حقوق وحريات

جرائم قتل النساء تتكرر وحلول تصطدم بحواجز القانون والمجتمع

01 يوليو 2022

نقلا عن موقع الحرة

ازدادت في الآونة الأخيرة جرائم قتل النساء في عدة دول عربية، ومنها الجريمتين الأخيرتين بحق طالبتين جامعيتين في مصر والأردن، الأولى قتلت ذبحا والثانية بالرصاص، بالإضافة إلى جريمة أخرى هزت الرأي العام المصري، وهي قتل المذيعة شيماء جمال على يد زوجها القاضي الذي تم القبض عليه.

وأجمع خبراء في القانون وعلم النفس على أن هناك حاجة ملحة لتضافر جهود الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني  لمكافحة هذه الظاهرة، وسط تأكيد على دور الدولة والعائلة والفرد في هذا الشأن.

ومن الجانب القانوني، قالت المحامية والناشطة الحقوقية ليلى الحداد، إن "العديد من الدول العربية أقرت بعض القوانين المتعلقة بحماية المرأة من العنف الأسري أو الزوجي أو العنف بشكل عام"، ولكنها لم تخف أن هناك عقبات تحول دون تطبيقها.

 

غياب التشريعات وصعوبة تطبيقها

وأضافت الحداد في حديثها لموقع الحرة أن "هناك صعوبة في تنفيذ التشريعات والقوانين وتطبيقها على أرض الواقع في بعض الدول العربية بسبب وجود عراقيل تمنع ذلك".

وأوضحت أن هذه العراقيل تتمثل في "العرف والمزاج السائد في هذه الدول، والمتمثل في الإحراج من أن تشتكي المعنفة سواء من والديها أو زوجها"، وتلمح إلى وجود "عادات وتقاليد في بعض المجتمعات تمنع المرأة من تقديم الشكوى ضد المعنّف"، بالإضافة إلى أن إجراءات التقاضي مكلفة عادة ولا تستطيع المرأة أحيانا تحملها.

ولكن المحامية عزة سليمان، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة قضايا المرأة المصرية، تحدثت أيضا عن غياب للتشريعات المتعلقة بمكافحة العنف ضد المرأة في دول أخرى.

وأضافت في حديثها لموقع "الحرة" أن هناك حاجة إلى قوانين رادعة، وأشارت إلى وجود "حاجة أيضا إلى معرفة كيفية تطبيق" مثل تلك التشريعات في حال إقرارها مستقبلا.

وأشارت إلى أن هناك نوع من "الاستباحة والتطبيع المجتمعي مع حوادث العنف ضد النساء"، وذلك بسبب غياب التشريعات الرادعة، التي أصبح هناك حاجة ماسة لها. 

 

ضعف الإحصاءات

ولا تزال الجرائم التي تستهدف النساء ظاهرة لا تحظى بالاهتمام في معظم البلدان، وذلك لعدم وجود إحصائيات معتمدة. وفي بداية مارس الماضي، تبنت الأمم المتحدة توصيات لاعتماد إحصاءات هذه الجرائم التي تستهدف النساء بشكل خاص.

ولفت مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلى أن معطياته محدودة بهذا الشأن. ففي الدول التي تحاول قياس جرائم قتل النساء، قد تختلف المؤشرات والمتغيرات المستخدمة بشكل كبير. وعلاوة على ذلك، تقدم بعض الدول بيانات غير وافية، والكثير من البلدان لا تقدم حتى أي إحصائيات.

وأشارت الحداد إلى أن نسب الجرائم المرتبطة بالعنف ضد المرأة والتي تنشرها منظمات حقوقية في الدول العربية، "تكون في العادة بعيدة عن الواقع"، لأن العديد من النساء اللواتي تعرضن للعنف لا يشتكين لأسباب عائلية أو لخشيتهن من الانتقام.

وفي دراسة مسحية أجراها "المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية" حول العنف ضد المرأة، تم رصد 211 حالة عنف موجه ضد النساء في عام 2020، حيث احتل القتل والشروع في القتل مقدمة القائمة بعدد 173 حالة، يليها الجرائم الجنسية مثل الاغتصاب والتحرش والابتزاز بعدد 38 حالة.

وفي تقرير شهري نشرته جمعية "كفى" في لبنان بشهر مايو 2020، تم تسجيل 6 جرائم قتل نساء خلال شهر أبريل من العام نفسه.

 

عراقيل في القضاء

وعن إجراءات التقاضي، تلفت الحداد إلى "العراقيل في النظم القضائية" في بعض الدول العربية حيث يصعب إمكانية تطبيق التشريعات والقوانين بالفعل، ويتمثل ذلك في "طول إجراءات التقاضي"، بالإضافة إلى "أتعاب التقاضي التي عادة ما تكون الضحية غير قادرة على تحملها"، ويتمثل ذلك في مصاريف الدعوى بالمحكمة وأتعاب المحامي.

وأكدت أن "هذه العراقيل تشكل سدا منيعا" أمام تطبيق التشريعات التي أقرتها بعض الدول لمكافحة العنف ضد المرأة، وهو ما "تتباهى به هذه الدول أمام المنظمات الدولية التي تطالب الحكومات بتمكين المرأة من الولوج إلى أنظمة العدالة كمتضررة وكضحية أمام المعتدي".

وشددت الناشطة الحقوقية على ضرورة "تبسيط هذه الإجراءات" في الدول العربية أمام الضحية لتمكينها من التغلب على العراقيل وتحقيق العدالة، وتخفيض التكاليف المادية المتوجب دفعها في مثل هذه الحالات.

وأشارت إلى أنه عادة ما تكون المراكز الأمنية المتخصصة باستقبال شكاوى النساء عن حالات الاعتداء والعنف موجودة داخل المدن فقط عموما، ولا تكون موجودة في القرى والمناطق الريفية، لافتة إلى ضرورة تكثيف الحملات والبرامج التوعوية لمكافحة هذه الظاهرة بتلك المناطق المهمشة، و"الترويج لثقافة السلم داخل الأسر والمجتمعات لتقليل ظاهرة العنف".

 

تبليغ دون استجابة

وبالعودة إلى جريمة قتل نيرة أشرف، طالبة جامعة المنصورة في مصر، وفي جلسة المحاكمة الثانية، الثلاثاء، قضت محكمة الجنايات بإحالة أوراق المتهم بقتلها، وهو زميلها في الجامعة، للمفتي لأخذ الرأي الشرعي في إعدامه بتهمة القتل العمد، فيما حددت جلسة بتاريخ 6 يوليو الحالي للنطق بالحكم.

ولفتت سليمان إلى أن الضحية نيرة أشرف كانت قد تقدمت هي وأهلها بعدة بلاغات وشكاوى ضد القاتل للشرطة دون استجابة تذكر، وهو ما أكدته التحقيقات، حيث أن المتهم محمد عادل "أقر أنه كان يتواصل من حسابه مع أهلها ومعارفها، مشيرا إلى أنها أبلغته بتقدمها بشكاية للأمن ضده".

وأشارت المحامية المصرية إلى أن هناك تقصير في تعامل الشرطة وأجهزة الأمن مع البلاغات المقدمة من قبل نساء معنفات في أكثر من دولة عربية، وقالت إن "هناك مشكلة حقيقية عندما لا تتعامل الشرطة أحيانا مع مثل هذه البلاغات".

وتابعت سليمان أن "البلاغات التي تقدم من بعض النساء ضد أزواجهن تحديدا لا يتم التعامل معها، على اعتبار أنها حالة خاصة"، بمعنى أنها مشاكل عائلية.

وأكدت على ضرورة بذل المزيد من الجهد لـ"تدريب وإعداد وتأهيل كل المتعاملين مع مثل هذه القضايا الحساسة، ويشمل ذلك العساكر والضباط ووكلاء النيابة والقضاة"، لأن هناك حاجة إلى تطبيق التشريعات في الواقع.

 

العائلة والمجتمع

وبعيدا عن الجانب القانوني والتشريعي، تتحدث المتخصصة في علم النفس، د. ريما بجاني عن أهمية وجود دورات تثقيفية وتعليمية وتدريبية، تشمل الأفراد والأهل والمجتمع، لمكافحة هذه الظاهرة.

وقالت بجاني في حديثها لموقع "الحرة" إن العنف قد ينتج عن "تربية أو ثقافة أو أفكار موروثة معينة"، بمعنى أن هناك بيئة تؤثر على تصرفات الفرد، مضيفة أن "مشكلة العنف ضد المرأة هي مشكلة قديمة وتتفاقم باستمرار"، ولفتت إلى أن "الثقافة والتربية" و"التفرقة" بين الأطفال بحسب الجنس تؤثر على ذلك.

ولم تغفل الأخصائية الجانب النفسي في بعض الحالات، فتشير إلى أن "هناك أشخاص يغلب العنف على طبعهم وهؤلاء يعتبرون مرضى نفسيين، ويجب التعامل معهم كمرضى بحاجة إلى جلسات علاج.

وفي إطار الجرائم المرتكبة بحق النساء مؤخرا، وبعد أيام على ذبح الطالبة نيرة أشرف في مصر، أقدم شاب أردني، الأسبوع الفائت، على قتل الطالبة إيمان إرشيد بإطلاق النار عليها داخل جامعة خاصة قرب العاصمة عمّان.

ونشرت "جمعية تضامن" الأردنية العام الماضي تقريرا يؤكد أن "14 امرأة وفتاة كن ضحايا جرائم قتل أسرية منذ بداية 2021 من بينها جرائم بذريعة الشرف.

ولفتت الجمعية في إحصائها إلى أن 22 امرأة كن ضحايا جرائم القتل العمد والقصد عام 2020 من بينها 18 جريمة قتل أسرية.

 

الاعتراف بالتعرض للعنف

وتقول بجاني، عن ضحايا العنف من النساء، إن "شخصية الفرد هي الأساس" بمعنى أن "الإنسان يجب أن يعترف بأنه يتعرض للعنف، وأن يكون قادرا على وضع حد لذلك على الأقل ذهنيا".

وشرحت أن "بعض النساء يتعرضن للعنف، ويصمتن على ذلك"، بمعنى أنهن لا يبلغن ولا يفصحن عنه، لأنهن يتعرضن لنوع من "السيطرة النفسية" من قبل المعنّف، أي ربما يتعرضن للتهديد أو الابتزاز مثلا في حال أفصحن عن الأمر.

وتابعت أنه كجزء من التوعية "يجب على المعنفات عدم القبول بمثل هذا النوع من المعاملة، وطلب المساعدة والحماية" عبر التبليغ عن تعرضهن للعنف، مشددة على أن جميع العاملين في مجال علم النفس من "أطباء ومعالجين ومحللين" يجب عليهم أن يقوموا "بدورات تثقيفية وتوعوية من خلال الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني" لمكافحة هذه الظاهرة.

وفيما يتعلق بدور التربية، وجهت الأخصائية النفسية رسالة إلى الأهل، وقالت إن "كيفية تربية الأطفال هي أمر أساسي" وينعكس ذلك على تصرفاتهم مع الأهل والأقارب والأصدقاء ومحيطهم الاجتماعي.

وأضافت أن التربية الجيدة ترتقي بالمجتمع نحو الأفضل مع وجود "الأخلاقيات" الضرورية لبناء مجتمع متماسك وخال من هذه الآفات، مع التركيز على "احترام الآخر، واحترام اختلاف الآراء"، ولفتت إلى ضرورة تعزيز مناهج التعليم وإدراج مادة تتعلق بـ"التوعية والتربية النفسية" لتعزيز احترام الأطفال لأنفسهم ولغيرهم.

مواضيع ذات صلة:

من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية
من تظاهرة احتجاجية في العاصمة العراقية بغداد حول تعديلات مقترحة على قانون الأحوال الشخصية- تعبيرية

 في مكتبها وسط العاصمة العراقية بغداد، تجتمع المحامية مروة عبد الرضا مع موكلها الشاب العشريني وزوجته (ابنة خالته)، اللذين يسعيان لتوثيق زواجهما المنعقد خارج المحكمة لصغر سن الزوجة (13 عاما)، وهي طالبة في السادس الابتدائي بمنطقة المدائن على أطراف العاصمة بغداد.

تقول عبد الرضا لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن الحديث عن الزواج المبكر من دون أن يتم ربطه بشكل مباشر بالزواج خارج المحاكم لأنهما مرتبطان ببعضهما البعض".

بعد اكتشاف حمل الفتاة، قررت العائلة توكيل محام لتقديم طلب توثيق العقد. تضيف عبد الرضا "الإجراءات الحكومية بسيطة وغير معقدة في مثل هذه الحالات، فالقاضي يجد نفسه أمام الأمر الواقع بسبب حمل الفتاة، فيتم تصديق العقد وفرض غرامة أقصاها 250 ألف دينار على الزوج (نحو 150 دولاراً)".

الزيجة التي تشير إليها المحامية "ليست الأولى ولن تكون الأخيرة" على حدّ تعبيرها، "بل هي حالة اجتماعية متوارثة لاعتقاد سائد أن الرجل يرتبط بفتاة صغيرة ليقوم بتربيتها على ما يحب ويكره، لكن النتيجة كثيرا ما تكون سلبية بحسب القضايا التي تشغل أروقة المحاكم ونراها بشكل يومي. فالفتاة التي تتزوج بعمر الطفولة غير قادرة على استيعاب العلاقة الزوجية، وفي كثير من الحالات يكون الأمر أشبه بالاغتصاب".

تتحدث عبد الرضا عن ارتفاع كبير بنسب الطلاق في المحاكم العراقية: "كثير منها يكون نتيجة الزواج المبكر وتدخّل الأهل بسبب صغر أعمار الطرفين وهو ما يؤثر بشكل كبير على العلاقة الزوجية".

وتشير إلى أنه كثيرا ما يتم التزويج "لعدم وجود فتيات في منزل العائلة للرعاية والعمل المنزلي، فيكون مطلوب منها القيام بأعمال الكبار وهي بعمر الطفولة، وهذا أكبر من قدرة أي فتاة صغيرة".

ما تكشف عنه عبد الرضا تؤيده إحصاءات مجلس القضاء الأعلى، ففي شهر يوليو الماضي كان هناك 2760 عقد زواج خارج المحكمة، و1782 حالة طلاق خارج المحاكم و4562 حالة بتّ فيها، بعد رفع دعاوى قضائية.

وينقل المجلس الأعلى في أحد تقاريره عن القاضي عماد عبد الله قوله إن المحاكم العراقية "شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات الطلاق. وأهم الأسباب ترجع إلى حالات الزواج المبكر التي تفتقر لمتابعة الأهل، وعدم توفر الاستقرار المالي الذي يسمح بإنشاء أسرة بالإضافة إلى التأثر بالسوشيال ميديا".

A woman holds up a sign reading in Arabic "the marriage of minors is a crime in the name of safeguarding (honour)", during a…
"خارج السرب".. رجال دين يعارضون تعديلات "الأحوال الشخصية"
مع أن طرح التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العراقي لعام 1959، يحظى بدعم كبير من غالبية رجال الدين الشيعة والسنة في العراق، إلا أن بعض رجال الدين من الطائفتين، غردّوا خارج السرب وسجّلوا مواقف معارضة للتعديلات على القانون.

تداعيات الزواج خارج المحاكم

تتحدث شابة فضّلت عدم الكشف عن اسمها لـ"ارفع صوتك" عن سنوات طويلة حُرمت فيها من أبسط حقوقها، فلم تتعلم القراءة والكتابة، ولم تنل رعاية صحية لائقة، فقط لأن زواج أمها المبكر وإنجابها لها وهي في عمر صغير، جعلها من دون أوراق ثبوتية.

"تزوجت والدتي بعقد خارج المحكمة بعمر صغير، وانفصلت بعد أشهر قليلة عن والدي لعدم انسجامهما معاً، لتكتشف حملها بي"، تروي الشابة.

وضعت الأم حملها وتزوجت مرة ثانية، ورزقت بالمزيد من الذرية. تبين: "لم يتم إصدار أوراق ثبوتية لي، فحُرمت من التعليم ومن الرعاية الصحية، وكنت أحياناً استعين ببطاقة شقيقتي الأصغر للحصول على العلاج في المستشفيات".

توفيت والدتها التي قابلناها لصالح تقرير سابق قبل ثلاث سنوات، وفي أوائل العام الحالي وهي بعمر 23 عاماً تزوجت الشابة بعقد خارج المحكمة، واليوم تسعى لاستخراج هوية الأحوال المدنية لتوثيق زواجها "لا أريد أن تتكرر مأساتي مع أطفالي أيضاً".

من جهته، يقول المحامي خالد الأسدي لـ"ارفع صوتك" إن قضايا الزواج والطلاق خارج المحكمة في أغلبها تكون "بسبب صغر عمر الزوجة أو للزواج الثاني، كون القضاء يطلب موافقة الزوجة الأولى، ونتيجة لذلك أصبح لدينا جيش صغير من الأطفال غير الموثقين رسمياً والمحرومين من أبسط الحقوق".

الزواج المبكر كما يشرح الأسدي "لا يقتصر على الإناث فقط بل يشمل الذكور أيضاً، فقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 اعتبر سن الثامنة عشرة هو سن الأهلية القانونية لإجراء عقد الزواج".

القانون ذاته وضع استثناءات، يفنّدها الأسدي "فقد منح القاضي صلاحيات تزويج من أكمل الخامسة عشرة من العمر وقدم طلباً بالزواج، وفق شروط تتعلق بالأهلية والقابلية البدنية التي تتحقق بتقارير طبية وموافقة ولي الأمر". 

ستابع الأسدي "هذا الاستثناء لا يشجع زواج القاصرين قدر تعلق الأمر بمعالجة حالة اجتماعية بطريقة قانونية تتيح فيه القرار للسلطة القضائية".

مع ذلك، فما كان مقبولاً في الفترة التي تم تشريع القانون بها، لم يعد مقبولاً في الوقت الحالي؛ كون المسالة تتعلق برؤية اجتماعية جديدة فيها جوانب اقتصادية وتغيرات اجتماعية كبيرة شهدها العراق خلال العقود الستة الأخيرة، بحسب الأسدي.

 

قصص

لم تكن أم علي تتجاوز 14 عاماً حين تم تزويجها إلى ابن عمها، كان ذلك أواخر تسعينيات القرن الماضي. واليوم تواجه "مشكلة"، إذ تم الاتفاق - دون رغبة الأم- على تزويج ابنتها البالغة من العُمر 14 سنة.

عدم رغبة الأم هي نتيجة مباشرة لما تعرضت له خلال رحلة زواجها الطويلة. تقول أم علي لـ"ارفع صوتك": "صحيح أنني أمتلك عائلة وأبناء وبنات أصبح بعضهم بعمر الزواج. لكن، لا أحد يتحدث عن مرارة الرحلة".

وتوضح "أنا وزوجي كنا بعمر متقارب ومن عائلتين فقيرتين. بعد زواجي بشهر واحد حملت بطفلي الأول.. كنا مجرد طفلين نعتمد على مصروف يوفره والده، أو أعمال متقطعة في مجال البناء، ولم يأت الاستقرار إلا بعد عشر سنوات حين تطوع في الجيش، وأصبح لديه راتب ثابت وبات قادراً على الإنفاق".

على الرغم من عدم رغبتها بخضوع ابنتها للتجربة ذاتها، تقول أم علي "التقاليد والأعراف لا تسمح لنا بذلك، لا أريد لابنتي أن تواجه المصير ذاته ولكن ليس بيدي حيلة وليس لنا رأي".

على عكس حكايتها، تقول أم نور  إن أحداً لم يجبرها على الزواج حين كانت بعمر السادسة عشرة، مردفة "كل فكرتي عن الزواج كانت ترتبط برغبتي بارتداء فستان أبيض، وأن الجميع سيرقصون من حولي، لكن سرعان ما اكتشفت أنّي لم أكن مؤهلة لتكوين عائلة".

في العراق كما تشرح أم نور وهي على أعتاب الستين " كثيراً ما يكون الزواج مبكراً، ودون أن تكون هناك فكرة حقيقية عن المسؤولية ومدى قدرتنا على تحملها، أو تربية أطفال والتعامل مع بيئة جديدة مختلفة عن التي تربينا فيها بعد الانتقال إلى منزل الزوجية".

أفكار نمطية                       

الموروث الثقافي كما يرى أستاذ الاجتماع رؤوف رحمان يلعب دوراً كبيراً فيما يتعلق بالزواج المبكر للإناث والذكور بشكل عام في العراق.

يقول لـ"ارفع صوتك" إن البيئة العراقي التقليدية "تربّي الفتاة على أنها غير مؤهلة لإدارة شؤونها، فيكون مصيرها مرهوناً بقرار العائلة التي تفضّل تزويجها مبكرا لأنها مرغوبة اجتماعياً ومطلوبة للزواج ما دامت صغيرة في السن، وتقل حظوظها كلما تقدمت في العُمر".

في حالات كثيرة يذكرها رحمان "تسعى الفتيات للارتباط حين تفتقد الأسرة إلى الانسجام، أو للتخلص من العنف الأسري والفقر، خصوصاً ضمن العائلات الممتدة والريفية أو في أحيان أخرى للحصول على مهرها".

ويرى أن الزواج المبكر في العراق يرتبط أيضاً "بالعنف والصراعات والحروب المستمرة، فعدم الاستقرار الأمني يدفع العوائل لتزويج الفتيات بعمر مبكر للتخلص من مسؤوليتهن".

أما في ما يتعلق بالزواج المبكر للذكور، فيشير رحمان إلى وجود "فكرة خاطئة مفادها أن تزويج الذكر بعمر صغير يقيه من الانحراف أو الوقوع في المشاكل عندما يكون مسؤولاً عن زوجة وأطفال بعمر مبكر".

كل هذه التقاليد والأعراف النمطية المتوارثة تشكّل بحسب رحمن "مواطن الخلل في المجتمع، فنحن اليوم بحاجة إلى ثقافة مختلفة تماماً، في زمن تغيرت طبيعة الحياة فيه من ريفية بسيطة إلى مدنية معقدة، غزتها وسائل التواصل وغيرت الكثير من أساليب العيش وسط أزمة اقتصادية خانقة وزيادة مرعبة بأعداد السكان".

جزء من الحل كما ترى المحامية مروة عبد الرضا، يكمن في "تثقيف الشباب من الإناث والذكور عن الحياة الزوجية والمسؤولية المترتبة عن إنشاء أسرة عبر دروس ضمن مناهج وزارة التربية، ومحاضرات من الباحثين الاجتماعيين ضمن المحاكم العراقية قبل عقد القران، لتأهيل وتوعية المقدمين على الزواج".