يرجع الباحثون الصحافة في العراق إلى العهد البابلي، حيث ظهرت صحف تسجل الحوادث اليومية، ومراسيم ملكية تُذيع الأوامر، فيما يعتبرون الحضارة الآشورية صاحبة السبق في الصحافة المصورة. لكنها صحافة جاءت منسجمة مع الدعاية السياسية لأفكار ومبادئ حكام ذلك العصر.
في العصر الحديث لم تخرج الصحافة في العراق عن النسق السابق، فكانت وسيلة للهيمنة ونشر الدعاية السياسية وصولاً إلى سيطرة الحزب، دون إغفال لبعض مراحل تحررها.
العثمانيون.. صحافة في تمجيد السلطان
ترتبط نشأة الصحافة العراقية بالوالي العثماني، مدحت باشا، حين أصدر فور تعيينه والياً على بغداد عام 1869، جريدة "الزوراء" التي تعدّ أقدم جريدة عراقية.
صدرت الجريدة في ثماني صفحات باللغتين العربية والتركية، لتكون لسان حال الولاية، وجاء في عددها الأول: "تطبع في الأسبوع مرة يوم الثلاثاء وهي حاوية لكل نوع من الأخبار والحوادث الداخلية والخارجية".
يشير الأديب والصحافي العراقي، رفائيل بطي، في كتابه "الصحافة في العراق" إلى أن"الزوراء بإدارة مدحت باشا كانت صريحة اللهجة تدون الوقائع بحرية وتصدح بالحق"، ويوثّق لما بعد رحيل مدحت باشا عن بغداد في 1872، بالقول: "بعد ذهابه عاشت خلفه سبعة وأربعين عاماً تغيرت لهجتها وأصابها ما أصاب الصحافة العثمانية من الضغط والتشديد عليها وخنق الحريات".
إلى جانب الزوراء بدأت تظهر الصحف الرسمية خلال العهد العثماني في العراق. في عام 1885، أصدرت حكومة ولاية الموصل جريدة "الموصل"، لتصدر مرّة في الأسبوع باللغتين العربية والتركية، وأحياناً بالتركية فقط.
تكرر الحال في ولاية البصرة عام 1889، بإصدار جريدة "البصرة" باللغتين العربية والتركية، التي استمرت بالصدور حتى الاحتلال البريطاني عام 1914.
عرفت الصحافة في العهد العثماني غياباً واضحاً للحريات وسيطرة للحكومات، حتى أن الصحف الأدبية والعلمية كانت تضخع لرقابة صارمة في ظلام الاستبداد، يورد كتاب رفائيل.
ويصف الأديب، سلمان فيضي، في كتابه "في غمرة النضال" حال الصحافة آنذاك: " كان هناك صحيفة واحدة في مركز كل ولاية من الأقاليم العثمانية يديرها موظف حكومة مسؤول، تشغل معظم صفحاتها بمديح السلطان والدعاء له".
ويتابع: "لم تكن الحكومة لتمنح امتيازاً لأية صحيفة أخرى مهما كان نوعها، والتضييق على حرية الصحافة لم يكن قاصراً على عدم إصدار صحف إلا الصحف الرسمية ولكن كان ممنوعاً دخول الصحف من الخارج".
بدأت الحقبة الدستورية الثانية في الخلافة العثمانية عام 1908، ومعها رُفعت القيود عن الصحافة وسمح بإصدار الجرائد والمجلات.
أقبل العراقيون على إصدار الصحف والمجلات التي زاد عددها خلال سنتين على 25 جريدة ومجلة، لكن الانفتاح رافقه العديد من الآفات، منها وفق رفائيل "غياب الخبرة، والمغالاة السياسية، والعجز عن تحويلها إلى مشاريع اقتصادية".
البريطانيون.. الصحافة في خدمة الدعاية
أول ما فعله البريطانيون عند احتلال البصرة عام 1914، كان إغلاق جريدة "البصرة" ومصادرة مطبعة الولاية الرسمية والسيطرة على المطابع الأهلية. بذلك صمتت كل الأصوات باستثناء صوت الاحتلال الذي راح يصدر نشرة يومية باللغتين العربية والإنجليزية تضع الرأي العام بصورة المعارك من وجهة النظر البريطانية، في نفس العام تحولت النشرة إلى جريدة "الأوقات البصرية".
وأعلى الاحتلال البريطاني من قيمة الدعاية وفقاً لكتاب "الصحافة في العراق"، إذ كانت الصحافة الوسيلة الأساسية لتحقيقها. ويتضح ذلك النهج بإصدارهم فور احتلال بغداد عام 1917، جريدة أطلقوا عليها "العرب" لبثّ الدعاية البريطانية، كما جعلوا من جريدة "الموصل" وسيلة لنشر بياناتهم، وهي الصحف التي زالت بزوال الاحتلال.
ولما منع الاحتلال البريطاني إصدار أي جريدة سياسية غير الجرائد الرسمية، توجه العراقيون إلى قراءة الصحف السورية والمصرية الحرة التي كانت حافلة بالحملات ضد سياسة الدول الأوروبية، كما يشير محمد مهدي البصير، في كتاب "تاريخ القضية العراقية"، معتبراً أن منع إصدار الصحف من الأخطاء التي وقع فيها الاحتلال البريطاني.
وشهدت تلك الفترة قيام الأحزاب السرية بتأسيس عدد من الصحف تحرض على الاحتلال البريطاني وتحشد من أجل الثورة عليه، على غرار صحيفة "الاستقلال" في بغداد، وصحيفة "الفرات" في النجف.
المملكة.. صحف متعددة وقيود نقابية
بعد إغلاق جريدة "العرب" عام 1919، بقي العراق عامين دون جريدة رسمية حتى إصدار جريدة "مجلة العدلية" بتوجيه من وزارة العدل في المملكة العراقية، قبل أن تتحول إلى "الوقائع العراقية". بالتزامن تساهلت الحكومة في منح ترخيض إصدار الصحف، فطهرت أربع صحف في العام الأول من عمر المملكة.
غالبية تلك الصحف وما تبعها صدرت من قبل أحزاب أو صحافيين منغمسين في العمل السياسي، فصارت الجرائد تصدر بتوجهات تعارض مواقف وسياسات الحكومات وتلعب دوراً في تأجيج الشارع العراقي ضد السياسات الرسمية.
بالتوازي مع الحرية النسبية في إصدار الصحف، وقف العهد الملكي موقفاً متشدداً ضد حرية التنظّيم النقابي المنصوص عليه في قانون المطبوعات الذي وقعه الملك فيصل الأول، فحالت الحكومات المتعاقبة وإنشاء نقابة أو جسم تنظيمي.
وعندما نجح الصحافيون في تأسيس "جمعية الصحافة العراقية" عام 1948، سارعت الحكومة في عام 1952، إلى تعطيلها لينتهي العهد الملكي دون نقابة للصحافيين".
الجمهورية.. تنظيم نقابي وغياب للحريات
شهد العهد الجمهوري توسعاً في إنشاء النقابات العمالية والمهنية، حيث تمكن الصحافيون في عام 1959، من تأسيس نقابتهم بشكل رسمي وأصبح الشاعر محمد مهدي الجواهري، أول نقيب للصحافيين العراقيين.
عند قيام الجمهورية كان عدد الصحف التي تصدر في بغداد سبع، وفي اليوم الثاني للانقلاب (الثورة) صدرت صحيفة "الجمهورية"، وبعدها توالت الصحف التي جاءت لتعبر عن الانقسام السياسي الحاصل في البلاد بين التوجهات القومية والشيوعية.
انعكست الغلبة السياسية على واقع الصحف وقدرتها على الصدور، فصارت تتوقف تبعاً للواقع السياسي السائد. وبعد سيطرة البعثيين على الحكم عام 1963، جرى إلغاء جميع امتيازات الصحف التي كانت تصدر في العهد السابق، وأصبحت جريدة "الجماهير" جريدة الحزب المركزية، إلى جانب إصدار العديد من الصحف والمجلات من قبل المنظمات الحزبية.
فرضت الدولة رقابة صارمة على الصحافة وسيطرت عليها من خلال جملة من القوانين، مثل قانون المطبوعات لعام 1964، وقانون المؤسسة العامة لتنظيم الصحافة والطباعة الصادر عام 1967، لتصبح الصحافة سلاحاً في يد الحزب.

