حلا سفيل، الصورة من حسابها في فيسبوك، تُنشر بإذنها
حلا سفيل، الصورة من حسابها في فيسبوك، تُنشر بإذنها

"الحكومة العراقية حتى اليوم لم تَقُم بواجبها تجاهنا، والحقيقة أنها لا تبالي بهذه الإبادة وهذا الواقع، وكأننا لسنا جزءاً من هذا البلد، فأبسط الخطوات لم تُؤخذ لحد الآن. والحقيقة أن دول العالم تهتم بملف إبادتنا وقضيتنا أكثر من الحكومة العراقية، بل إن حكومتنا تستمر بالإهمال تجاه هذه القضية".

كانت هذه الكلمات جزءاً من خطاب الناشطة الأيزيدية في التوعية بقضايا المختطفين/ات، حلا سفيل، في مؤتمر "اليوم الإسلامي لمناهضة العنف ضد المرأة" المنعقد أواخر سبتمبر 2019 في العاصمة بغداد.

حلا سفيل قبل إلقاء كلمتها، في مؤتمر مناهضة العنف ضد المرأة، بغداد 2019

وإن كانت فعاليات هذا المؤتمر تقام في العراق فقط، وتركيزها على حياة النساء في العراق فقط، وانعقد 12 مرة طيلة السنوات الـ12 الماضية، إلا أن واقع المرأة في البلاد، لم يشهد تغييراً لافتاً من ناحية التشريعات ومنح الحقوق المدنية والقانونية الواردة في الدستور.

والأمر جليّ، لدرجة إشارة رئيس الوزراء نفسه مصطفى الكاظمي، في خطابة أمام حضور المؤتمر، سبتمبر الماضي 2020،  حيث قال "المرأة نصف المجتمع في الشعر والكلمات الرنانة لكنها ليست كذلك في المنزل".

 

 

والنساء كناشطات وعضوات منظمات حقوقية محلية ودولية، إلى جانب الرجال الداعمين لتشريع القوانين المنصفة، يبذلن/ون معاً أقصى الجهود لانتزاع الحقوق المسلوبة في دولة تحكمها المليشيات، ومثاله حلا، التي حررت نفسها بنفسها من براثن داعش، بعد محاولات عديدة للهرب.

 

 

ملخص الحراك المدني في العراق لصالح تشريع قانون مناهضة العنف الأسري

وفي اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة، المحتفى به عالمياً، نحاور حلا عبر تسجيلات "واتساب"، التي طالبت في تقرير سابق لـ"ارفع صوتك" بتمكين الناجيات اقتصادياً.

وبعد سنة على هذا التقرير، لا تزال في مكانها، كعاملة تنظيفات في مركز صحي داخل سنجار، وه, مصدر دخلها الوحيد، للإنفاق على نفسها وما بقي من عائلتها. 

 

كل أنواع التعنيف!

عاشت حلا ثلاث سنوات في معاقل داعش بعد خطفها مع عائلتها قريباً من سنجار، عام 2014، وفي تلك السنوات تم بيعها وشراؤها أكثر من مرة، تعرّضت فيها للتعنيف الجسدي والجنسي والنفسي.

تقول لـ"ارفع صوتك": "تعرضت لكل أنواع التعنيف، الجسدي والجنسي والنفسي. تم بيعي وشرائي أكثر من مرة، واغتصابي، قتلوا أبي وإخوتي الخمسة".

وبعد محاولات هروب عديدة، نجحت حلا في نيل حريتها بنفسها، لتكرّس صوتها فيما بعد لإيصال صوت النساء المختطفات والناجيات وعوائلهم من قبضة داعش.

تقول حلا "نحن مظلومون جدا كأيزيديين، ونحاول بكل جهدنا لإيصال الصوت".

كان بإمكانها أن تتجه للعمل والحياة، محاولة تضميد جراحها، خصوصاً بعدما تلقت التأهيل النفسي المخصص للناجيات، وتحاول أن تنسى، لكنها لم تفعل ذلك.

"من خلال المؤتمرات ومواقع التواصل الاجتماعي، أريد إيصال صوت الأيزيديين وغير الأيزيديين من الأقليات في العراق، الذين تعرضوا للظلم، وأدافع عن حقوقي وحقوق غيري من النساء الأيزيديات" تقول حلا.

كما تعمل مع غيرها من الناشطات، على تشجيع الناجيات اللواتي تحررن  من داعش، بأن يتكلمن، لأن رواية قصصهن فيها كشف وتوثيق لجرائم التنظيم، "كي لا يتكرر الأمر مع الآخرين، فيتكرر العنف وتتكرر الإبادة" حسب تعبيرها.

وتشعر حلا بالامتنان لدعم العراقيين بشكل عام والأيزيديين خاصة، للناجيات بعد عودتهن إلى مناطقهن، تقول "صحيح أني فقدت أهلي، لكني أشعر أن اليزيدية كلهم أهلي، لأنهم يقفون معي ويشجعونني على الكلام وألا أصمت وألا أستسلم، لتسليط الضوء على ما عاشه الآلاف منّا".

وتلفت إلى انعكاس المعاناة التي مرت بها الأيزيديات على التقاليد العشائرية التي لم تعد مشددة كما السابق.

تقول حلا "تغير حالنا كثيرا، كان لا يمكننا الخروج أبعد من مناطقنا، لكننا الآن نخرج بحرية ومن دون خجل أو خوف، فمم نخاف ونحن شهدنا الأصعب؟ تعذيب واختطاف واغتصاب وفقد".

"مسؤوليتنا رفع الصوت والدفاع عن كل المظلومين" تؤكد حلا لـ "ارفع صوتك".

 

وبعد سنوات الخطف والحريّة؟

الواقع بالنسبة لحلا ما زال مؤلماً، تقول "الحكومة العراقية لم تفعل شيئاً لغاية الآن، والدليل على ذلك، أننا بعدما تحررنا ورأينا كل ذلك الظلم، ما زلنا نعيش في مخيمات منذ ثلاث سنوات، وغيري يعيش فيها منذ ست سنوات، نقضي أصعب الأيام في الحر والبرد".

وتقيم حلا  مع أخواتها في مخيم بيرسفي للنازحين في محافظة دهوك بإقليم كردستان.

"تحملنا كثيراً، وربما سنتحمّل المزيد من الصعوبات. لكي نحصّل مطالبنا" تقول حلا في نهاية حوارها مع "ارفع صوتك".

 

لا أدري من أين أبدأ و كيف أكتب و أسطر لكم و لكني سـأبدأء عن أسواء تاريخ في حياتي حيث بـتاريخ #3_أب_2014 ، فقدتُ كل ما...

Posted by Hala Safel on Friday, September 6, 2019

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.