حقوق وحريات

"أنا عراقي.. من قتلني؟" حملة ضد استهداف النشطاء

18 مايو 2021

أثار اغتيال رئيس تنسيقية الاحتجاجات في كربلاء الناشط البارز إيهاب جواد الوزني، اهتماماً واسعاً وردود فعل كبيرة في البلاد.

وكانت خلية الإعلام الأمني قد أعلنت في بيان أن "شرطة محافظة كربلاء المقدسة تستنفر جهودها، بحثاً عن العناصر الإرهابية التي أقدمت على اغتيال الناشط المدني إيهاب جواد، يوم السبت 15 أيار/ مايو في شارع الحداد بمحافظة كربلاء المقدسة.

وأوضح بيان الخلية أنها شرعت فور وقوع الحادث بتشكيل فريق عمل مختص لجمع الأدلة والمعلومات في هذه الجريمة.

وتداول مدونون بشكل واسع في مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو تم تسجيله عبر كاميرات المراقبة القريبة من منزل الناشط للحظات اغتياله أمام منزله.

ويظهر الفيديو لحظة عودة الوزني إلى المنزل في إحدى مناطق كربلاء، وبينما كان يستدير بسيارته لصفها أمام المنزل كانت تنتظره دراجة نارية صغيرة فيها شخصان، ترجل أحدهما وأطلق النار عليه ثم لاذا بالفرار.

وعقب تداول الفيديو على نطاق واسع، أطلق ناشطون عراقيون حملة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تطالب السلطات الأمنية بالكشف عن المتورطين بقتل المتظاهرين.

كما نشر مشاركون في الحملة صورا لنشطاء قتلوا أثناء مشاركتهم في التظاهرات أو في منازلهم، مثل صورة الخبير الأمني هشام الهاشمي والناشطة ريهام يعقوب وصفاء السراي وإيهاب الوزني وفاهم الطائي وعلاء مشذوب وغيرهم.

وتصدرت أوسام مثل (#إيهاب_الوزني ، # أنا_عراقي ، #من_ قتلني؟) منصات التواصل الاجتماعي في العراق، تسائل فيهما المدونون عن قتلة ثوار تشرين، وطالبوا بضمان حق العراقيين في التعبير عن رأيهم بكل حرية، وانتقد بعضهم الآخر سكوت الجهات الأمنية عن المجرمين.

 

وعلق المتظاهرون في محافظة كربلاء لافتات تحمل عبارة "مَن قتلني؟ أنا عراقي" في مواقع عدة مواقع من أزقة وأحياء وشوارع المحافظة، تعبيرا غضبهم من حادثة الاغتيال.

من جانبه، طالب رئيس مجلس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي أجهزة وزارة الداخلية بسرعة الكشف عن قتلة الناشط.

"تهاون الأجهزة الأمنية"

ومنذ أكتوبر 2019 قتل مئات المشاركين في الاحتجاجات التي نددت بالفساد وتردي الأوضاع المعيشية بعمليات اغتيال مجهولة، وتتراوح أعدادهم بين 560 وفقا لما أعلنته الحكومة العراقية العام الماضي، ونحو 800 بحسب منظات إنسانية وحقوقية ونشطاء.

ويتهم المحامي وليد مهدي الأجهزة الأمنية بالتهاون في وقف سلسلة الاغتيالات، الأمر الذي "يشجع على استمرار استهداف النشطاء"، على حد قوله.

ويقول لموقع (ارفع صوتك)، إن "عدم اتخاذ الأجهزة الأمنية إجراءات رادعة تحد من جرائم الخطف والاغتيال هيأت فرصة آمنة ليفعل المسلحون ما يحلو لهم".

ويضيف مهدي أن "هناك إفلات كبير من العقاب لكل من مارس القتل في البلاد، إذ لا يُكشف حتى الآن عن تفاصيل التحقيقات الجنائية التي يتم تشكيلها عقب كل حادثة قتل، حتى يبدو الأمر كأنه تسامح مع القتلة".

المطالبة بالتغيير

ويأتي حادث اغتيال رئيس تنسيقية الاحتجاجات في كربلاء الناشط إيهاب جواد الوزني مع اقتراب الانتخابات البرلمانية، للتخلص من كل ناشط يؤثر على أصوات العراقيين وخاصة الذين صرحوا علانية في عدم انتخابات الأصوات السياسية المرشحة نفسها، كما يوضح الناشط الحقوقي عمار حميد لموقع (ارفع صوتك).

ويقول، إن "وجود نشطاء بأصوات عراقية مسموعة لا يخدم السياسيين وخاصة الذين لديهم ولاءات لفصائل مسلحة من دول مجاورة، لأنهم يتعرضون بسببهم إلى حملات تحريض على رفضهم، وبالتالي خسارة مخططاتهم".

ويحذر حميد من عودة الاغتيالات بشكل كبير، لأن الأحزاب السياسية لا تريد أن يتغير الحال في البلاد.

ويشير إلى أن العراقيين يفهمون جيدا أن المطالبة بالتغيير باهظة الثمن ومواجهة هيمنة الجماعات المسلحة تكلف الكثير من الأرواح.

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.