People gather at the station to flee from Khartoum
تجمع مواطنين سودانيين يحاولون الهرب من الخرطوم- رويترز

استيقظ السودانيون صباح السبت 15 أبريل 2023، على أصوات معارك بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو، لتغرق البلاد التي تعاني أزمات مركبة أساساً، في موجة جديدة من العنف، وسط مخاوف أن تؤدي لتعطل جهود الانتقال إلى حكم مدني.

اندلاع المعارك جاء بعد أربعة أيام من فشل الإعلان عن رئيس وزراء جديد للبلاد، تنفيذاً لاتفاق عقد في ديسمبر 2022، يقضي بتشكيل حكومة مدنية تنهي الفراغ السياسي الذي أعقب انقلاب أكتوبر 2021، وأدى إلى سيطرة العسكر على مقاليد السلطة وتعطيل مسار الانتقال السياسي.

وبينما يتبادل الطرفان الاتهامات حول المسؤولية عن بدء المعارك، تُقدم تقارير صاردة عن جهات محلية ودولية صورة "قاتمة" للأوضاع في عموم البلاد، حيث قتل وأصيب مئات المدنيين، وانتشرت عمليات النهب، كما خرج أكثر من نصف المشافي عن الخدمة نتيجة سيطرة المسلحين عليها، إضافة إلى استهداف العاملين في المجال الإنساني، وانتشار العنف الجنسي وفق تقارير أخرى.

المعارك التي تدور رحاها بين من يتقاسمون الحكم العسكري للبلاد، تشكل حلقة في سيرة فشل الانتقال السياسي للوصول إلى حكم مدني في السودان بعد الإطاحة بحكم الرئيس السابق، عمر البشير.

 

الإطاحة بالبشير.. الخلاص والأزمة

نجحت الحركة الاحتجاجية التي اندلعت في 19 ديسمبر 2018، بالإطاحة بنظام عمر البشير، الذي سيطر على مقاليد السلطة في السودان لـ 30 عاماً، طاردته خلالها تهم ارتكاب جرائم حرب تشمل الإبادة الجماعية.

وفي 11 أبريل 2019، أعلن الجيش خلع البشير وبدء مرحلة انتقالية حُدّدت بعامين لإجراء انتخابات يتم بموجبها انتقال السلطة إلى المدنيين.

وإن شكلت الجذور الاقتصادية محركاً أساسياً للاحتجاجات نتيجة ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، إلا أن الطروحات السياسية سرعان ما سيطرت على الاحتجاجات، فطالب المحتجون بحكم مدنيّ ينهي سيطرة الجيش على السلطة، وإطلاق الحريات العامة، وفتح المجال أمام العمل السياسي، ووقف التطبيق المتشدّد للشريعة خاصة ضد النساء.

لعبت النساء دوراً محورياً في الحركة الاحتجاجية من خلال الحضور المكثف في التظاهرات، والأدوار المساندة في إسعاف الجرحى والمصابين، حتى أصبحت المرأة السودانية أيقونة للثورة بعد انتشار صورة الشابة آلاء صلاح، خلال قيادتها هتافاً في إحدى التظاهرات، وعرفت لاحقاً بـ"كنداكة الثورة السودانية".

بعد أربعة أشهر من الإطاحة بالبشير، أعلن في أغسطس 2019، عن تشكيل "مجلس السيادة السوداني" بعد اتفاق بين المجلس العسكري الانتقالي وتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير في السودان، وهو المجلس الذي تكون من 11 شخصاً، خمسة من العسكريين ومثلهم من المدنيين، إضافة إلى شخصية مدنية يتم التوافق على اختيارها.

وبموجب الاتفاق حدّدت مدّة المجلس بـ 39 شهراً، ينتهي بإجراء انتخابات تؤدي إلى تسليم السلطة للمدنيين ووقف تدخل الجيش في السياسة، على أن تتقاسم القوى المنضوية في مجلس السيادة الرئاسة على فترتين، الفترة الأولى لـ 21 شهراً يرأسها عضو يختاره العسكر، والثاني لـ 18 شهراً برئاسة عضو من اختيار المدنيين، لتبدأ الفترة الأولى برئاسة، عبد الفتاح البرهان.

في 20 أغسطس، عيّن المجلس، عبد الله حمدوك، رئيساً للوزراء، في خطوة لتحقيق التحول الديمقراطي الذي تضمنه مشروع الإعلان الدستوري الذي أعقب الإطاحة بالشير.

 

الانتقال الديمقراطي نحو المجهول

في 25 أكتوبر 2021، قاد عبد الفتاح البرهان انقلاباً متدرجاً على السيادة المدنية، فاعتقل رئيس الوزراء وعشرات المسؤولين المدنيين، قبل أن يعيده إلى منصبه بعد شهر من الاعتقال، غير أن حمدوك خرج ليعلن في يناير 2022، استقالته؛ احتجاجاً على مقتل متظاهرين رافضين للانقلاب.

قبل ذلك، وفي نوفمبر 2021، أقدم البرهان على تشكيل مجلس سيادة انتقالي جديد استبعد منه الممثلين عن قوى الحرية والتغيير، وهو ما فهم تعطيلاً لمسار الانتقال الديمقراطي المتوفق عليه، وعودة لتأسيس حكم عسكري، حيث البرهان بمنصبه رئيساً للمجلس، فيما واصل قائد قوات الدعم السريع، محمد دقلو، المتهم بارتكاب جرائم ضد السودانيين، بموقعه نائباً أوّل لرئيس المجلس.

أدى الانقلاب إلى تأجيج الشارع السوداني، فتواصل خروج التظاهرات الرافضة لإحباط مسار التحول الديمقراطي، كما قوبل انقلاب البرهان بمعارضة إقليمية ودولية.

فتح الجيش مفاوضات غير مباشرة مع قوى الحرية والتغيير، تطورت إلى مفاوضات مباشرة أثمرت في ديسمبر 2022، عن توقيع اتفاق مع القادة المدنيين يُمهد لاستعادة مسار التحول الديمقراطي في البلاد، وهو الاتفاق الذي أصبح مصيره على المحك في ظل المعارك المتجدّدة.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا
عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا

وسعت السلطات اللبنانية حملتها ضد اللاجئين السوريين لتطال أطفالهم، فوفقا لتقرير صدر قبل أيام عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، جاء فيه أن "السلطات المحلية والسياسيون في لبنان يحاولون فرض قيود تمييزية من شأنها أن تؤدي إلى حرمان عشرات آلاف الأطفال اللاجئين السوريين من حقهم في التعليم"، وتتضمن هذه القيود اشتراط حيازة إقامة صالحة كشرط للتسجيل في المدرسة.

وأشار تقرير المنظمة الدولية، الذي يحمل عنوان "أوقفوا تسييس تعليم الأطفال اللاجئين في لبنان"، إلى تغريدة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "إكس" في يوليو الماضي، والتي طلب من خلالها من وزير التربية عباس الحلبي، أن يصدر تعميماً "للمدارس كلها على اختلافها، بعدم قبول أي طالب أجنبي سوري أو سواه ليس بحوزته إقامة صالحة وصادرة عن الأمن العام اللبناني".

ومن بين البلديات التي اتخذت هذا الإجراء، بلدية القاع، التي أصدرت في 22 يوليو تعميماً دعت فيه مديري المدارس الرسمية والخاصة والجمعيات التعليمية إلى عدم تسجيل أي تلميذ سوري دون التأكد من حيازته وأهله على إقامة شرعية صادرة عن الأمن العام اللبناني ومسجل في البلدية.

بررت البلدية تعميمها، بأنه يستند إلى "قرارات الحكومة اللبنانية وتوصيات مجلس النواب، إضافة إلى رغبة المجتمع المحلي والأحزاب المؤثرة في القاع"، وادعت أن هذه الإجراءات تهدف إلى "الحد من أعباء وجود النازحين السوريين غير الشرعيين وترحيلهم إلى بلدهم".

 

وسبقت بلدية سن الفيل بلدية القاع في إصدار تعميم مشابه، طالبت فيه المدارس الرسمية والخاصة ضمن نطاقها بعدم تسجيل أي تلميذ سوري لا يحمل إقامة شرعية، تحت ذريعة "الحفاظ على حقوق المواطن اللبناني".

تأتي هذه التعميم ضمن سلسلة من الإجراءات التمييزية ضد اللاجئين السوريين التي اتخذتها السلطات المحلية اللبنانية، شملت تقييد قدرتهم على استئجار منازل وفتح محلات تجارية، وإجبارهم على تزويدها ببياناتهم الشخصية، وترحيل من لا يملكون أوراق قانونية من نطاقها.

غطاء حكومي بنكهة عنصرية؟

يؤكد رئيس بلدية سن الفيل، نبيل كحالة، أن التعميم الصادر عن بلديته، والذي يحظر تسجيل اللاجئين السوريين في المدارس إلا إذا كانوا يحملون إقامة قانونية، "يأتي تنفيذاً لقرارات وزير الداخلية بسام مولوي ومجلس الوزراء والأمن العام اللبناني".

ويوضح كحالة في حديث لموقع "الحرة" أنه "لا يكفي أن يكون لدى النازح السوري وثيقة تثبت تسجيله لدى الأمم المتحدة، نحن نطلب إقامة صادرة عن الأمن العام اللبناني لكي يتمكن من استئجار منزل والعمل والتحاق أطفاله بالمدارس."

أي مدرسة تخالف هذا القرار "سيتم تبليغ الجهات المعنية عنها"، كما ينبّه كحالة، مشدداً على أن "هذا الإجراء ليس عنصرياً، بل هو تنفيذ للقوانين اللبنانية وليس (لقوانين) الأمم المتحدة".

ويشير إلى أن "العديد من النازحين يحملون بطاقات مصرفية متعددة، ويقوم بعضهم بفتح مشاريع تجارية وتحويل الأموال إلى سوريا، وهو ما لا يتوافق مع الصورة النمطية للنازح الذي يُفترض ألا يعمل وأن يكون معتمداً على مساعدات الأمم المتحدة".

تصرّ السلطات اللبنانية على مطالبة اللاجئين السوريين بالحصول على إقامات قانونية، رغم "العقبات البيروقراطية والمعايير الصارمة المفروضة على تجديدها"، ونتيجة لذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأن "20% فقط من اللاجئين السوريين في لبنان يمتلكون وضع إقامة صالح".

وتشير المنظمة الدولية إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين علّقت التسجيل الرسمي للاجئين السوريين منذ عام 2015 استجابة لقرارات الحكومة اللبنانية، وبسبب ذلك، "يواجه 80% من أطفال اللاجئين السوريين في لبنان، الذين لم يسجلوا رسمياً ويفتقرون إلى الأوراق الثبوتية، خطر فقدان إمكانية الالتحاق بالمدارس".

"جريمة ضد الإنسانية"

يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، قرار منع أطفال اللاجئين السوريين غير الحائزين على إقامة قانونية من التسجيل في المدارس بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، مشيراً إلى أن "هذا الإجراء لم يسبق له مثيل في أي دولة في العالم، وهو وصمة عار على جبين لبنان، حيث يُمنع الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم المكفول بموجب القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل."

على مدى سنوات، واجه اللاجئون السوريون في لبنان، "الذين يقدّر عددهم بنحو 1.5 مليون شخص، خطاباً معادياً يحمّلهم مسؤولية الأزمات المتعاقبة على البلاد"، وفقاً لما ذكرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، "ما أدى إلى تعرّضهم للتمييز والعنف والترحيل الجماعي".

أما الآن، تستهدف السياسات المعادية للاجئين كما تشير المنظمة الدولية "إحدى أبسط الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، ألا وهي التعليم".

أظهرت إحصاءات عام 2023 أن "37% من الأطفال اللاجئين في لبنان على مستوى التعليم الأساسي لا يرتادون المدارس"، وفق ما تقوله المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، "وتعود هذه النسبة المرتفعة إلى عدم قدرة الأسر على تحمل تكاليف النقل والمواد التعليمية، مما يحرم العديد من الأطفال من حقهم في التعليم".

وتشدد المفوضية في حديث لموقع "الحرة" على أن "التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان وضروري لتنمية الأفراد والمجتمعات"، وفي ظل الوضع الصعب الذي يعيشه اللاجئون السوريون في لبنان، توضح المفوضية أن "تسعة من كل عشرة لاجئين يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، مما يدفع العديد من الأطفال لترك مقاعد الدراسة من أجل العمل لإعالة أسرهم".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان لموقع "الحرة" على أن "كل طفل يتمتع بحق أساسي في التعليم، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني"، لافتاً إلى أنه "يوجد في لبنان أكثر من 700 ألف طفل خارج المدارس ولا يتلقون التعليم، وهو رقم لا تستطيع البلاد أن تتحمل ارتفاعه أكثر من ذلك".

تداعيات خطيرة

الإجراءات التي اتخذتها بعض البلديات بحق أطفال اللاجئين السوريين تمثل وفق ما يقوله صبلوح "دعوة غير مباشرة لدفعهم إلى الشوارع وتهديد مستقبل جيل كامل، كما قد تؤدي هذه السياسات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في لبنان، وزيادة معدلات الجريمة والعنف، وتدهور الأوضاع الأمنية."

أما مفوضية شؤون اللاجئين فتشير إلى أن "الأطفال الذين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس يواجهون مخاطر متزايدة بالانخراط في عمالة الأطفال والتعرض لانتهاكات أخرى"، مؤكدة أنه "رغم التحديات الاقتصادية والمالية، تبذل الأمم المتحدة وشركاؤها قصارى جهدهم لضمان التحاق جميع الأطفال بالمدارس".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان على أن "عواقب عدم التحاق الأطفال بالمدرسة وخيمة. فعندما يُحرمون من التعليم، يصبحون أكثر عرضة للمخاطر مثل الزواج المبكر والاستغلال الجنسي والإساءة وعمل الأطفال".

ويشدد المكتب على التزام المنظمة الكامل إلى جانب شركائها بدعم الخطة الخمسية للتعليم العام في لبنان (2021-2025)، التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم العالي في يناير 2022، "هذه الجهود تهدف إلى ضمان التعليم الإلزامي من الصف الأول حتى التاسع لجميع الأطفال في لبنان، دون تمييز".

ويوضح أن "اليونيسف تتفهم التحديات الاقتصادية الكبيرة والضغوط المالية التي يواجهها لبنان" مؤكداً على أهمية التعاون المستمر مع وزارة التربية والشركاء الآخرين لضمان استمرار التعليم لجميع الأطفال في البلاد.

وكان وزير التربية والتعليم اللبناني، عباس الحلبي، أعلن خلال مقابلة مع صحيفة "لوريان لوجور" في 13 أغسطس 2024، أن الوزارة ملتزمة بالمبدأ الأساسي لـ "اتفاقية حقوق الطفل"، مؤكداً أن جميع الأطفال سيتم تسجيلهم في المدارس اللبنانية، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما أوردت "هيومن رايتس ووتش".

ومع بدء العام الدراسي الجديد، دعت المنظمة الدولية الجهات المانحة الأجنبية، التي قدمت تمويلاً كبيراً للتعليم في لبنان، إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للالتزام بتصريحات الحلبي.

كذلك يشير صبلوح إلى أن "لبنان يتلقى مساعدات دولية باسم اللاجئين السوريين وتعليمهم، وبالتالي لا يحق له منع أي طالب من التعليم بحجة تسوية الإقامة".

ويؤكد على ضرورة مساءلة من أصدر هذه التعاميم أمام القضاء اللبناني والمجتمع الدولي، معرباً عن دعمه الكامل لتقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي انتقد هذه السياسات، داعياً إلى التوقف الفوري عن هذه الإجراءات، التي وصفها بالعنصرية وغير الإنسانية.

ويشدد على أن "معالجة ملف اللاجئين يجب أن تتم بطرق تحترم كرامة الإنسان وتلتزم بأبسط حقوقه وفق الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان"، مشيراً إلى أن "الهدف من فرض قيود تعجيزية على اللاجئين هو دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم من خلال الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت بحثاً عن مستقبل أفضل".