حقوق وحريات

"سفّاحو العراق".. تحقيق مصوّر يكشف "وحشية" الميليشيات من الداخل

11 فبراير 2021

نقلا عن موقع الحرة

كشف فيلم وثائقي بثته شبكة أميركية أدلة جديدة عن تنامي نفوذ الميليشيات الموالية لطهران في العراق، وكيف أنها باتت تسيطر على السلطة في البلاد، وتهدد وتقتل منتقديها من دون أن يتجرأ أحد على محاسبتها أو حتى ردعها.

الوثائقي حمل عنوان "سفّاحو العراق" Iraq's Assassins، وأعدته الصحفية البريطانية من أصول إيرانية راميتا نافاي مع زميلتها ميس البياع وهي صحفية بريطانية من أصول عراقية، وتم عرضه على شبكة "بي بي أس" الأميركية الثلاثاء ضمن برنامج "فرونت لاين".

خلال زيارتها للعراق في سبتمبر الماضي التقت نافاي بالعديد من الناشطين والسياسيين الذين تم تهديهم من قبل ميليشيات طهران، بالإضافة إلى مقابلتها مسؤولين عراقيين تحدثوا بشكل صريح عن الجهات التي تقف خلف سلسلة عمليات الاغتيال التي جرت مؤخرا في العراق.

إحدى هذه العمليات طالت الخبير الأمني البارز هشام الهاشمي في يونيو الماضي، الذي كان يتحدث علنا عن دور الميليشيات الشيعية في زعزعة أمن العراق وصلاتها بإيران، وبالأخص كتائب حزب الله.

ينقل الوثائقي عن ضابط في الاستخبارات العراقية مطلع على سير التحقيق القول إن الأجهزة الأمنية توصلت إلى أن هذه الميليشا (كتائب حزب الله) هي المسؤولة عن اغتيال الهاشمي بواسطة مرتزقة استأجرتهم لتنفيذ العملية.

ويضيف الضابط، الذي طلب عدم إظهار شكله أمام الكاميرا وتغيير صوته، إن كتائب حزب الله كانت غاضبة من التصريحات التي يدلي بها الهاشمي لوسائل الإعلام المختلفة بشأن قادتها وكشف هوياتهم وأدوارهم.

وعندما سألته الصحافية عن إمكانية ملاحقة القتلة في حال كانت هناك أدلة قاطعة، أجاب الضابط: "لا أعتقد ذلك، بالنظر إلى نفوذ كتائب حزب الله في العراق وخطف أو ملاحقة أي شخص يعارضها".

وقُتل الهاشمي، وهو محلل معروف قدم المشورة للحكومة بشأن هزيمة مقاتلي تنظيم داعش وكبح نفوذ الفصائل المسلحة الشيعية الموالية لإيران، برصاص مسلحين اثنين على دراجة نارية أمام منزل أُسرته في بغداد.

وينفي مسؤولو الفصائل المتحالفة مع إيران أي دور لهم في الجريمة، ولم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن قتله، كما لم تشر الحكومة بأصابع الاتهام إلى جماعة بعينها، على الرغم من تعهد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي بتعقب قاتليه وكبح تصرفات الفصائل المسلحة.

 

قوائم الاغتيال

وبالإضافة للهاشمي، استهدفت عمليات الاغتيال ناشطين عراقيين بالتزامن مع موجة الاحتجاجات التي اجتاحت البلاد منذ أكتوبر 2019، ومن أبرز مطالبها إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة الموالية لطهران.

خلال جولتها في العراق، التقت الصحافية بناشطين من البصرة فروا لإقليم كردستان بعد تلقيهم تهديدات بالتصفية، وصدور قوائم اغتيال تضمنت أسماء لعشرات الأشخاص.

وفقا لما جاء في الفيلم الوثائقي فإن مصدرا مقربا من الفصائل الموالية لطهران أرسل لهم وثيقة تؤكد أن هذه القوائم صدرت من قبل ميليشيا كتائب حزب الله.

من ضمن من وردت أسماؤهم في القائمة، الناشط تحسين أسامة، الذي اغتيل في أغسطس الماضي، وزميله عباس صبحي، الذي نجا من محاولة اغتيال بعدها بعدة أيام.

تمت نصيحة فريق إعداد الفيلم الوثائقي بعدم المخاطرة ولقاء مسؤولين في كتائب حزب الله أثناء وجودهم في العراق، لكنهم مع ذلك أرسلوا طلبا للتعليق للمتحدث باسم الميليشيا بعد مغادرتهم، من دون أن يلتقوا أية إجابة.

 

 

انتهاكات لحقوق الإنسان

لم يقتصر تحقيق الفيلم الوثائقي على جرائم استهداف الناشطين وحسب، بل تضمن أيضا الانتهاكات التي تقوم بها الميليشيات في المناطق السنية بعد تحريرها من تنظيم داعش وسيطرة الجماعات الموالية لطهران عليها.

تمكنت الصحافية راميتا نافاي وفريقها من دخول إحدى تلك المناطق بعد أن وافق أحد عناصر الميليشيات على مرافقتها بشكل سري للتجول في المنطقة.

تم عرض لقطات لمسجد سوي بالأرض بالكامل، فيما قالت الصحافية إنها شاهدت أيضا، خلال تجوالها في المنطقة، خمسة مساجد أخرى تم التعامل معها بذات الطريقة.

أخبرها هذا العنصر أن مقاتلي الميليشيات الموالية لطهران قاموا بالانتقام من السكان المحليين، وأنه لم يعد يحتمل هذه الأعمال "الوحشية" التي يقومون بها.

وخلال فترة تواجد الصحافية في العراق، تصادف أن وقع هجوم بالصواريخ استهدف قاعدة عسكرية للجيش الأميركي في أربيل، حيث تمكنت من زيارة الموقع الذي انطلقت منه الصواريخ في محافظة نينوى.

التقت خلال زيارتها بشخص يدعى سامي بكداش وهو قيادي في اللواء 30 في الحشد الشعبي أو ما يعرف باسم "لواء الشبك"، الذي نفى أي علاقة بالهجوم.

وانطلقت عدة صواريخ من قرية شيخ عامر في ناحية برطلة بمحافظة نينوى شمال العراق باتجاه مطار أربيل الذي يضم قاعدة عسكرية للتحالف لدولي بقيادة الولايات المتحدة من دون أن يتم الإعلان عن أية خسائر.

وتسيطر قوات من اللواء 30 التابعة للحشد الشعبي على المنطقة المحاذية لأربيل، ويضم عناصر من أقلية الشبك، ويعتقد أنهم مرتبطون بميليشيات موالية لطهران.

 

تهديد المسؤولين

وخلال الأشهر الماضية شنت الميليشيات الموالية لطهران العديد من الهجمات ضد مصالح أميركية في العراق، حيث يرى المسؤولون العسكريون الأميركيون أن المجموعات المسلحة الموالية لإيران باتت تشكل خطرا أكبر من تنظيم داعش.

وازدادت هذه الهجمات بعد مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني والقيادي في الحشد الشعبي العراقي ابو مهدي المهندس في ضربة أميركية قرب مطار بغداد العام الماضي.

وعلى إثر مقتل الرجلين صوت مجلس النواب العراقي على قرار نيابي في يناير من العام الماضي يلزم الحكومة بالعمل على "إنهاء تواجد أي قوات أجنبية على الأراضي العراقية، ومنعها من استخدام الأراضي والمياه والأجواء العراقية لأي سبب كان".

واقتصر التصويت على الأعضاء الشيعة في البرلمان العراقي، فيما غاب معظم الأعضاء السنة والأكراد عن الجلسة التي تقرر فيها إنهاء الوجود الأجنبي في البلاد.

تقول الصحافية إنه كان صعبا جدا أن تجد مسؤولا عراقيا يتحدث بأريحية عن الدور الذي تلعبه الميليشيات الموالية لطهران في العراق، والتهديدات التي تطلقها حتى ضد المسؤولين والسياسيين.

لكنها ومع ذلك، تمكنت من لقاء النائب السني فيصل العيساوي الذي أخبرها أن المكتب السياسي لميليشيا كتائب حزب الله هدد النواب بشكل علني عبر رسائل نصية بقتلهم وعائلاته في حال صوتوا بالضد من قرار إخراج القوات الأميركية من العراق.

ودأبت كتائب حزب الله على تهديد جميع منتقديها أو مخالفيها في الرأي، بما في ذلك رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي.

وفي ديسمبر الماضي هدد المسؤول الأمني في كتائب حزب الله أبو علي العسكري الكاظمي بـ"قطع أذنيه مثل العنز"، وقال إن "الاطلاعات الإيرانية والمخابرات الأميركية لن تحمي الكاظمي".

وتتلقى ميليشيا كتائب حزب الله في العراق الدعم من إيران، وهي تدافع دائما عن مواقف إيران في المنطقة، ويتهمها العراقيون بالتورط في عمليات قتل واغتيال وخطف ونشاطات غير مشروعة في البلاد، كما شاركت في القتال إلى جانب قوات نظام الأسد وميلشيات أخرى في سوريا.

مواضيع ذات صلة:

صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس
صورة توثق عملية انتشال الجثث من مقبرة "علو عنتر"- فرانس برس

من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا.

كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

 

حفرة الموت

اجتاح تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية أبرزها حفرة "علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى "بكَي قوط" على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضاً رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم.

يحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة "اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة.

كما تشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث.

وأشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة.

 

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفاؤها المحليون والدوليون قضاء تلعفر في أغسطس 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين.

كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العيّنات.

يُعدّ "المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف" سبّاقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة، في تأمين محيطها من مخلفات الحرب وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة "MAG" الاستشارية للألغام  ثلاث سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت "مؤسسة شهداء" نينوى بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية واللجنة الهندسية لشرطة نينوى، في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب واستخراج الضحايا.

في منتصف 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215، تم فتح 130 منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفات منها".

ومن هذه المقابر "120 مقبرة لضحايا الإرهاب فُتح منها 51 موقعا وبقي 69" بينما خلّف  نظام البعث السابق "95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16" وفق الغراوي.

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقع للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها، أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر، أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها".

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفات آلاف الضحايا.

 

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 مايو الماضي تم رسمياً فتح مقبرة "علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على ذويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

حينذاك، صرّح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في "مؤسسة الشهداء" التابعة للحكومة  العراقية، في مؤتمر صحافي، أن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 إلى 30 مترا مربعا، وبعمق يتراوح بين 10 أمتار و25 مترا، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد والقوات الأمنية والدفاع المدني ومديرية الصحة، إضافة لمنظمات دولية".

واجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملها، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأوكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم "حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور"، مؤكداً أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الأيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة الذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونُقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.