يحلّ عيد الأب في لبنان، الموافق 21 يونيو، على غرار السنوات التي طبعتها الأزمة بحال من الارتباك من عدم القدرة على توفير هدية بالتوازي مع شعور الآباء بالخيبة من عدم قدرتهم على تأمين الأمان والقوت لعائلاتهم.
الرواتب التقاعدية حبر على ورق، واستعارات الأب أفرغت من مضمونها والتكريم الأول هو في المكان الأوفر، وهو العالم الافتراضي.. بعض ملامح هذه السنة.
مصرف "مسدود"
من أكثر الشرائح تضررا في المجتمع اللبناني وتحديدا في خانة الآباء، الذين بلغوا 64 عاما أي وصلوا إلى سن التقاعد. هؤلاء لا يعيشون تجربة جديدة فحسب على المستوى المهني والشخصي، بل على المستوى الاقتصادي وبشكل مضاعف.
يشرح المصرفي محمد رضوان (اسم مستعار)، لـ"ارفع صوتك"، أن عددا من العاملين في القطاع العام مثل شركة كهرباء لبنان طلب إيداع شيك استلمه من المؤسسة عند تقاعده.
"المبلغ يعتبر كبير نسبيا وهذا يعني أن هذه الورقة التي يمثلها الشيك تبعث شعورا بالأمان والاستقرار لدى الموظفين المتقاعدين حيث يخيل لهم أن لديهم ما يكفي من المال لتأمين حياة كريمة في السنوات اللاحقة. لكنهم سرعان ما يدركون أن المصارف لا تقبل كلها بالشيكات، خصوصا إذا كان صاحبها يريد إيداعها في مصرف ليس في الأساس المصرف الذي كان المعاش موطنا فيه"، يوضح رضوان.
زاهي أحد هؤلاء المتقاعدين.. وجد نفسه بعد زهاء 30 عاما من الخدمة على "باب مقفل بوجه الأمل"، على حد تعبيره.
يقول بأسى، لـ"ارفع صوتك": "كيف لي أن أعيش وأسرتي وبيدنا ورقة ليس لها أي معنى؟ لا يقبل بها أحد، وإن قبل فمقابل نسبة شهرية متدنية للغاية. بتّ اليوم أتقاضى 40 دولارا شهريا. أحتاج لأدوية تتعدى ضعف هذا المبلغ شهريا فأنا مريض ضغط وسكري".
لا راحة للآباء المتقاعدين.. بعد سنين التعب، "إما نعمل وإما نشحد"، يقول أبو حمزة، ستيني يعمل بائع أكياس محارم على تقاطع طرقات في مدينة صيدا الجنوبية.
يضع قميصه على رأسه ليقيه حر الشمس ويجول بين السيارات وقد أثقل حركته المرض والأسى الذي بان على وجهه. ثم هناك آخر يجر عربة فول، وغيره من يبيع الطبول وآخر يساعد ابنه في "أعمال العتالة" (أي نقل الأوزان الثقيلة). يقول أحدهم: "كيف أتقاعد؟ أأرتاح بينما ابني يشتري بالكاد ربطة الخبز؟".
استعارات فقدت مغزاها
في سياق متصل، صورة الوطن الأب هي الأكثر تزعزعا في هذه المعادلة. ففي لبنان، تمت الاستعانة بالاستعارة المجازية للأب في أكثر من مناسبة، على سبيل المثال كما يشرح الباحث الاجتماعي محمد علي، "استخدمت بي الكل أي أب الجميع لتوصيف رئيس الجمهورية، لكن هذا الأب رحل منذ أشهر طويلة والبلاد غارقة في الفراغ".
وترد هذه الاستعارة في موضع آخر ضمن مثل شعبي هو "البيت بيت أبونا والناس بيخانقونا". يضيف علي لـ"ارفع صوتك": "في لبنان، لا يشعر اللبنانيون فعلا كمن في بيت أبيه، بل على العكس تماما. يشعرون بأنهم غرباء لسببين: أولا، بسبب الهجرة التي تفرض عليهم هربا من العوز، وثانيا، بسبب التدخلات الخارجية في القرارات الوطنية وأولها اتمام الاستحقاق الأهم ألا وهو انتخاب رئيس للبلاد".
عيد "افتراضي" بامتياز
تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، لا يمكن للبناني ذي الدخل المتواضع، أن يعثر ببساطة على هدية تناسب والده دون أن تفرغ جيبه.
تقارن زهرة شحادي، صاحبة محل للحلويات، الحال بين الحاضر وما قبل أربع سنوات: "في مثل هذه الفترة، كانت الطلبيات تنهال علينا. قوالب حلوى مخصصة لعيد الأب مع طلب تفاصيل تضيف عليها المزيد من الحميمية (صورة الأب وشطر من شعر أو رسالة معبرة مثلا). كنا نضيف التفاصيل لقالب الحلوى لنركز على معاني التضحية والكرم والأخلاق. أما اليوم، ربما لن يصدق أحد إن قلت أني لم أتلق سوى طلبيتين!".
"هذا لا يعني أن العيد فقد معناه، وإنما يذكرنا ببساطة أن سلم الأولويات قد تغير بشكل دراماتيكي: الغذاء والدواء أولا، ثم كل شيء آخر"، تضيف شحادي لـ"ارفع صوتك".
إزاء هذا الطوفان من العوائق، يجد اللبناني ملاذه الأفضل في العالم الافتراضي حيث ينشر صور والده ويحاول التعبير عن مشاعره بنص مرفق، فتنتشر الصور التي تنعي من سرقتهم الحياة من أولادهم، وتلك التي تكرر الشكر لوجود كنز الأبوة وتلك التي تعتب على غياب الزينة.
يختم محمد علي: "ربما آباء المغتربين أفضل حالا.. أو نرجو ذلك على الأقل، لأننا بحاجة للحفاظ على الهالة التي تضيفها صورة الأبوة للوجود، الأمان والطمأنينة للجميع، مهما تبدلت الظروف".
