جريدة "الزوراء" الصادرة عام 1869، تعتبر أقدم جريدة في العراق.

يرجع الباحثون الصحافة في العراق إلى العهد البابلي، حيث ظهرت صحف تسجل الحوادث اليومية، ومراسيم ملكية تُذيع الأوامر، فيما يعتبرون الحضارة الآشورية صاحبة السبق في الصحافة المصورة. لكنها صحافة جاءت منسجمة مع الدعاية السياسية لأفكار ومبادئ حكام ذلك العصر.

في العصر الحديث لم تخرج الصحافة في العراق عن النسق السابق، فكانت وسيلة للهيمنة ونشر الدعاية السياسية وصولاً إلى سيطرة الحزب، دون إغفال لبعض مراحل تحررها.

 

العثمانيون.. صحافة في تمجيد السلطان

ترتبط نشأة الصحافة العراقية بالوالي العثماني، مدحت باشا، حين أصدر فور تعيينه والياً على بغداد عام 1869، جريدة "الزوراء" التي تعدّ أقدم جريدة عراقية.

Sheno Raayak
بعد 15 سنة.. العراق كسب الانتخابات و'الصحافة الحرة نسبياً'
على الرغم من الجدل الدائر حول تأثير الحرب على العراق، إلا أن البلاد "تبني ديمقراطية مرنة" بل إن أمام العراق الآن فرصة معقولة للانضمام إلى نادٍ فريد، ويضم البلدان التي ترافقها القوات الأميركية نحو الحكم اللائق والنجاح الوطني.

صدرت الجريدة في ثماني صفحات باللغتين العربية والتركية، لتكون لسان حال الولاية، وجاء في عددها الأول: "تطبع في الأسبوع مرة يوم الثلاثاء وهي حاوية لكل نوع من الأخبار والحوادث الداخلية والخارجية".

يشير الأديب والصحافي العراقي، رفائيل بطي، في كتابه "الصحافة في العراق" إلى أن"الزوراء بإدارة مدحت باشا كانت صريحة اللهجة تدون الوقائع بحرية وتصدح بالحق"، ويوثّق لما بعد رحيل مدحت باشا عن بغداد في 1872، بالقول: "بعد ذهابه عاشت خلفه سبعة وأربعين عاماً تغيرت لهجتها وأصابها ما أصاب الصحافة العثمانية من الضغط والتشديد عليها وخنق الحريات".

إلى جانب الزوراء بدأت تظهر الصحف الرسمية خلال العهد العثماني في العراق. في عام 1885، أصدرت حكومة ولاية الموصل جريدة "الموصل"، لتصدر مرّة في الأسبوع باللغتين العربية والتركية، وأحياناً بالتركية فقط.

تكرر الحال في ولاية البصرة عام 1889، بإصدار جريدة "البصرة" باللغتين العربية والتركية، التي استمرت بالصدور حتى الاحتلال البريطاني عام 1914.

عرفت الصحافة في العهد العثماني غياباً واضحاً للحريات وسيطرة للحكومات، حتى أن الصحف الأدبية والعلمية كانت تضخع لرقابة صارمة في ظلام الاستبداد، يورد كتاب رفائيل.

ويصف الأديب، سلمان فيضي، في كتابه "في غمرة النضال" حال الصحافة آنذاك: " كان هناك صحيفة واحدة في مركز كل ولاية من الأقاليم العثمانية يديرها موظف حكومة مسؤول، تشغل معظم صفحاتها بمديح السلطان والدعاء له".

ويتابع: "لم تكن الحكومة لتمنح امتيازاً لأية صحيفة أخرى مهما كان نوعها، والتضييق على حرية الصحافة لم يكن قاصراً على عدم إصدار صحف إلا الصحف الرسمية ولكن كان ممنوعاً دخول الصحف من الخارج".

بدأت الحقبة الدستورية الثانية في الخلافة العثمانية عام 1908، ومعها رُفعت القيود عن الصحافة وسمح بإصدار الجرائد والمجلات.

أقبل العراقيون على إصدار الصحف والمجلات التي زاد عددها خلال سنتين على 25 جريدة ومجلة، لكن الانفتاح رافقه العديد من الآفات، منها وفق رفائيل "غياب الخبرة، والمغالاة السياسية، والعجز عن تحويلها إلى مشاريع اقتصادية".

 

البريطانيون.. الصحافة في خدمة الدعاية

أول ما فعله البريطانيون عند احتلال البصرة عام 1914، كان إغلاق جريدة "البصرة" ومصادرة مطبعة الولاية الرسمية والسيطرة على المطابع الأهلية. بذلك صمتت كل الأصوات باستثناء صوت الاحتلال الذي راح يصدر نشرة يومية باللغتين العربية والإنجليزية تضع الرأي العام بصورة المعارك من وجهة النظر البريطانية، في نفس العام تحولت النشرة إلى جريدة "الأوقات البصرية".

وأعلى الاحتلال البريطاني من قيمة الدعاية وفقاً لكتاب "الصحافة في العراق"، إذ كانت الصحافة الوسيلة الأساسية لتحقيقها. ويتضح ذلك النهج بإصدارهم فور احتلال بغداد عام 1917، جريدة أطلقوا عليها "العرب" لبثّ الدعاية البريطانية، كما جعلوا من جريدة "الموصل" وسيلة لنشر بياناتهم، وهي الصحف التي زالت بزوال الاحتلال.

 

ولما منع الاحتلال البريطاني إصدار أي جريدة سياسية غير الجرائد الرسمية، توجه العراقيون إلى قراءة الصحف السورية والمصرية الحرة التي كانت حافلة بالحملات ضد سياسة الدول الأوروبية، كما يشير محمد مهدي البصير، في كتاب "تاريخ القضية العراقية"، معتبراً أن منع إصدار الصحف من الأخطاء التي وقع فيها الاحتلال البريطاني.

وشهدت تلك الفترة قيام الأحزاب السرية بتأسيس عدد من الصحف تحرض على الاحتلال البريطاني وتحشد من أجل الثورة عليه، على غرار صحيفة "الاستقلال" في بغداد، وصحيفة "الفرات" في النجف.

 

المملكة.. صحف متعددة وقيود نقابية

بعد إغلاق جريدة "العرب" عام 1919، بقي العراق عامين دون جريدة رسمية حتى إصدار جريدة "مجلة العدلية" بتوجيه من وزارة العدل في المملكة العراقية، قبل أن تتحول إلى "الوقائع العراقية". بالتزامن تساهلت الحكومة في منح ترخيض إصدار الصحف، فطهرت أربع صحف في العام الأول من عمر المملكة.

غالبية تلك الصحف وما تبعها صدرت من قبل أحزاب أو صحافيين منغمسين في العمل السياسي، فصارت الجرائد تصدر بتوجهات تعارض مواقف وسياسات الحكومات وتلعب دوراً في تأجيج الشارع العراقي ضد السياسات الرسمية.

بالتوازي مع الحرية النسبية في إصدار الصحف، وقف العهد الملكي موقفاً متشدداً ضد حرية التنظّيم النقابي المنصوص عليه في قانون المطبوعات الذي وقعه الملك فيصل الأول، فحالت الحكومات المتعاقبة وإنشاء نقابة أو جسم تنظيمي.

وعندما نجح الصحافيون في تأسيس "جمعية الصحافة العراقية" عام 1948، سارعت الحكومة في عام 1952، إلى تعطيلها لينتهي العهد الملكي دون نقابة للصحافيين".

 

الجمهورية.. تنظيم نقابي وغياب للحريات

شهد العهد الجمهوري توسعاً في إنشاء النقابات العمالية والمهنية، حيث تمكن الصحافيون في عام 1959، من تأسيس نقابتهم بشكل رسمي وأصبح الشاعر محمد مهدي الجواهري، أول نقيب للصحافيين العراقيين.

عند قيام الجمهورية كان عدد الصحف التي تصدر في بغداد سبع، وفي اليوم الثاني للانقلاب (الثورة) صدرت صحيفة "الجمهورية"، وبعدها توالت الصحف التي جاءت لتعبر عن الانقسام السياسي الحاصل في البلاد بين التوجهات القومية والشيوعية.

Iraqi soldiers patrol downtown Baghad 08 February 1963 after members of the pan-Arab Ba'ath (Renaissance) party led a…
انقلاب 8 شباط.. القوميون والبعثيون يستولون على السلطة
سلم رئيس الوزراء عبد الكريم قاسم نفسه ظهيرة 9 شباط 1963، واقتيد إلى أستوديو التلفزيون حيث جرت محاكمته من قبل محكمة خاصة شكلت برئاسة عبد الغني الراوي، وحكم عليه ورفاقه بالإعدام رميا بالرصاص وعرضت صورهم بعد تنفيذ الحكم على شاشة التلفزيون العراقي.

انعكست الغلبة السياسية على واقع الصحف وقدرتها على الصدور، فصارت تتوقف تبعاً للواقع السياسي السائد. وبعد سيطرة البعثيين على الحكم عام 1963، جرى إلغاء جميع امتيازات الصحف التي كانت تصدر في العهد السابق، وأصبحت جريدة "الجماهير" جريدة الحزب المركزية، إلى جانب إصدار العديد من الصحف والمجلات من قبل المنظمات الحزبية.

فرضت الدولة رقابة صارمة على الصحافة وسيطرت عليها من خلال جملة من القوانين، مثل قانون المطبوعات لعام 1964، وقانون المؤسسة العامة لتنظيم الصحافة والطباعة الصادر عام 1967، لتصبح الصحافة سلاحاً في يد الحزب.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Israeli raid in Jenin
من صور الاجتياح الإسرائيلي لمدينة جنين ومخيمها- تعبيرية

تستمر العملية العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية لليوم الثامن على التوالي، وسط تقديرات رسمية فلسطينية بأن "نحو 70 بالمئة من البنى التحتية والشوارع في جنين دُمرت بالكامل".

ويواصل الجيش الإسرائيلي تفجير منازل في مخيم جنين، مع استمرار حصاره وتدمير البنى التحتية لمعظم شوارع المخيم، فيما تدوي أصوات انفجارات.

وقال رئيس بلدية جنين، نضال أبو الصالح، لقناة "الحرة"، إن "ما يقرب من 70 بالمئة من الشوارع والبنى التحتية دُمرت حتى الآن، وتبلغ الخسائر بشكل تقديري حوالي 50 مليون شيكل (نحو 13.5 مليون دولار)".

ووصف أبو الصالح الأوضاع في جنين بـ"المنكوبة"، في ظل استمرار العمليات الإسرائيلية "واجتياح المخيم ومحاصرة المشافي، والاعتداء على منازل الفلسطينيين وتفجيرها، واحتلال قسم منها وإجبار سكانها على النزوح".

من جانبه، يقول الجيش الإسرائيلي إنه يستهدف مواقع "للمخربين" الذين يتهمهم بتنفيذ عمليات ضد القوات والمواطنين الإسرائيليين.

واتهم رئيس بلدية جنين الجيش الإسرائيلي بـ"استهداف كل من يتحرك أمامه بالرصاص"، مضيفًا أن "معظم القتلى المدنيين قتلوا أمام منازلهم".

وقُتل جندي إسرائيلي في جنين، فيما قُتل 3 من ضباط الشرطة في حادث منفصل برصاص مسلح أطلق النار فيما يبدو على سيارتهم بالقرب من الخليل، في جنوب الضفة الغربية، وفق رويترز.

" موت بطيء"

ويعمل مئات الجنود الإسرائيليين مع دعم من طائرات هليكوبتر وطائرات مسيرة، في جنين وطولكرم ومناطق أخرى بالضفة الغربية، منذ الأسبوع الماضي، في حملة يقول الجيش إنها تستهدف "التصدي لجماعات مسلحة مدعومة من إيران".

ومع استمرار الوضع، حذر عمال الإغاثة من أن الناس في المنطقة "يعانون من نقص الغذاء والمياه".

أفراد من الجيش الإسرائيلي في جنين بالضفة الغربية
فيما حذر أبو الصالح من أن استمرار هذه العملية في جنين هو "عقاب جماعي للفلسطينيين وموت بطيء للسكان، في ظل انقطاع المواد الغذائية والأدوية، خاصة حليب الأطفال، وتدهور وضع كبار السن والمرضى، مما ينذر بكارثة إنسانية داخل المدينة ومخيمها، مع صعوبة مد السكان بالغذاء والمياه بسبب استهداف الجيش لطواقم الإسعاف".

وأسفرت العملية العسكرية الإسرائيلية في الضفة عن مقتل 33 فلسطينيا وإصابة أكثر من 130 آخرين، من بينهم أطفال ومسنين، وفق تقديرات رسمية.

ومع تصاعد من العنف في الضفة الغربية منذ بدء حرب غزة في أكتوبر، قُتل نحو 680 فلسطينيا بين مسلحين من الفصائل وشباب يلجأون للحجارة ومدنيين، فيما لقي أكثر من 20 إسرائيليا حتفهم في هجمات فلسطينية، وفق رويترز.

"أوضاع خطيرة" في طولكرم

من جانبه، قال رئيس اللجنة الشعبية لخدمات مخيم طولكرم، فيصل سلامة، في اتصال هاتفي مع قناة "الحرة"، إن "الحصار المشدد لا يزال مستمرا، حيث تغلق الآليات العسكرية كل الطرق"، مشددا على أن "خسائر التدمير الإسرائيلي تقدر بملايين الدولارات، من بنية تحتية وصرف صحي وكهرباء واتصالات ومياه".

واتهم الجيش الإسرائيلي "بتعمد تدمير ممتلكات المواطنين الخاصة، من بينها محال تجارية ومركبات وبيوت سكنية"، ووصف أوضاع المدنيين بأنها "في غاية الصعوبة والخطورة، لوجود عدد من المرضى، ونقص الغذاء والدواء وعدم وجود أية وسيلة حتى الآن لإيصال الطعام والمياه لسكان المخيم، خاصة الأطفال".

وقال إن الجيش الإسرائيلي "اتخذ من منازل المواطنين ثكنات عسكرية، واحتجز عددا من المواطنين داخل منازلهم ومنعهم من الحركة".

وأعلن الجيش الإسرائيلي، الخميس، مقتل 5 فلسطينيين من بينهم أحد قادة "سرايا القدس" التابعة لمنظمة "الجهاد الإسلامي" في طولكرم.

وقال الجيش في بيان، إنه "خلال عملية نفذها أفراد الوحدة الشرطية الخاصة وقوات جيش الدفاع في طولكرم، وبعد تبادل لإطلاق النار، قضى أفراد الوحدة الشرطية الخاصة بتوجيه من جهاز الشاباك على 5 مخربين اختبأوا داخل مسجد".

وتابع البيان: "من بين المخربين الذين تم القضاء عليهم، المدعو محمد جابر الملقب بأبي شجاع، قائد الشبكة الإرهابية في مخيم نور شمس. المدعو أبو شجاع كان متورطًا في العديد من العمليات الإرهابية، وبتوجيه عملية إطلاق النار في شهر يونيو الماضي، التي أسفرت عن مقتل المواطن الإسرائيلي أمنون مختار. كما كان المدعو محمد جابر متورطًا في عملية إرهابية أخرى".

وطالب المسؤولان الفلسطينيان بـ"توفير الحماية الدولية لسكان المخيمات ووقف الاعتداءات". وقال فيصل إن ما تشهده مدينة طولكرم ومخيمها "لم يحدث له مثيل منذ الانتفاضتين الأولى والثانية".

فيما دعا رئيس بلدية جنين المجتمع الدولي بوقف ما وصفه بـ"العدوان غير المبرر على جنين، وتضخيم الجيش الإسرائيلي لعملياته فيها، تحت حجة وجود مسلحين، ومهاجمة البنى التحتية لهم".