حقوق وحريات

الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي أسوأ ملفات الحرب في اليمن

غمدان الدقيمي
09 يوليو 2020

ظاهرة الاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي والتعذيب التي تطال المدنيين ليست جديدة على المجتمع اليمني، لكن الحرب المستمرة هناك منذ أكثر من خمس سنوات كشفت القناع عن تسابق أطراف النزاع لممارستها بكثافة وبشاعة.

فنحو 1605 واقعة احتجاز تعسفي، و770 واقعة اختفاء قسري، و344 واقعة تعذيب، منها 66 واقعة وفاة في أماكن الاحتجاز غير الرسمية لدى مختلف أطراف النزاع في اليمن خلال الفترة مايو 2016 وأبريل 2020، سجلتها منظمة "مواطنة" المعنية بحقوق الإنسان (منظمة مدنية محلية).

ولا يزال مصير العديد من المخفيين قسرا والمحتجزين بشكل تعسفي مجهولا.

وتعيش عائلات هؤلاء المفقودين في دوامة من القلق والشك، وينفق أفرادها مدخراتهم لمعرفة مكان احتجازهم أو حتى إذا ما زالوا على قيد الحياة.

وعندما يُعرف مكان معتقل، لا تستطيع أسرته الوصول إليه.

يتفشى في تلك المعتقلات سوء المعاملة والظروف السيئة. والإجراءات القانونية محدودة، رغم سعي المحامين والنشطاء إلى التدخل.

لا يتلقون رعاية طبية

في معظم الحالات لم تكن التهم الموجهة للضحايا واضحة وفي أوقات كان اللقب سبب كاف للاعتقال في معتقلات غير قانونية يتم فيها إهانة المحتجزين وتعذيبهم بطرق وأدوات مختلفة وحتى قتلهم بطرق تتعارض مع القوانين والأعراف الدولية، بحسب شهادات حصلت عليها منظمة "مواطنة"، ووثقتها في تقريرها المعنون بـ "في العتمة: وقائع الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب في مراكز الاحتجاز غير الرسمية في اليمن".

وبعض الضحايا استُهدفوا فقط بسبب انتماءاتهم السياسية أو الدينية أو المهنية أو لنشاطهم السلمي.

تقول زوجة رجل عمره 37 عاما، يُحتجز تعسفا في "بئر أحمد" بعدن منذ يناير 2018، إنّ مسلّحين في زي "قوات الحزام الأمني" المدعومة من الإمارات اعتقلوا زوجها من منزله من دون أيّ تبرير.

وأضافت أنّه، خلال زيارتها الأخيرة إلى مركز الاحتجاز في أبريل الماضي، "بدا شاحبا، وتظهر في أماكن كثيرة من جسده علامات مرض جلدي خطير. كان أيضا يشعر بألم في كليته، ولم يكن يتلقّى أي رعاية طبية".

ويحرم الأفراد الذين يتم احتجازهم من حقوقهم الأساسية، وتم القبض عليهم دون أمر قضائي، وخضعوا للاحتجاز دون سبب محدد، ومنعوا من الحق في المثول أمام قاضي، أو استشارة محام، أو الطعن في احتجازهم. وخضع بعضهم لمحاكمات شكلية، لا ترقى إلى مستوى العدالة.

الحوثيون برأس القائمة

تحدث تقرير "مواطنة" في جزئه الأول عن وجود 11 مركز غير رسمي مورس فيها حالات احتجاز تعسفي وتعذيب.

فيما سلط الجزء الثاني من التقرير الضوء على وقائع الاختفاء القسري في المناطق التي تقع تحت سيطرة ثلاثة أطراف رئيسية: جماعة الحوثيين، القوات الموالية للرئيس هادي والمحسوبة على حزب تجمع الإصلاح في مأرب وتعز، والقوات الإماراتية والقوات الموالية للإمارات كالمجلس الانتقالي الجنوبي.

وبحسب التقرير الحقوقي، سجلت جماعة الحوثيون أعلى عدد من الانتهاكات بلغت 904 واقعة من الاحتجازات التعسفية أو المسيئة، و353 من وقائع الاختفاء القسري، و138 من وقائع التعذيب منها 27 واقعة وفاة في مكان الاحتجاز.

بينما تتحمل الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا المسؤولية عن 282 من الاحتجازات التعسفية أو المسيئة، و90 من وقائع الاختفاء القسري، و65 من وقائع التعذيب منها 14 واقعة وفاة في مكان الاحتجاز.

وتتحمل القوات الإماراتية وجماعات مسلحة تابعة لها المسؤولية عن 419 من الاحتجازات التعسفية أو المسيئة، و327 من وقائع الاختفاء القسري، و141 من وقائع التعذيب منها 25 واقعة وفاة في مكان الاحتجاز.

أقسى أنواع الانتهاكات

بدوره يقول عبد الرشيد الفقيه، وهو المدير التنفيذي لمنظمة "مواطنة"، إن "وقائع الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب من أسوأ ملفات الحرب في اليمن بتأثيره الكبير على المجتمع. ملف الاحتجازات التعسفية من أقسى أنواع الانتهاكات التي يجب أن تنتهي فورا لأنها جريمة ضد الإنسانية".

يضيف في حديث لموقع (ارفع صوتك) أن غياب المساءلة والإنصاف يظهر جلياً في القسوة المفرطة التي تتعامل بها جميع أطراف النزاع مع المحتجزين في اليمن.

ويوضح أن منظمته، ساهمت في الإفراج عن مئات المحتجزين في مختلف المناطق لدى جميع الأطراف وإيصال آخرين بأهاليهم، ولا تزال تعمل من أجل الإفراج عن بقية من المحتجزين لدى مختلف الأطراف في 17 محافظة يمنية من أصل 22 محافظة.

ويتابع الفقيه "لا زلنا نتطلع إلى خطوات أخرى في الاتجاه الصحيح من قبل كافة الأطراف بتسريع الإفراج عن جميع المحتجزين، خصوصا في ظل التهديدات الجدية لانتشار كوفيد 19، حيث تواجههم مخاطر حقيقية على حياتهم".

ويفتقر المحتجزين في مراكز الاحتجاز غير الرسمية كما هو حال السجناء في السجون الرسمية إلى كمامات، وقفازات، ومنتجات النظافة الشخصية اللازمة لحماية أنفسهم من فيروس كورونا، وإلى خدمات الرعاية الصحية الأساسية.

وطالب عبد الرشيد الفقيه المجتمع الدولي بالضغط على جميع الأطراف لإنهاء هذه الممارسات والإفراج عن جميع المحتجزين وتنفيذ اتفاقية التبادل التي رعتها الأمم المتحدة.

غمدان الدقيمي

مواضيع ذات صلة:

بشار الأسد السعودية

حمل زلزال فبراير 2023 تطوراً لافتاً في الملف السوري حين تحول إيصال المساعدات الإنسانية إلى مناطق النظام السوري إلى نافذة لعدد من الدول العربية لإعادة العلاقات مع بشار الأسد ودعوته لحضور اجتماع القمة العربية في الرياض، بعد 12 عاماً على طرده من الجامعة العربية.

منذ ذاك الحين، عملت منظّمات وناشطون سوريون في الولايات المتحدة على الدفع باتجاه استصدار قانون لمناهضة التطبيع مع النظام  السوري باعتباره مسؤولا عن مقتل وتهجير ملايين السوريين خلال الحرب المستمرة منذ 2011.

الخطوة الأولى باتجاه هذا الهدف بدأت فعلياً مع إقرار مجلس النواب الأميركي مشروع "قانون مناهضة التطبيع مع نظام بشار الأسد" بأغلبيّة ساحقة من الأصوات بلغت 389 صوتاً مقابل اعتراض 32 نائباً، بينما لا تزال خطوتان أمام المشروع ليصبح نافذاً، أولاهما إقرار مجلس الشيوخ له، ثم توقيع الرئيس الأميركي.

يقول المُعارضون السوريون الذين يعوّلون على فعالية هذا القانون إنه يكمل مهمّة "قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين"، الذي بدأ سريان أولى حزمة من عقوباته في يونيو 2020.

ويعتقدون أنه كفيل بنسف جهود روسيا وإيران في إعادة إنتاج نظام بشار الأسد بعد 13 عاماً من الحرب، وبقاء هذا النظام في حالة عزلةٍ دولية تامّة إلى حين قبوله بحلّ سياسيّ عادل ودائم.

في المقابل، يميل آخرون إلى أن القانون الجديد لن يشكّل أي تطوّر سياسي للقضية السورية.

ويقول الدبلوماسي السوري السابق المقيم في الولايات المتحدة، بسام بربندي، لـ"ارفع صوتك"، إن أهمية هذا القانون الحقيقية "تكمن في أنه يُعيد الملف السوري إلى الواجهة أمام المجتمع الدولي بعد عدة سنوات من إهماله".

ويعتقد أن عواقبه ستكون "أكبر على المستوى الاقتصادي، إذ يعيق القانون تقديم الرشاوى السياسية للنظام السوري تحت اسم مساعدات إنسانية أو إنعاش مبكّر".

ويتابع: "العقوبات المُدرَجة تحت قانون قيصر غطّت معظم الجوانب الاقتصادية أصلاً منذ عام 2020، فالولايات المتحدة قادرة كدولة عظمى أن تمنع الدول أو الشركات أو المصارف التي تدعم الأسد من التعامل معه اقتصادياً أو سياسياً".

من جهته، يرى رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان، مهند الحسيني، أن القانون "خطوة مهمة على طريق عزل النظام السوري ومنع إعادة تأهيله، لا سيما من الأنظمة العربية الراعية للثورات المضادّة".

لكن في الوقت نفسه، لا يثق الحسيني  إلى حد بعيد "بقدرة قوانين العقوبات الاقتصادية على تغيير الأنظمة التوليتارية المستبدة".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن "الولايات المتحدة فرضت -على سبيل المثال- عقوبات اقتصادية مشدّدة على كوبا لمدة تزيد على 70 سنة بينما كانت النتيجة هناك انتقال السلطة من فيديل كاسترو إلى شقيقه راؤول كاسترو"، في إشارة إلى عدم جدوى هذا القانون في تحقيق أهداف واشنطن بسوريا.

ويعتقد أن النظام السوري "بطبيعة الحال" لديه  آلياته وأساليبه لمواجهة أي عزلة سياسية أو عقوبات اقتصادية، ويتمثّل ذلك في "تجارة المخدرات وإغراق الأسواق وحواضن الدول المحيطة بالمواد السامة المخدرة كآلية ضغط عليهم من جهة، ولتمويل مشروعاته من جهة ثانية".

دول عربية ضده

باعتبار أن مشروع القانون لا يستهدف فقط النظام السوري من حيث المبدأ، إنما أيضاً الدول المُطبّعة معه، كان لافتاً في هذا المسار ما نقله مسؤول السياسات في التحالف الأميركي لأجل سوريا، محمد علاء غان الذي تحدث عن مساعٍ قادتها دول عربية لتعطيل القانون.

وقال غانم، بحسب "تلفزيون سوريا"، إن تلك الدول اتصلت بأعضاء الكونغرس الأميركي وطلبت منهم إيقاف مشروع القانون، مشيراً إلى أن وزير خارجية إحدى الدول العربية حضر اجتماعاً مع أعضاء في الكونغرس في واشنطن لمدة 60 دقيقة خصص ثلثها لإقناعهم بالطعن بمشروع القانون.

تعليقاً على ذلك، يقول المدير التنفيذي للمنظمة السورية للطوارئ، معاذ مصطفى، إن الدول التي تحاول إيقاف مشروع القانون "ربما ليست مقتنعة تماماً بنظام بشار الأسد وليست مهتمة بالتطبيع معه، إنما يُفسّر الأمر بأن النظام السوري استطاع الضغط عليها  من خلال ملف تصدير الكبتاغون وتسليط سلاح الميليشيات الإيرانية المتحالفة معه".

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن أي اعتقاد من هذه الدول بإمكانية إعادة إنتاج النظام السوري "هو اعتقاد خاطئ تماماً" بعد كمية الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها خلال 13 عاماً.

ويرى مصطفى أن الولايات المتحدة من خلال هذا القانون لم تقم فقط بإغلاق باب تطبيعها مع النظام السوري أو الاعتراف به، إنما ستقوم أيضاً "بمحاسبة الدول والشركات والأفراد التي تطبّع أو تتعامل معه  عبر العقوبات الاقتصادية.

"هذا القانون يعطي رسالة قوية وواضحة بأن بشار الأسد لن يكون موجوداً في مستقبل سوريا بشكل قطعي"، يؤكد مصطفى.