بعض أهالي ضحايا مجازر الأنفال ضد الأكراد، أمام نُعوش ضمت رفات أقاربهم في يوليو 2022
بعض أهالي ضحايا مجازر الأنفال ضد الأكراد، أمام نُعوش ضمت رفات أقاربهم في يوليو 2022

ما زال ذوو ضحايا "الأنفال" في كردستان العراق، ينتظرون إعادة ١٧١ رفاتا، من المُكتَشفة في مقبرة جماعية قرب مدينة السماوة جنوب العراق عام ٢٠١٩، وتتواجد الآن في دائرة الطب العدلي بالعاصمة بغداد.

وأبلغ السكان المحليون في بادية السماوة السلطات الحكومية مطلع عام ٢٠١٩ عن وجود مقبرة جماعية في منطقة تلة الشيخية في البادية، وبعد التحري، عثر فريق دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية، على ثلاث مقابر.

وفتح الفريق الوطني للمقابر الجماعية في يوليو من العام نفسه إحداها، وكانت تضم ١٧١ رفاتا، جميعها لنساء وأطفال أكراد، تراوحت أعمارهم بين عام واحد و٥٠ عاماً، من الذين تعرضوا للإبادة الجماعية على يد النظام البعثي في ثمانينيات القرن الماضي.

يقول عضو جمعية "الدفاع عن حقوق المؤنفلين"، أرسلان محمد رستم: "ما زالت الرفات موجودة في دائرة الطب العدلي، كان من المفترض أخذ عينات من دم ذوي الضحايا لغرض إجراء فحوص الـ (DNA) ومطابقتها مع الرفات التي استُخرجت من مقابر منطقة الشيخية".

"لكن بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، لم تُؤخذ العيناتُ بعد. وبحسب متابعتنا للموضوع سبب التأخير هو نقص التخصيصات المالية المطلوبة لدى دائرة الطب العدلي لهذا الإجراء"، يضيف رستم لـ"ارفع صوتك".

ويعتبر رستم، وهو من ذوي ضحايا الأنفال، أن "إعادة الرفات أمر مهم جدا لذوي الضحايا ويهدئ من روعهم"، مشيرا إلى أن الجهات الحكومية "تتعامل بنوع من البرود في عمليات البحث والكشف عن المقابر الجماعية وفتحها وإجراء الفحوصات المطلوبة لرفات الضحايا وذويهم وإعادة الرفات لهم". 

من جانبه، يرى عضو المفوضية السابق لحقوق الإنسان في العراق، علي البياتي، أنه من الضروري أن تولي الحكومة الاعتناء بدائرة الطب العدلي ودعمها بكوادر بشرية متخصصة وتقنيات وميزانيات وتوسيع دوائرها وأقسامها في المحافظات. 

ويضيف البياتي لـ"ارفع صوتك": "مشكلة الطب العدلي أنه مؤسسة مرتبطة بوزارة الصحة ولديها موارد بشرية محدودة وإمكانيات محدودة وتخصيصات محدودة وتقنيات محدودة وعليها مسؤوليات كثيرة، سواء قضية المقابر الجماعية باعتبارها عضواً تنفيذياً في لجنة المقابر الجماعية، وأيضا معنية بإصدار شهادات الوفاة، خاصة في حالات أسباب وفاة الغامضة والقتل، بالإضافة إلى مسؤوليتها في التعامل مع حالات التعذيب وحالات كثيرة أخرى".

 

لماذا التأخر في جمع العينات؟

وتشمل عمليات فتح المقابر الجماعية في العراق المقابر التي دفن فيها ضحايا المجازر المرتكبة قبل عام 2003، على يد النظام البعثي، وبعد عام 2003 على يد المليشيات والجماعات الإرهابية.

يوضح مدير قسم "شؤون شهداء المقابر الجماعية في دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية"، ضرغام كامل عبدالمجيد: "خلال العام الماضي 2022 فتحنا في قضاء سنجار موقعين متكاملين، حردان وقني، وفتحنا ما تبقى من مقابر سجن بادوش في الموصل، وعملنا على إحدى المقابر التابعة للنظام السابق في منطقة العفايف بمحافظة السماوة".

"بالإضافة إلى الحملات التي نفذتها دائرة الطب العدلي بشراكة مع دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية التي تمثلت بجمع المعلومات قبل الفقدان وعينات الدم لضحايا متنوعين"، يتابع عبد المجيد لـ"ارفع صوتك".

ويشير إلى أن دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية "أحصت في سنجار ما يقارب 80 مقبرة جماعية ارتكبها تنظيم داعش بحق الأيزيديين، فضلا عن إحصاء مقابر أخرى في مدينة الموصل والمحافظات التي سقطت في أيدي التنظيم عام 2014، مثل محافظة الأنبار وأجزاء من محافظتي كركوك وديالى، بالإضافة إلى المقابر الجماعية في المحافظات الجنوبية المرتكبة من قبل النظام السابق".

ويكشف عبدالمجيد "توجد حاليا ما يقارب 150 مقبرة جماعية غير مفتوحة، أما المقابر الجماعية المفتوحة بشكل عام فبلغت حتى الآن أكثر من 250 مقبرة".

وتعمل دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية بالشراكة مع دائرة الطب العدلي في وزارة الصحة، وتتولى دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية عملية فتح المقابر واستخراج الرفات التي تسلم فيما بعد لدائرة الطب العدلي، التي تدخلها لاحقا ضمن قاعات لتصنيف العظام وتحديد الهوية وأخذ العينات من عوائل الضحايا والمفقودين.

ويقول عبدالمجيد: "تحتاج دائرة الطب العدلي إلى عدد كبير من العينات، خصوصا ضحايا النظام السابق، لأن الفترة الزمنية التي مرت عليها منذ الثمانينيات مدة طويلة، لذلك هناك حاجة إلى عينات عديدة من أشخاص الدرجة الأولى من ذوي الضحايا، وهم إما مسنّون أو متوفون أو غير متواجدين في البلد، لذا نواجه نقصاً في عينات الدم لمجموعة المقابر الجماعية المرتكبة من قبل النظام السابق، وهذه هي أساس مشكلة التأخر في الإجراءات".

وشن الجيش العراقي حملات "الأنفال" ضد المدنيين الكرد في ستة مناطق جغرافية مختلفة في كردستان شمال العراق، على ثماني مراحل، نفذت بين فبراير وسبتمبر عام 1988. 

وتسببت العمليات في مقتل أو اختفاء قرابة 182 ألف شخص، وتشريد أكثر من 500 ألف آخرين.

وفي أبريل 2008، صوّت مجلس النواب العراقي بالموافقة على مشروع قرار باعتبار ما تعرض له الشعب الكردي من مذابح وقتل جماعي إبادة جماعية. 

وبحسب إحصائية صادرة عن مجلس النواب العراقي في أكتوبر 2018، أسفرت عمليات "الأنفال" عن تدمير أكثر من 4500 قرية وقصبة، وتدمير المؤسسات الدينية والمدنية والخدمية. 

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية
الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية

مع بدء السنة الدراسية الجديدة في معظم أنحاء الشرق الأوسط، يجد تلاميذ قطاع غزة أنفسهم للعام الثاني على التوالي دون مدارس ينهلون منها العلم والمعرفة، مما حدا برهط من المسؤولين والأهالي إلى إيجاد بعض الحلول الفردية، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وكان من المفترض أن يبدأ العام الدراسي الجديد رسميا هذا الأسبوع، في القطاع الذي يشهد حربا شرسة منذ أكثر من أحد 11 شهرا بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس، المصنفة "منظمة إرهابية" في الولايات المتحدة ودول أخرى.

وأدى القصف إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية الحيوية في القطاع الفلسطيني، بما في ذلك المراكز التعليمية، التي كانت تستوعب نحو مليون تلميذ تحت سن 18 عاماً، وفقاً للأمم المتحدة.

وفي ظل صعوبة تأمين مساحة آمنة لتدريس الأطفال، قررت وفاء علي، التي كانت تدير مدرسة بمدينة غزة قبل الحرب، فتح فصلين دراسيين في منزلها شمالي القطاع، حيث يتجمع العشرات من الأطفال لتعلم العربية والإنكليزية بالإضافة إلى مادة الرياضيات.

وقالت علي: "أرادت الأسر أن يتعلم أطفالها القراءة والكتابة بدلاً من إضاعة الوقت في المنزل، خاصة أن الحرب لن تنتهي قريبا".

ولا يستطيع المعلمون الوصول إلا إلى نسبة صغيرة من الأطفال الذين حرموا من التعليم بسبب الحرب، التي بدأت بعد أن هاجمت حركة حماس إسرائيل في 7 أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، وبينهم نساء وأطفال، حسب بيانات رسمية.

وردًا على ذلك، شنت إسرائيل عملية عسكري أدت إلى مقتل أكثر من 41 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع.

"نبذل قصارى جهدنا"

من جانبها، أوضحت آلاء جنينة، التي تعيش حاليا في خيمة بوسط قطاع غزة، أن طفلها البالغ من العمر 4 سنوات وابنتها ذات السبع سنوات، يتلقيان دروسًا في خيمة قريبة.

وقالت المراة البالغة من العمر 33 عاما، إنها زارت مؤخرا "مدرسة الخيام"، مضيفة: "لقد أحزنني ذلك. ليس لديهم ملابس أو حقائب أو أحذية. لكننا نبذل قصارى جهدنا".

وتقول وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي تدير عشرات المدارس بالقطاع، إن أكثر من ثلثي مدارسها دُمرت أو تضررت منذ بدء الحرب.

ووفقا للوكالة، فقد قُتل "مئات" الفلسطينيين الذين نزحوا إلى مرافق الأونروا، ومعظمها مدارس، بينما تؤكد إسرائيل
أن ضرباتها على المدارس وملاجئ الأونروا "تستهدف المسلحين الذين يستخدمون تلك المرافق"، وهو أمر تنفيه حركة حماس.

ورفضت هيئة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن التنسيق مع جماعات الإغاثة، التعليق، كما لم يستجب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لطلب التعليق من الصحيفة الأميركية.

"بقع لليأس والجوع"

وقالت "الأونروا" إنها أطلقت برنامج العودة إلى التعلم، الذي سيجلب حوالي 28 ألف طفل إلى عشرات المدارس، لافتة إلى أن ذلك البرنامج سيركز على "الدعم النفسي والفنون والرياضة ومخاطر الذخائر المتفجرة، ثم سيتعمق أكثر في مواد القراءة والكتابة والرياضيات".

وفي هذا الصدد، قال المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، الأربعاء، على وسائل التواصل الاجتماعي: "الكثير من المدارس لم تعد مكانًا للتعلم. لقد أصبحت بقعا لليأس والجوع والمرض والموت".

وتابع: "كلما طالت فترة بقاء الأطفال خارج المدرسة.. كلما زاد خطر تحولهم إلى جيل ضائع. وهذه وصفة للاستياء والتطرف في المستقبل".

من جانبه، أوضح الباحث في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بقطر، معين رباني، أن قطاع غزة "كان لديه معدلات تعليم عالية نسبيًا، على الرغم من نسب الفقر الكبيرة التي تسوده".

وأضاف رباني أن الفلسطينيين "سعوا منذ فترة طويلة إلى التعليم للتقدم وسط ظروف اقتصادية صعبة، حيث وقد وفرت لهم الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية مختلفة فرصًا تعليمية جيدة".

ولفت في حديثه للصحيفة الأميركية، إلى أن العديد من الفلسطينيين في غزة "اعتادوا على فقدان أراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم، وبالتالي اهتموا بالتعليم، لأنه أمر يمكنك أن تأخذه معك أينما ذهبت".

وهناك ثمن نفسي للابتعاد عن المدرسة على الأطفال أيضًا، إذ قالت ليزلي أركامبولت، المديرة الإدارية للسياسة الإنسانية في منظمة إنقاذ الطفولة الأميركية، إن قضاء عام بعيدًا عن المدرسة والأصدقاء والملاعب والمنازل خلال صراع مسلح عنيف، "يمثل إزالة للركائز الأساسية للاستقرار والسلامة للأطفال".

وشددت على أن "عدم اليقين والتوتر وفقدان المجتمع، يمكن أن يؤدي إلى تحفيز أنظمة الاستجابة الطبيعية للتوتر في الجسم، والتي يمكن أن تكون ضارة بمرور الوقت".

واستطردت حديثها بالتأكيد على أن "تكرار هذه الأعراض أو استمرارها لفترات طويلة، قد يؤدي إلى مجموعة من النتائج السلبية على الصحة العقلية، التي لا يتعافى منها الأطفال بسهولة".

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، قد كشفت في وقت سابق هذا الشهر، أن الأطفال في قطاع غزة "هم الفئة الأكثر تضررًا" مما يحدث هناك، وهم بحاجة ماسة لدعم نفسي وتعليمي بشكل عاجل.

وقال الناطق باسم المنظمة، كاظم أبو خلف، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، إن الوضع الحالي في غزة "يتطلب استجابة عاجلة لمساعدة الأطفال الذين يعانون من فقدان التعليم والأضرار النفسية الجسيمة التي يتعرضون لها".

وشدد على أن "جميع الأطفال في القطاع يحتاجون إلى دعم نفسي، حيث فقد ما لا يقل عن 625 ألف طفل عامًا دراسيًا منذ بدء الحرب.. وبعض الأطفال تعرضوا لبتر أطرافهم وهم بحاجة إلى الخروج من القطاع لتلقي العلاج، فيما يعاني العديد من الأطفال من الخوف والقلق بسبب الحرب".