حكم على حميد نوري بالسجن مدى الحياة عن دوره في إعدام السجناء في إيران.
حكم على حميد نوري بالسجن مدى الحياة عن دوره في إعدام السجناء في إيران.

انطلقت في 11 يناير الجاري، أولى جلسات محكمة الاستئناف الخاصة بالإيراني حميد نوري، والذي أصدر القضاء السويدي في العام الماضي حكماً بسجنه مدى الحياة، بعد إدانته بارتكاب "جرائم خطيرة ضد القانون الدولي" و"جرائم قتل".

وفور دخوله قاعة المحكمة، قام نوري بتقبيل نسخة من القرآن كانت في حوزته ووضعها على رأسه، قبل أن يَطلب الحديث، وفقاً لما نقلته مراسلة التلفزيون السويدي التي تابعت مجريات المُحاكمة، التي انعقدت في "محكمة أتوندا"، شمال العاصمة ستوكهولم.

واشتكى المتهم من المعاملة التي يتلقاها، قائلاً: "لقد تعرضت إلى معاملة شبيهة بالتعذيب"، مشيراً إلى عدم حصوله نظارات مناسبة للقراءة، وحرمانه من الاتصال بأسرته.

وأعلن نوري رفضه المشاركة بما وصفها "المحاكمة الصوريّة" في حال لم تتعهد المحكمة بتلبية مطالبه، وذلك قبل أن يتم اصطحابه خارج قاعة الحكمة لرفضة التوقف عن الكلام.

وبحسب لائحة الاتهام، ساهم حميد نوري، خلال عمله كمسؤول نيابة في سجن جوهاردشت في مدينة كاراج الإيرانية، في تعذيب وإعدام مئات الأشخاص في صيف عام 1988.

وتقدّر جماعات حقوقية أن 5 آلاف سجين على الأقل أُعدموا صيف ذلك العام، فيما بات يعرف بواقعة "تطهير السجون"، بينما تُقدّر منظمة "مجاهدي خلق" عدد القتلى بنحو 30 ألفاً.

وبالتزامن مع جلسة المحكمة، تظاهر معارضون إيرانيون للمطالبة بتأكيد الحكم ومحاسبته على الجرائم التي اقترفها.

 

لماذا في السويد؟

 

في ديسمبر 2019، هبط حميد نوري في مطار أرلاندا الدولي في العاصمة السويدية ستكهولم، قاصداً زيارة أقاربه، لكن الشرطة السويدية كانت في انتظار الرجل البالغ من العمر 58 عاماً -آنذاك-، بناء على بلاغات عن مشاركته في إعدام سجناء سياسيين في إيران عام 1988.

في 27 يوليو 2021، وجه الادعاء العام السويدي إلى نوري تهماً بارتكاب جرائم ضد القانون الدولي في إيران عام 1988.

ووفقًا للادعاء السويدي، شارك نوري خلال عمله كمساعد لنائب المدعي العام في سجن جوهاردشت، في عمليات إعدام جماعية، ويشتبه في قيامه مع آخرين بإنهاء حياة عدد كبير من السجناء الذين تعاطفوا مع منظمة "مجاهدي خلق"، إضافة إلى تعريضه السجناء إلى معاناة شديدة ترتقي لاعتبارها "تعذيب ومعاملة غير إنسانية".

ويرجح أن عمليات الإعدام تّتصل بالحرب العراقية-الإيرانية (1981-1988)، عندما نفذ فصيل من منظمة "مجاهدي خلق" هجمات ضد القوات الإيرانية انطلاقاً من الأراضي العراقية، الأمر الذي دفع المرشد الأعلى لإيران -آنذاك-، آية الله الخميني، لإصدار أمر بإعدام جميع السجناء المتعاطفين مع "مجاهدي خلق".

وهو ما صنفه الادعاء السويدي " انتهاكًا للقانون الدولي، وجريمة خطيرة".

هذا إضافة إلى اتهامه بالمشاركة في إعدام سجناء سجن جوهاردشت من المنتمين والمتعاطفين مع "مجاهدي خلق، خلال الفترة 30 يوليو إلى 26 أغسطس 1988، يشتبه بمشاركته في 27 أغسطس 1988 في قتل مجموعة من السجناء اليساريين.

 

الولاية القضائية

 

وصفت إيران الحكم على حميد نوري، بـ "السياسي"، واعتبرت انه يخالف الولاية القضائية العالمية التي تعتمد على حدوث جريمة دولية، وهو ما لا يتوفر في قضية نوري.

كما دفع محامي نوري خلال وقائع محاكمته التي استغرفت 92 يومياً من الجلسات، بعدم أهليّة القضاء السويدي للنظر في اتهامات نوري.  لكن المدعية العامة، كريستينا ليندهوف كارلسون، أكدت في بيان حينها، أن لدى السويد ولاية قضائية عالمية فيما يتعلق بالجرائم ضد القانون الدولي.

وتطبق السويد مبدأ الولاية القضائية العالمية والذي يعطيها الحق في محاكمة شخص من جزء آخر من العالم في جرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بغض النظر عن مكان ارتكابها أو من ارتكبها.

وفاة مهسا أميني أشعلت الغضب في إيران
مظاهرات الحجاب في إيران تصل "قم".. وضغوط على عائلة أميني
زعم ابن عم الشابة الإيرانية، مهسا أميني، التي توفيت بعد احتجازها لدى شرطة الأخلاق بإيران، أن أسرتها تتعرض لضغوط من قبل السلطات الإيرانية لحجب المعلومات عن وسائل الإعلام، في وقت استمرت فيه السلطات بشن حملة اعتقالات للمتظاهرين.

واستمعت المحكمة إلى إفادة 70 من المدعين والشهود من 11 دولة، وتعرف العديد منهم إلى نوري من خلال طريقته في الحديث، فيما تذكر بعضهم وجهه.

وفي حال تأكيد الحكم على نوري، فإنه سيقضي مدّة العقوبة في السويد، ليصار بعدها إلى ترحيله إلى إيران ومنعه من العودة إلى السويد. 

 

رسالة إلى السلطة في إيران

 

محاكمة نوري كانت الأولى التي يُحاكم فيها مسؤول إيراني لضلوعه في الإعدامات التي طالت بشكل رئيسي منظمة "مجاهدي خلق" في العام 1988، لذلك حظيت باهتمام كبير من قبل المنظمات الحقوقية والمعارضة الإيرانية.

ورأى فيها معارضون وحقوقيون رسالة موجهة إلى السلطة في إيران، مفادها أن مرتكبي الجرائم ضد الشعب الإيراني لابد وأن تتم محاكمتهم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية
تعبيرية

ما بين الضرب المبرح والحرق والخنق، يتنوع العنف الأسري ضد الأطفال في العراق. وزادت حصيلة ضحاياه خلال السنوات الأربعة الماضية، فيما يطالب نشطاء وجمعيات حقوقية بإقرار قانون حماية الطفل والعنف الاسري وتفعيله للحد من هذه الجرائم.

وتعج صفحات العراقيين في مواقع التواصل الاجتماعي منذ سنوات بمقاطع فيديو تظهر أطفالاً يتعرضون للضرب أو التعذيب من قبل ذويهم، يرافقها إطلاق حملات إعلامية تطالب السلطات بالتدخل وحماية الأطفال وإنقاذهم.

نشرت منظمة "حقوق المرأة العراقية"، الأربعاء الماضي، مقطع فيديو لطفلة تتعرض للتعذيب والضرب من قبل والدها في بغداد، وبدا من خلال كلامه أنه يعذبها نكاية بأمها.

قالت المنظمة تعقيباً على ذلك، إن فريقها وبالتنسيق مع القوة الماسكة للأرض والشرطة والأمن الوطني ووفق قرار المحكمة، توصلّوا للوالد وتم القبض عليه، ونشرت صوراً له وابنته في صفحاتها على مواقع التواصل.

في يوليو الماضي، لاقت طفلة عُمرها 9 سنوات حتفها على يد والدها في بغداد، ونقلت وسائل إعلام عراقية محلية عن مصدر أمني قوله "أحضر رجل ابنته وقد فارقت الحياة إلى مستشفى الفرات العام في حيّ الجهاد، وبعد إجراء الفحوصات لجثة المجني عليها تبين أنها تعرضت لإصابات عديدة في أنحاء الجسم، وبعد التحقيق مع والدها اعترف بضربها بواسطة عصا، وتعذيبها من خلال وضعها لساعات طويلة مربوطة على سطح المنزل تحت أشعة الشمس الحارقة".

وما زالت ذاكرة العراقيين تحتفظ بقصة الطفل موسى ولاء، الذي أنهت زوجة أبيه حياته عام 2023 بعد تعذيبه لعدة شهور، وقد أوردت المتهمة في اعترافاتها التي نشرتها وزارة الداخلية استخدامها أساليب تعذيب مرعبة، كإجبارها الطفل على التهام أكثر من كيلوغرام من الملح وتعذيبه بالكهرباء والضرب.

انتحار أم قتل.. قضية الطفلة سمر تعيد قانون العنف الأسري إلى الواجهة
قضية سمر المفرجي فتحت الباب مجدداً أمام مطالبات من ناشطين وناشطات في حقوق الإنسان بإقرار قوانين وتعديل أخرى طال انتظارها، رغم مرور سنوات على تعطيلها داخل أروقة السلطة التشريعية العراقية. أهم تلك القوانين، قانون العنف الأسري وفقرات في قوانين العقوبات تتيح تخفيف العقوبات في حال كان القتل غسلاً للعار، أو تسمح بتزويج الضحية من مغتصبها.

ولعل من أبرز قصص تعنيف الأطفال في العراق قصة الطفل محمد في محافظة البصرة، الذي ظهر في مقطع فيديو (2021) وهو يبكي ووجهه مغى بالدماء متوسلاً من والده أن يقتله ليريحه من العذاب. وبعد مطالبات الناشطين والحقوقيين تدخلت السلطات وأنقذته، بينما هرب أبوه.

بحسب تحقيق أجرته الأمم المتحدة (2008-2022) عن الانتهاكات والعنف الذي يتعرض له أطفال العراق ونشرته منظمة "اليونيسف" في يونيو 2023، تعرّض أكثر من تسعة آلاف طفل عراقي للقتل أو التشوّه، أي بمعدل طفل أو أكثر يومياً.

من جهتها، تستبعد الناشطة في مجال حقوق المرأة والطفل إسراء السلمان، التوصل إلى حلول، قريباً، لمشكلة زيادة العنف الأسري في العراق.

تعلل ذلك لـ"ارفع صوتك" بقولها "أبسط ما نحتاجه هو قانون حماية الطفل، وقانون مناهضة العنف الأسري، وهما لم يشرّعا حتى الآن لرفضهما من قبل الأحزاب الدينية تحت ذريعة أنهما يخالفان الشريعة ويتسببان بتدمير نسيج المجتمع".

وتضيف السلمان أن العراق شهد خلال الأشهر الماضية من العام الحالي "تراجعاً ملحوظا في حقوق الإنسان بصورة عامة وحقوق الطفل بصورة خاصة".

"الكثير من القوانين المهمة لا تمرّر في مجلس النواب تحت ذرائع عديدة. وحين ما تكون القوانين خاصة بحقوق الإنسان وتعطي النساء والأطفال مكتسبات، فإن الذريعة الرئيسة لعدم التمرير أنها مخالِفة للدين"، تتابع السلمان.

في عام 2020، أقرت الحكومة العراقية مشروع قانون مناهضة العنف الأسري وأرسلته إلى مجلس النواب، لكنه  اصطدم برفض الأحزاب الإسلامية والفصائل المسلحة الموالية لإيران، بحجّة أنه "شبيه بالقوانين الغربية ولا يخدم المجتمع المتدين المحافظ في البلاد، كما يمنح المرأة حق التمرد على الرجل، ويسهم في تفكيك المجتمع".

وبرأي داعمي ومناصري إقرار هذا القانون، فإنه "يوفر الحماية للنساء والأطفال من العنف الأسري ويعاقب مرتكبي العنف ضد عائلاتهم".

كما سيسهم تشريعه "في الحد من انتشار العنف ويحمي منه، ويعاقب مرتكبيه. ويعوّض الضحايا ويوفر الحماية لهم ويقدم الرعاية اللازمة لهم ويؤهلهم، عدا عن حفاظه على الأمن والسلم الأسري والمجتمعي".

ورغم استمرار مطالبات نشطاء وحقوقيين وعدد من النواب بضرورة تشريع قانون مناهضة العنف الأسري وقانون حماية الطفل، وتنظيمهم تظاهرات ضغط ومناصرة لتمريره، إلا أن مشروعي القانونين ما زالا بانتظار المصادقة في البرلمان العراقي، فيما تتكرر حالات العنف الأسري يومياً.

وفي أغسطس 2023، نشرت دائرة العلاقات العامة في مجلس القضاء الأعلى إحصائية عن معدلات العنف الأسري في ما يخص الأطفال والنساء وكبار السن خلال عامي 2021 و2022، أظهرت تسجيل المحاكم 1141 دعوى عنف أسري ضد الأطفال، وجاءت محكمة استئناف بغداد الكرخ في المقدمة بتسجيلها 267 دعوى.