حقوق وحريات

فيلسوف إيطالي: ماحصل في 2020 نهاية دولة القانون والديموقراطيات

29 ديسمبر 2020

قيّدت تدابير مكافحة وباء كورونا الحريات في العالم خلال 2020 وأضعفت المدافعين عنها في الدول الأقل ديموقراطية وسهلت إمكانية تحول دولة القانون الغربية إلى نموذج جديد أكثر تسلطا.

في مصر، الدولة "المعروفة بممارساتها السلطوية وتضييقها المجال السياسي والمواطني، منحت الجائحة للرئيس (عبد الفتاح السيسي) فرصة لسنّ وتطبيق قوانين قمعيّة عززت ممارسات سائدة"، وفق ما كتبت الباحثة حفصة حلاوة في تقرير للمركزين الفكريين الأميركي "المجلس الأطلسي" (أتلانتيك كاونسل) والإيطالي "معهد الدراسات السياسية الدولية".

كما منعت الحكومة في غينيا تنظيم التظاهرات حتى إشعار آخر متحججة بمكافحة فيروس كورونا المستجد.

وتم تنصيب ألفا كوندي رئيسا في منتصف كانون الأول/ ديسمبر لولاية ثالثة بحضور عشرات رؤساء الدول الأفريقية، بعد قمع مظاهرات المعارضة التي أودت بحياة العشرات منذ نهاية 2019.

وخلفت أعمال العنف التي قامت بها قوات الأمن والجيش العديد من القتلى في نيجيريا أثناء سريان التدابير الصحية.

في الوقت نفسه، في سنغافورة محت أنظمة التتبع بملاحقة المواطنين بشكل فردي بذريعة مكافحة الفيروس.

وأرجأت بوليفيا الانتخابات العامة لأشهر بسبب الوباء.

وفي فرنسا، بات المواطنون ملزمين ملأ استمارة حتى يتسنى لهم مغادرة منازلهم.

وقالت منظمة "انترناشيونال أيديا" غير الحكومية أنه بحلول نهاية تشرين الثاني/نوفمبر "تبنى أكثر من نصف دول العالم (61 بالمئة) تدابير لمكافحة كوفيد-19 تثير مخاوف إزاء الديموقراطية وحقوق الإنسان".

ولا يقتصر ذلك على دول غير ديموقراطية، إذ هناك مخاوف أيضا "على نطاق واسع نسبيا، في دول ديموقراطية".

سلطات إضافية

حذرت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه منذ نيسان/أبريل من أنه "نظرا للطبيعة الاستثنائية للأزمة، من الواضح أن الدول تحتاج إلى سلطات إضافية".

لكنها أضافت "في الوقت نفسه إن لم يتم احترام دولة القانون، هناك تهديد بأن تتحول حالة الطوارئ الصحية إلى كارثة على حقوق الإنسان".

وتقدر منظمة "فريدوم هاوس" الأميركية غير الحكومية أنه "منذ ظهور فيروس كورونا المستجد، تراجعت الظروف الديموقراطية وحقوق الإنسان في ثمانين دولة".

ودانت الحكومات التي استغلت الوضع لقمع منتقديها وتفكيك المنظمات التي تمارس رقابة عليها، على غرار حكومة سيريلانكا التي تمثل "نموذجا على نزوع عام".

وقال المحامي بافاني فونسيكا المتخصص في قضايا حقوق الإنسان في مركز البدائل السياسية الفكرة في العاصمة السريلانكية كولومبو، لوكالة الصحافة الفرنسية "رأينا في الأشهر الأخيرة كيف عزز الرئيس (السريلانكي غوتابايا رجاباكسا) سلطته".

وأضاف أن "ذلك جرى بذريعة الاستجابة للجائحة، لكن أيضا عبر تعديل دستوري وتعزيز السلطة التنفيذية وإضعاف السلطات المضادة".

وتبنت السلطات الصينية تدابير قمعيّة قاسية، ففرضت حجرا صارما في مناطق واسعة وعمليات فحص مكثّفة ورقابة عبر طائرات مسيّرة.

وأعلنت نجاحها في احتواء الفيروس، رغم أن احصائياتها ليست شفافة.

"حالة طوارئ دائمة"

لا يقتصر تأثير الوباء على الحريات في الدول ذات الأنظمة الاستبدادية أو غير الليبرالية بل إذ يمكن رصد انعكاساته في الديموقراطيات الليبرالية أيضا، ولكن بالتأكيد بدرجة أقل حدّة.

فتدابير مكافحة الفيروس تغير دولة القانون تدريجيا.

ويقول الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين أنه يمكن "تفسيرها على أنها عوارض وعلامات تجربة أوسع نطاقا، يقع في صلبها نموذج جديد لطريقة حكم البشر".

وحذر البرلمان الأوروبي في تشرين الثاني/ نوفمبر من أن "سلطات الطوارئ تنطوي على خطر إساءة استخدام السلطة من طرف الجهاز التنفيذي، ويمكنها أن تبقى سارية في الإطار القانوني الوطني مع نهاية حالة الطوارئ".

في باريس وبرلين ولندن، اعتاد المواطنون منذ عقود على العيش في حرية واسعة تضمنها دولة القانون، لكنها أصبحت مقيدة بحظر التجول ومنع التجمع وإغلاق المتاجر.

وجاء ذلك عقب اتخاذ تدابير رقابة أخرى في إطار مكافحة الإرهاب.

واعتبر جورجيو أغامبين أن "ما يحصل اليوم يمثل نهاية دولة القانون والديموقراطيات البورجوازية التي شهدت أصلا تحولات عميقة".

ويقدر الفيلسوف الإيطالي في كتابه "الإنسان المستباح" أن "الإنشاء الطوعي لحالة طوارئ دائمة (وإن لم يتم إعلانها بتلك الصفة تقنيا) أصبح ممارسة أساسية في الدول المعاصرة، بما فيها تلك التي نسميها ديموقراطية".

وتوضح أستاذة القانون العام والدستوري في جامعة السربون الجديدة لورولين فونتين أن حالة الطوارئ الصحية في فرنسا مثلا "تشبه إلى حد كبير حالة الطوارئ الأمنية" وأسست لتغييرات "مستدامة وثابتة".

وترى فونتين أن "الخطابات السياسية تنزع إلى تأكيد الطابع الاستثنائي لحالة الطوارئ. في المقابل، يجري إدخال تغييرات في القانون ليست مؤقتة".

"احتقار للقانون"

إضافة إلى ذلك، لا تؤدي أدوات الرقابة الدور المحدد لها دائما.

وترى فونتين أن "الفكرة هي أن الدساتير تمثل الأدوات الأكثر فاعلية لتقييد السلطات. اليوم لم تعد كذلك. القواعد المتعلقة بدور الدستور ووظيفته تنهار".

من الأمثلة على ذلك ما حصل في 26 آذار/ مارس، حين قرر المجلس الدستوري الفرنسي بخصوص قانون جرى إقراره لمكافحة وباء كوفيد-19، أنه "نظرا للظروف الخاصة في هذه الحالة، لا يمكن الحكم بأن هذا القانون العضوي جرى تبنيه في انتهاك للقواعد الإجرائية المنصوص عليها في الفصل 46 من الدستور".

واعتبرت فونتين أن ذلك "غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الخامسة".

وترى فونتين أن "هناك قبولا عاما بمبدأ تحقيق الهدف المنشود، وبالتالي أصبحنا متنبهين للطريق التي يتم إنتاج القانون فيها بذريعة أن الأهم هو التحرك".

وأضافت استنتجت أنه "في الأعوام العشرين الأخيرة، لاحظت نوعا من الازدراء بالقانون من أجل الأداء".

لكن جورجيو أغامبين أكثر تشاؤما.

وقال "في حال قبل الناس التدابير الاستبدادية والقيود غير المسبوقة التي أُخضعوا إليها من دون أي ضمان، فإن ذلك ليس فقط نتاج خشيتهم من الجائحة، بل يرجح أنه نتيجة إدراكهم عدم إدراكهم أن العالم الذين يعيشون فيه لا يمكنه أن يتواصل بهذا الشكل وأنه غير عادل وغير إنساني بشكل كبير".

لكنه أضاف "غني عن القول إن الحكومات تعد عالما غير إنساني وغير عادل بشكل أكبر".

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.