لا يستطيع افراد مجتمع الميم في العراق التعبير عن "فخرهم" بهويتهم الجنسية (الصورة تعبيرية)

شهر "الفخر"، الذي يصادف يونيو من كل عام، ويهدف إلى تسجيل موقف سنوي ضد التمييز والعنف الممارس على الأشخاص المثليين والمثليات ومزدوجي الميول الجنسية والعابرين جنسياً، يحلّ هذا العام على مجتمع الميم-عين العراقي وأوضاع أفراد هذا المجتمع مقلقة مع استمرار التضييق.

أحد الناشطين العراقيين من مجتمع الميم-عين ويدعى كالي، يتردد إلى العراق من وقت إلى آخر بعد تركه البلاد نتيجة رهاب المثلية في بلاده، يقول لمنصة "عراق كوير" التابعة للمنظمة التي تحمل الاسم نفسه، إنه خلال زيارته الأخيرة لاحظ أن "الوضع بالنسبة للأشخاص الذين يعملون كناشطين صعب جداً".

وأضاف أنه على تواصل  مع العديد من الأشخاص الذين يعملون في منظمات للمثليين وأيضاً أشخاص آخرين يعملون في المنظمات النسوية، وأنه "على الرغم من عدم إقرار قانون تجريم المثلية، إلا أن القانون يُمارس على أرض الواقع والأفراد الذين تعلم الشرطة أو قوات الأمن بنشاطاتهم في الموضوعات المذكورة يتم استجوابهم ومحاسبتهم".

قانون تجريم المثلية، الذي يتحدث عنه كالي، هو مشروع حاول نوّاب فاعلون في "اللجنة القانونية" التي تضم تيارات مختلفة داخل البرلمان تمريره بعد حملات قامت بها أحزاب على رأسها التيار الصدري، الذي يواضب زعيمه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر على الإدلاء بتصريحات ضد مجتمع الميم، والدعوة إلى تجريم المثلية. وقد أطلق الصدر في نهاية العام 2022 حملة توقيعات لمناهضة المثلية.

منظمة "عراق كوير" أصدرت حينذاك بياناً اعتبرت فيه أن "القانون المقترح يشكّل هجومًا آخر من قبل المسؤولين العراقيين على مجتمع الميم عين". وتابعت أنه "منذ ما يقرب من عقدين من الزمن كان أفراد الميم عين العراقيون ضحايا للاغتصاب والتعذيب والقتل". واتهمت المنظمة الحكومة العراقية، ليس فقط بـ"الفشل في وضع حد لهذه الجرائم"، بل "ارتكبت بالفعل العديد منها من خلال قوات الشرطة والجماعات المسلحة".

وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية أصدرت في العام الماضي تقريراً يتهم جماعات مسلحة في العراق بـ"اختطاف واغتصاب وتعذيب وقتل متحولين ومتحولات ومثليين ومثليات ومزدوجي الميول الجنسية، مع الإفلات من العقاب وفشل الحكومة العراقية في محاسبة الجناة".

وذهب التقرير إلى اتهام الشرطة وقوات الأمن العراقية بـ"التواطؤ في كثير من الأحيان لمضاعفة أعمال العنف ضد مجتمع الميم وباعتقال أفراد بسبب مظهرهم".

وتضمن التقرير شهادات لأفراد من مجتمع الميم عمّا تعرّضوا له في العراق على أيدي الجماعات المسلّحة. وقالت إحدى العابرات جنسياً لـ"هيومن رايتس ووتش" إن رجالاً ضربوها وطعنوها وألقوها في صندوق قمامة وأضرموا النار فيها قبل أن ينقذها آخرون في آخر لحظة، كما تحدث رجل مثلي للمنظمة الحقوقية عن قتل صديقه أمام عينه.

وفي فترة سيطرة تنظيم "داعش" على مناطق واسعة من العراق وسوريا بين عامي 2014 و2017، مارس التنظيم أبشع أنواع القتل وحشية لمن يشتبه في أنهم ينتمون إلى مجتمع الميم. وقام عناصر من هذا التنظيم برمي "متهمين" بالمثلية من فوق أسطح المباني في تنفيذ لعقوبة يدعي التنظيم أنها "إسلامية" بأن يرمى المثليون من مكان عالٍ أو يرجمون بالحجارة.

وقد صوّر التنظيم مقاطع فيديو لجرائمه المروّعة بحق المثليين وأفراد مجتمع الميم الذين ألقى القبض عليهم في سوريا والعراق.

حال مجتمع الميم- عين لم يكن أفضل قبل سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، بل إن النظام السابق مارس منذ بداية التسعينات قمعاً وتنكيلاً بحق المثليين، بعد أن كانت فترة الثمانينات، وتحديداً فترة الحرب العراقية- الإيرانية تشهد تسامحاً مع المثليين لأن ذلك كان يخدم سياسة صدّام في حربه ضد نظام متشدد في إيران.

وبحسب مقال نشر في العام 2003 في نيويورك تايمز، فإن العراق شهد "منذ منتصف الثمانينات وحتى أوائل التسعينات ازدهار الحياة الليلية لأفراد مجتمع الميم في الوقت الذي كانت فيه إيران تتجه إلى النقيض بعد الثورة الإسلامية في العام 1979".

ولكن كل شيء تغير في التسعينات ، مع اضطرار صدّام حسين بعد الحصار وحرب الخليج الأولى والانتفاضات التي شهدتها مناطق في العراق ضد حكمه،  إلى إضفاء صبغة من "التديّن" على نظامه عبر ما سميّ بـ"حملة العودة إلى الإيمان".

ترافقت هذه الحملة مع إضافة عبارة "الله أكبر" إلى العلم العراقي وإغلاق العديد من الملاهي الليلية في بغداد، كما يشير موسى شديدي في كتابه "المثلية الجنسية في غزو العراق".

ويقول شديدي أن صدّام في التسعينات و"كمحاولة لغسل يديه من كل ما حدث واسترجاع تأييد الشعب المتدين، كان يجب عليه أن يصور نفسه كحامي الأخلاق وشرف البلاد".

ويستشهد الناشط العراقي في مجتمع الميم بمقال منشور في مجلة "دراسات المرأة في الشرق الأوسط"، صادر في العام 2016، يذكر حادثة عن لقاء صدام حسين مع شيوخ عشائر مدينة الصدر (كانت تسمى مدينة صدّام سابقا) سنة 1991، وفيه يقول صدام: "اولئك الذين يصبغون شعرهم بالأخضر والأحمر من العار عليكم تركهم أحياء. يجب عليكم قتلهم بأيديكم، هؤلاء الذين يلونون شعرهم ويضعون أحمر الشفاه كالنساء، أنا أقول لكم يجب ذبحهم على مسؤوليتي".

لكن شديدي يقول إن ما يثير للاهتمام والإعجاب هو أن "شيوخ العشائر لم يسايروه في مبتغاه بل أخبروه أن ما يسبب عدم الاستقرار في الحي هو فرار الجنود من الخدمة العسكرية".