ما زال ذوو ضحايا "الأنفال" في كردستان العراق، ينتظرون إعادة ١٧١ رفاتا، من المُكتَشفة في مقبرة جماعية قرب مدينة السماوة جنوب العراق عام ٢٠١٩، وتتواجد الآن في دائرة الطب العدلي بالعاصمة بغداد.
وأبلغ السكان المحليون في بادية السماوة السلطات الحكومية مطلع عام ٢٠١٩ عن وجود مقبرة جماعية في منطقة تلة الشيخية في البادية، وبعد التحري، عثر فريق دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية، على ثلاث مقابر.
وفتح الفريق الوطني للمقابر الجماعية في يوليو من العام نفسه إحداها، وكانت تضم ١٧١ رفاتا، جميعها لنساء وأطفال أكراد، تراوحت أعمارهم بين عام واحد و٥٠ عاماً، من الذين تعرضوا للإبادة الجماعية على يد النظام البعثي في ثمانينيات القرن الماضي.
يقول عضو جمعية "الدفاع عن حقوق المؤنفلين"، أرسلان محمد رستم: "ما زالت الرفات موجودة في دائرة الطب العدلي، كان من المفترض أخذ عينات من دم ذوي الضحايا لغرض إجراء فحوص الـ (DNA) ومطابقتها مع الرفات التي استُخرجت من مقابر منطقة الشيخية".
"لكن بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، لم تُؤخذ العيناتُ بعد. وبحسب متابعتنا للموضوع سبب التأخير هو نقص التخصيصات المالية المطلوبة لدى دائرة الطب العدلي لهذا الإجراء"، يضيف رستم لـ"ارفع صوتك".
ويعتبر رستم، وهو من ذوي ضحايا الأنفال، أن "إعادة الرفات أمر مهم جدا لذوي الضحايا ويهدئ من روعهم"، مشيرا إلى أن الجهات الحكومية "تتعامل بنوع من البرود في عمليات البحث والكشف عن المقابر الجماعية وفتحها وإجراء الفحوصات المطلوبة لرفات الضحايا وذويهم وإعادة الرفات لهم".
من جانبه، يرى عضو المفوضية السابق لحقوق الإنسان في العراق، علي البياتي، أنه من الضروري أن تولي الحكومة الاعتناء بدائرة الطب العدلي ودعمها بكوادر بشرية متخصصة وتقنيات وميزانيات وتوسيع دوائرها وأقسامها في المحافظات.
ويضيف البياتي لـ"ارفع صوتك": "مشكلة الطب العدلي أنه مؤسسة مرتبطة بوزارة الصحة ولديها موارد بشرية محدودة وإمكانيات محدودة وتخصيصات محدودة وتقنيات محدودة وعليها مسؤوليات كثيرة، سواء قضية المقابر الجماعية باعتبارها عضواً تنفيذياً في لجنة المقابر الجماعية، وأيضا معنية بإصدار شهادات الوفاة، خاصة في حالات أسباب وفاة الغامضة والقتل، بالإضافة إلى مسؤوليتها في التعامل مع حالات التعذيب وحالات كثيرة أخرى".
لماذا التأخر في جمع العينات؟
وتشمل عمليات فتح المقابر الجماعية في العراق المقابر التي دفن فيها ضحايا المجازر المرتكبة قبل عام 2003، على يد النظام البعثي، وبعد عام 2003 على يد المليشيات والجماعات الإرهابية.
يوضح مدير قسم "شؤون شهداء المقابر الجماعية في دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية"، ضرغام كامل عبدالمجيد: "خلال العام الماضي 2022 فتحنا في قضاء سنجار موقعين متكاملين، حردان وقني، وفتحنا ما تبقى من مقابر سجن بادوش في الموصل، وعملنا على إحدى المقابر التابعة للنظام السابق في منطقة العفايف بمحافظة السماوة".
"بالإضافة إلى الحملات التي نفذتها دائرة الطب العدلي بشراكة مع دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية التي تمثلت بجمع المعلومات قبل الفقدان وعينات الدم لضحايا متنوعين"، يتابع عبد المجيد لـ"ارفع صوتك".
ويشير إلى أن دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية "أحصت في سنجار ما يقارب 80 مقبرة جماعية ارتكبها تنظيم داعش بحق الأيزيديين، فضلا عن إحصاء مقابر أخرى في مدينة الموصل والمحافظات التي سقطت في أيدي التنظيم عام 2014، مثل محافظة الأنبار وأجزاء من محافظتي كركوك وديالى، بالإضافة إلى المقابر الجماعية في المحافظات الجنوبية المرتكبة من قبل النظام السابق".
ويكشف عبدالمجيد "توجد حاليا ما يقارب 150 مقبرة جماعية غير مفتوحة، أما المقابر الجماعية المفتوحة بشكل عام فبلغت حتى الآن أكثر من 250 مقبرة".
وتعمل دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية بالشراكة مع دائرة الطب العدلي في وزارة الصحة، وتتولى دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية عملية فتح المقابر واستخراج الرفات التي تسلم فيما بعد لدائرة الطب العدلي، التي تدخلها لاحقا ضمن قاعات لتصنيف العظام وتحديد الهوية وأخذ العينات من عوائل الضحايا والمفقودين.
ويقول عبدالمجيد: "تحتاج دائرة الطب العدلي إلى عدد كبير من العينات، خصوصا ضحايا النظام السابق، لأن الفترة الزمنية التي مرت عليها منذ الثمانينيات مدة طويلة، لذلك هناك حاجة إلى عينات عديدة من أشخاص الدرجة الأولى من ذوي الضحايا، وهم إما مسنّون أو متوفون أو غير متواجدين في البلد، لذا نواجه نقصاً في عينات الدم لمجموعة المقابر الجماعية المرتكبة من قبل النظام السابق، وهذه هي أساس مشكلة التأخر في الإجراءات".
وشن الجيش العراقي حملات "الأنفال" ضد المدنيين الكرد في ستة مناطق جغرافية مختلفة في كردستان شمال العراق، على ثماني مراحل، نفذت بين فبراير وسبتمبر عام 1988.
وتسببت العمليات في مقتل أو اختفاء قرابة 182 ألف شخص، وتشريد أكثر من 500 ألف آخرين.
وفي أبريل 2008، صوّت مجلس النواب العراقي بالموافقة على مشروع قرار باعتبار ما تعرض له الشعب الكردي من مذابح وقتل جماعي إبادة جماعية.
وبحسب إحصائية صادرة عن مجلس النواب العراقي في أكتوبر 2018، أسفرت عمليات "الأنفال" عن تدمير أكثر من 4500 قرية وقصبة، وتدمير المؤسسات الدينية والمدنية والخدمية.
