى شعور بالانكسار، فخرجت في هذا الاستعراض العسكري مرتدياً العمامة الحوزية".

هل كنتَ صدرياً؟ يجيب ناجي: "لا أعتبر أنني كنت صدرياً، فلا انتماء رسمي لي بهم واسمي غير موجود في مكتب السيد الشهيد الصدر ولا في سرايا السلام. أنا فقط أسهمت في التشجيع والتحشيد ورفع همة القوات المسلحة والشباب الذين شاركوا في القتال ضد داعش".

ويضيف ناجي لـ"ارفع صوتك": "وحوزوياً أيضاً، أنا لم أدرس في حوزة تابعة للتيار الصدري، درست في حوزات علمية أخرى في واسط والنجف، كما لم يدرسني أي أستاذ صدري ولا درست في مكان تابع لهم".

"صحيح حضرت أكثر من مرة صلوات جمعة في مساجد الصدريين، ولدي الكثير من الأصدقاء الصدريين ولدي علاقات طيبة جداً بهم، لكن بطبيعة الحال الكثير من الشباب العراقي منتمٍ للتيار، وأي من ذلك لا يجعلني صدرياً" يقول ناجي.

وهنا بعض من الهجوم الذي تعرّض لها ناجي، المقيم حالياً في إسطنبول التركية بسبب خطورة البقاء في بغداد ضمن الظروف الحالية. 

 

 

وعن موقفه من مقتدى الصدر، يقول ناجي: "تغريدات ومواقف الصّدر خاطئة جداً من وجهة نظري ووجهة نظر الكثيرين، لذلك قمت بشن هجمة عليه".

ويتابع الحديث: "مثلاً هو نسب تنصيب محمد علاوي للشعب وهذا خطأ، وكلنا شاهدنا قبل وبعد تنصيب علاوي رئيساً للوزراء مسيرات حاشدة للمتظاهرين في مختلف المحافظات ينادون برفضه، فعلى أي أساس وضع مسؤولية انتخاب وحكم علاوي على عاتق المتظاهرين".

"وكذلك تغريداته اللي بدت ضد التظاهرات بشكل واضح، وتصريحاته ومواقفه وانسحابه ورجوعه أي حالة التخبّط التي وقع فيها، فلا هي مناورة سياسية ولا هي ذكاء سياسي"، يقول ناجي.

ويرى أن الصّدر يريد من خلال كل ما فعله ويفعله أن "يحوز على جميع المواقع، يريد أن يكون الحاكم والثائر والمتظاهر والمعارض"، مضيفاً "وهذا غير ممكن إطلاقاً".

أما السبب الذي دعا ناجي لهذا الهجوم الحاد على الصّدر، فهو "شعوره بأنه يجب ألا يسكت أو يترك نصرة الشباب أو التخلّي عن المتظاهرين، الذين يتعرضون لمختلف أنواع التهم وتشويه السّمعة من جهات صدرية، بدأت تتحدث من وجهة نظر الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر".

وأيضاً "ظهر صدريون في فيديوهات يهددّون بالبطة وهي سيارة ذات تاريخ سيء مع العراقيين (كانت تستخدم في عمليات خطف وقتل خصوم الصّدر)" حسب ناجي.

"تركته منذ 2005"

15 عاماً بعد تركه التيّار الصّدري، وإقامته في العاصمة البريطانية لندن، وعمله بعيداً عنه، إلا أن الكاتب والباحث غيث التميمي، وهو عضو في تيار "مواطنيّون"، لا يزال يعاني من آثار عداوة التيّار الصدري له، والسبب انتقاداته لعمل ومواقف التيار.

يقول التميمي لـ"ارفع صوتك": "تركت التيار الصّدري، بسبب تحوّله التدريجي وغير المنظم إلى حزب سياسي بعد سقوط نظام صدام حسين، حيث تم تشكيل كتلة سياسية وحملات دعائية وانتخابية".

ويؤكد أنه سافر للعراق من أجل المشاركة في التظاهرات، إلا أن الحملة التحريضية ضده من قبل التيار الصدري ممثلاً بزعيمه وأتباعه، من خلال تعليق صورته في مبنى المطعم التركي مع الطعن فيه والدوس على صوره أيضاً، ومنعه بشكل رسمي من دخول مطار بغداد أو السفر برياً "بتبليغه رسمياً" حسب تعبيره، كل هذا جعله يكتفي بالإقامة في كردستان.

ويشارك التميمي (39 عاماً) في التظاهرات من خلال أعضاء في "تنسيقة مواطنيّون" المتواجدة في ساحة التحرير، يقول "تعرّض عناصرها للاعتداء والضرب ومنهم شاب اسمه أمير نصر، وهو طالب ماجستير، اعتُقل وحوكم بتهمة تعاطي المخدرات".  

يقول التميمي "تعرضت للتهديد العلني، بالقول تارة (لا مكان لك في العراق) وبإذاعة بيان في ساحة التحرير ضدّي يصفني بأنّي أحمل أجندة إسرائيلية وأميركية وبريطانية، كما شاركت وكالات وقنوات إعلامية عراقية محسوبة على أحزاب موالية لإيران وأخرى إيرانية تابعة للحرس الثوري الإيراني".

 

ويرى التميمي أن هناك العديد من المؤشرات اليوم على ضعف وتراجع شعبية التيار الصدري وزعيمه، خصوصاً بعد استخدامه العنف بحق المتظاهرين.

يقول "جماهير التيار الصدري غالبيتهم من الفقراء والمسحوقين سكان العشوائيات، خرج الآلاف منهم في التظاهرات مطالبين بحياة كريمة مع باقي المتظاهرين، ضد الفساد وحكم المليشيات، لكن التيار بشكل رسمي لم يكن داعماً، حتى اكتشف مشاركة جمهوره، فقرر على أثره المشاركه خوفاً من خسارته".

ويتابع التميمي: "جماهيره عقائدية، لها ولاء كبير لمقتدى، وشكل دعمه لهم حافزاً ليعملوا في ساحات التظاهر ويبرزوا الصّدر كقائد للتظاهرات، وهو ما رفضه بقية المتظاهرين المستقلين، ما جعله يستخدم العنف والقسوة ثم النأي عن المطالب الأساسية للتظاهرات بمليونية تطالب بخروج القوات الأميركية من العراق".

لاحقاً قرر الصّدر سحب أتباعه من ميادين التظاهر، معتقداً أنه بذلك يُضعف التظاهرات، حسب التميمي، مضيفاً "إلا أن المتظاهرين عادوا وبقوة أكبر للساحات، ورفعوا شعارات مناوئة له ولموافقه، ليقرر العودة واللعب على الوتر الديني والاجتماعي بتوجيه الاتهامات للفتيات المشاركات بأنهن يعملن في (الدعارة) وترويج الشائعات والأكاذيب عنهن وعن الشبان بأنهم يتعاطون المخدرات والخمر".

نزع العمامة؟

يقول الصحافي حسين ناجي، الذي ترك تدريس الفلسفة والمنطق منذ سنوات في الحوزة، إنه يرى نفسه من دون العمامة أقرب للشباب، ولم يرتدها منذ خمسة أعوام تقريباً. 

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "كنت أرتديها في المدرسة الدينية وأثناء التدريس في الحوزة وفي شهري محرّم ورمضان، لكن بعض انقطاع علاقتي بالحضور للحوزة والاتجاه نحو الصحافية لم يعد عندي مكان لها، أفضّل شكلي من دونها".

في نفس السياق، يقول الأستاذ الحوزوي أسعد الناصري "صحيح أنني خلعتها لسبب سياسي إلا أنني لن أعود إليها دينياً أيضاً، وأشعر أنني أقرب للناس من دونها، وباتت العمامة تزعجهم أساسا بسبب تصرفات بعض المعممين الذين أساؤوا لها، حتى أنا شخصياً أختنق منها".

والجدير ذكره أن العمامة الحوزوية أو "العمّة الشريفة" حسبما أسماها مكتب الصدر في بيانه السابق، لا يرتديها أي شخص، إذ تتطلب اجتياز مراحل علمية معينة كي ينالها صاحبها باستحقاق. 

"تحريض ابني ضدّي"

يواظب الناصري على نشر صوره مع ابنه أحمد في التظاهرات، وكتب برفقة صورة لأحمد وحده "هذا الشاب الثائر ابني أحمد تحمّل الكثير من الطعن والتجاوزات التي يقوم بها بعض (المتدينين الإسلاميين المتورعين الشيعة) وتهمته أنه ساند الثورة ولم يكن كالعبيد، حتى وصل الأمر إلى تهديده مراراً! إلى أي مستوى من الأحقاد والكراهية والجهل والتخلف وصل هؤلاء؟! ماذا يريدون بالعراق وأهله؟!!".

ما يوحي بأن التهديدات تجاوزت الناصري لعائلته، يقول "الضغط كبير جداً وصعب جدا، لكن الوطن يستحق أن نقدم له ما نملك إما بالكلام أو الواقع، وما يجعلني أصر على موقفي هو الهدف السامي لهذه الانتفاضة، وذهبت إليها بخياراي واختياري، كما أن عائلتي متفهمة".

ويضيف "ابني أحمد معي دوماً، وتصدّى للتحريض ضدّي عبر مراسلة بينه وصالح محمد العراقي (حساب تابع لمقتدى الصّدر)، الذي بعث له برسائل يعبر فيها عن انزعاجه من منشوراتي، ثم علّق على منشور لديه وحذفه لاحقاً بعد أن رد عليه أحمد بصورة معي، كتب فيها صالح (نتمنى لك الثبات) أي الابتعاد عني".

ناجي أيضاً تعرّض للتهديدات بالإضافة لحملات تشويه وربطه بأجندات خارجية، يقول لـ"ارفع صوتك": "لم أسلم من ألسنة الصدريين بما فيهم أصدقائي الذين ألقوا علي الشتائم والتهم، وشاركوا في حملة تسقيط ضدي".

ويتابع القول "تم توجيه تهديدات كبيرة، سواء من مناصرين للتيار الصدري وكتابة منشورات تهديدات من قبل شباب صدريين، ورأيت ذلك في التعليقات أيضاً، طبعاً هي مستمرة منذ أكتوبر حتى اليوم".

وعن موقفه حيال ذلك، يقول ناجي "لا أرد على التعليقات، الناس ينفعلون ويشتمون، هذا طبيعي، لكن مشكلتي الرئيسة مع القيادات والسياسات والقرارات السياسية التي تنبثق عنها ، أنا لا أشتم أو أسيء أو أعتدي".

الصدر والصدريّون...

يقول الكاتب غيث التميمي "يمكن أن يحاول مقتدى وأعوانه وموالوه الاستمرار في محاولة قمع الاحتجاجات، لكنها احتجاجات حقيقية ومطلبية وتعبّر عن هم جامع للعراقيين، لا يمكن إنهاؤها".

ويرى أن تيار الصدر "عقائدي متطرّف، وبما أن أغلبية التابعين له من الطبقة المسحوقة وغير المتعلمة، كان من السهل على الصّدر أن يجيّشهم من خلال الألفاظ التي يخافونها مثل الإلحاد وشرب الخمر والعلمانية والمثلية، وهذه الأمور تمثل لتلك المجتمعات استباحة للقيم، والحريّات بالنسبة لهم تمثّل الإباحية".

أما المتعلّمون وأنصاف المتعلّمين من الشباب أتباع التيار الصدري، فقد باتوا يفهمون أن مقتدى الصّدر "مساوم ومجرم بات موقفه ضعيفاً جداً". 

في نفس السياق، يقول الصحافي حسين ناجي إن على الشباب الصّدري فهم حقيقة أن "قائدهم الذي يملك أكثر من 50 نائباً في البرلمان، هو أحد الحكام لهذا البلد وأحد المتسببين في تردّي الوضع السياسي والأمني والاقتصادي".

مؤكداً "نحن نريد وطناً فإما أن يفهموا (الصدريون) أو سيتحولون لسلاح بيد السلطة الحاكمة في وجوهنا، ومنذ اليوم الأول رفع الشباب شعار وهو آية قرآنية (لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي لأقتلك) وسنبقى سلميين مهما حصل".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.