هويات مركبة تلك التي تخرج من روايات الكاتب الأفغاني الأميركي الشهير، خالد حسيني. يتعرف فيها القراء على شخصيات تبنى هوياتها اجتماعيا وتتشكل وتتشابك بفعل تيارات الأبوة والأمومة والثقافة... ثم تخرج من الكتب لتترجم بتغريدة في صلب الواقع ومن على منبر العالم الإفتراضي. بالأمس أعلن حسيني دعمه الكامل لـ"رصانة وشجاعة وقوة" ابنته مع خروجها للمجتمع بهويتها الجديدة كمتحولة جنسيا.
عن فلسفة الهوية والحقيقة
وتتقاطع تغريدة حسيني، التي أتى في نصها: "بالأمس، أعلنت ابنتي أنها متحولة جنسيا. لم أشعر يوما بهذا القدر من الفخر. لقد علمت عائلتنا الكثير عن الشجاعة والحقيقة. أعلم أن هذه العملية كانت مؤلمة لها. إنها رصينة تجاه القسوة التي يتعرض لها المتحولون جنسيًا. لكنها تمتلك القوة والشجاعة"، مع الكثير في رواياته حيث تلعب الشخصيات أدوارا في التنميط الثقافي أو في كسره وتطوير الهوية. ومثلما تظهر وطأة الأبوة في صوغ هوية أمير في رواية "عداء الطائرة الورقية" التي وصلت للعالم من خلال المكتبات والشاشات، ترجمت صورة الأب من خلال التشديد على عنصرين: عنصر الحقيقة وعنصر الدعم.
فيما يتعلق بعنصر "الحقيقة"، يسطر حسيني في تغريدته مساهمة ابنته في تعليم محيطها (أي العائلة)، "الكثير عن الحقيقة"، وهو الذي لطالما عرف بتمسكه بالحقيقة كما يُعرفها كنقيض للإثم. يظهر ذلك جليا في كتابه "عداء الطائرة الورقية"، حيث يقول:"هناك إثم واحد فقط، وهو السرقة (...) عندما تكذب، تسرق حق شخص من معرفة الحقيقة". وبالنسبة له، تستحق الحقيقة إعلانها ولو ترافقت مع المعاناة التي قد تتمثل بمواجهة المجتمع الذي لا يتقبل بسهولة ما يخرج عن الثنائية الجندرية، أو العائلة التي لن تنسف ببساطة سنوات من التفاعل مع هوية لاستبدالها بشخص قد يحيط الكثير من الارتباك بشخصيته.
Yesterday, my daughter Haris came out as transgender.
— Khaled Hosseini (@khaledhosseini) July 13, 2022
I’ve never been prouder of her. She has taught our family so much about bravery and truth.
I know this process was painful for her. She is sober to the cruelty trans people are subjected to. But she is strong and undaunted. pic.twitter.com/c3qNT1Lndw
هذا التفصيل الأخير كان محط تركيز لشخصية أخرى من الوسط الشهير، الممثل المصري هشام سليم الذي أعلن بدوره منذ فترة ليست ببعيدة عن تحول مصيري في هوية ابنه الذي ولد أنثى بيولوجيا. تجربة سليم تسلط الضوء على الارتباك الذي يرافق الإعلان عن "الحقيقة" الجديدة، وهو يقول في إحدى المقابلات المتلفزة: "أعلم جيدا أنه يختبر مشاعر ارتباك. وهذا الارتباك ينسحب علينا جميعا (...) يصعب علي محو 18 سنة صنعت فيها الذكريات مع ابنتي (...) ولا أطلب من المجتمع أن يتقبل الهوية الجديدة وإنما أدعوه للتفكر بما يشعر به هؤلاء الذين يبحثون باستمرار عن هويتهم وهذا ليس بالأمر السهل".
أما فيما يتعلق بالعنصر الثاني، أي الدعم، فيترجم بالدور الذي تلعبه الأبوة في تأطير هوية الشخص من خلال الحب والقبول والتشجيع، مع الإشارة إلى أن الأبوة قد ترتبط بصورة الأب الرمزية وليست حكرا على الأبوة البيولوجية. في رواية حسيني التي تسترجع بعض أكثر الصور قتامة من أفغانستان إبان الحرب، يبحث أمير بلا هوادة عن الحب والتشجيع ليمتلك الجرأة ويعرف عن نفسه ككاتب. وفي حالات كثيرة من العالم الواقعي، تظهر الأمثلة دور الدعم في تشجيع من يخوضون تجارب مماثلة على دور مجموعات الدعم على اختلاف أشكالها، بتيسير عملية العبور، تماما كما في حالة ابنة حسيني وابن سليم وحفيد الممثل المصري العالمي عمر الشريف.
في تغريدة حسيني، "حب وقبول" للهوية الجديدة. يقول: "أنا أحب ابنتي وسأبقى بجانبها حتى النهاية. عائلتنا تقف خلفها".
وتمنح هذه المواقف جرعة دعم وتعلن التضامن بوجه ردود الفعل التي قد لا تكون إيجابية دائما. ومن الأمثلة على ذلك، استهداف حسيني نفسه وليس فقط ابنته في إطار التعليقات على الإعلان، على خلفية البعد الديني الثقافي الذي يرفض مثل هذه الممارسات وصولا لتحريمها، ومن هنا الجدلية التي "تكفّر" الداعم وليس فقط "المركب"، بعبارات مثل "مرتد" و"زنديق".
وتتقاطع هذه الأحكام مع الاتهامات التي لطالما وجهت لحسيني نفسه على خلفية جنسيته المزدوجة وإتهامه بتصوير أفغانستان من المنظور الغربي وتحديدا الأميركي، الذي يحصرها بأرض "محكومة من الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تمنع فيها الاختلاط بين الجنسين وتطبق فيها أحكام الشريعة من رجم وقطع للأطراف، بشكل متطرف".
وطالت هذه الاتهامات ولو بدرجة أقل سليم وإرث عمر الشريف الذي وضع بمقابل اتهامات حفيده بالمثلية الجنسية في العام 2013. لكن التعليق أتى ليؤكد على أن "المثلية لم تكن هي يوما صلب الموضوع. لطالما كنت الحفيد والأخ والزميل. لم تغير مثليتي في ذلك شيئا ولطالما بقيت عمر". ويمكن إيجاد رسالة الدعم نفسها من عائلة سليم الذي صرح مع الإعلان عن هوية ابنه الجديدة: "بما إني أبوه لازم أساعده يحقق الي هو عاوزه".
كيف تصل رسائل الدعم هذه للعالم خصوصا حين تأتي على لسان المشاهير؟ بالنسبة للكاتبة والباحثة في شؤون الجندر، رولا دوغلاس، تأتي ردود فعل حسيني وسليم والشريف، لتعكس "الطريقة الصحيحة للاستجابة لإعلان أبنائهم عن هويتهم الجديدة. وهذا يعني أن المتحولين جنسيًا، يستحقون شأنهم شأن كل الأبناء والبنات في هذا العالم، الحصول على الحب والقبول والحماية من قبل والديهم".
في روايته "عداء الطائرة الورقية"، يوجه حسيني رسالة دعم ووفاء لكل شخص يعتبر فردا من أفراد الأسرة، سواء أكان مثقفا أم محروما من التعليم، "نبيلا" أم من "عامة الشعب"، طبيبا أم خادما، وها هو اليوم يتلقف ردود الفعل المعاكسة التي تستهدف ابنته، مرة فاثنتين فألفا، تماما كما أكد حسن لأمير مع عودته مهرولا في كل مرة تسقط فيها الطائرة الورقية ومرددا: "لأجلك ألفُ مرّة ومرّة".
ولكن مقابل رسائل الدعم هذه، يتحول الداعمون أنفسهم لهدف للانتقاد الذي يصل حد التهديد، وهذا أمر طبيعي حين يتناقض الفعل مع القيم والموروثات وتحديدا الأفغانية منها بدرجة أولى والإسلامية بدرجة ثانية. ولذلك، تنقسم التعليقات على مواقع التواصل بين ما هو مؤيد "للشجاعة ولتقدير الحق بالاختيار واحترام المرأة" وما هو مناهض "لمخالفة قرار الله والدعوة لانتزاع الجنسية من الكاتب".
وتشدد دوغلاس على "أن منح العابرين جنسيا الحق بالحصول على الدعم لا يعني أن العبور بهذه السهولة. فعائلات المتحولين جنسيا وآباؤهم بحاجة للدعم أيضا. عندما يعلن المشاهير علنًا دعمهم لأبنائهم المتحولين جنسياً، فإنهم يوجهون رسائل متعددة إلى العالم. أولاً رسالة أمل ومحبة للمتحولين جنسيًا من مختلف الفئات العمرية بأن شخصًا ما يدافع عن حقوقهم. ومن ثم رسالة تضامن ودعم لآباء المتحولين جنسياً الذين لا يتجرؤون على الإعلان والذين قد يشعرون بأنهم وحدهم. وأخيرًا، يسلط المشاهير هؤلاء الضوء على قضايا المتحولين جنسيًا ويزيدون التوعية حول حقوقهم في الوجود والعيش بأمان انطلاقا من منظور حقوق الإنسان."
"هويتك لا تجعلك أقل إنسانية!"
وبغض النظر عن الخيارات الشخصية، تشدد وجهة النظر الحقوقية على ضرورة الابتعاد عن خطاب الكراهية والعنف المنتشر على الإنترنت والذي يتصاعد ليتحول لتهديد للحياة على أرض الواقع "لأن أي هوية يختارها الشخص لا تجعله أقل إنسانية أو أقل جدارة بالاحترام، على ألا يعني احترام الآخر نسف المعتقدات التي تطبع كل مجتمع أو التشجيع على المثلية". تقول المرشدة الاجتماعية ريان الديراني: "لا شك بأنه لكل فرد الحق بالاختيار وميوله الجنسية خاصة به وحده، لكن يجب ألا ننسى أن المجتمع العربي لا يتقبل حتى الآن ما يسميه بالشذوذ عن القاعدة أو ينعته بالمخالف للدين أو الذي يخلط بينه وبين عبدة الشيطان".
