في قرار وُصف بأنه "الأول من نوعه"، صوّتت الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة، أمس الخميس، على إنشاء مؤسسة مَعنيّة بالكشف عن مصير نحو 100 ألف شخص مفقودين أو مختفين قسرياً في سوريا.
وتبنّت الجمعية العامة القرار بأغلبية 83 صوتاً من أصل 193 دولة، بينما صوّتت 11 دولة ضد القرار، وامتنعت 62 دولة عن التصويت.
ومن خلال إنشاء هذه المؤسسة، يمكن للأمم المتحدة مساعدة عائلات المفقودين والمختفين قسرياً في العثور على بعض الإجابات حول مصير ذويهم.
وتشير إحصاءات المنظمات الحقوقية إلى أن نحو 100 ألف شخص في سوريا يُعدّون مفقودين أو مختفين قسرياً، دون وجود أي معلومات حول مصيرهم. ويتحمل النظام السوري مسؤولية الجزء الأكبر من التغييب.
ولم تكن جميع أطراف النزاع راغبة في معالجة هذه القضية، تاركةً الأقارب في حالة من المعاناة وعدم اليقين الدائم، بحسب بيان لمنظمة "العفو" الدولية.
وشددت رئيسة تشيلي السابقة التي كانت تتحدث في الذكرى
آلية العمل
بحسب نصّ القرار، اتفقت الدول الأعضاء في الجمعية العامة على أن تنشئ "تحت رعاية الأمم المتحدة، المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في الجمهورية العربية السورية، لجلاء مصير ومكان جميع المفقودين" في سوريا.
وتوفّر المؤسسة وسيلة واحدة لتسجيل القضايا وتوحيد المعلومات حول المختفين والمفقودين، والتنسيق مع الآليات القائمة الأخرى لمعالجة هذه المشكلة.
ولا يحدّد نص القرار طرائق عمل هذه المؤسسة، التي سيتعيّن على الأمين العام للأمم المتحدة تطوير "إطارها المرجعي" في غضون 80 يوماً، بالتعاون مع المفوض السامي لحقوق الإنسان.
ويشير القرار إلى من واجبها أن "تضمن المشاركة والتمثيل الكاملين للضحايا والناجين وأسر المفقودين، وأن تسترشد بنهج يركّز على الضحايا".
وحثّت الجمعية العامة للأمم المتحدة الدول الأعضاء و"جميع أطراف النزاع" في سوريا إلى "التعاون الكامل" مع المؤسسة الجديدة، في ظل توقّعات بعدم التزام النظام السوري بتطبيق هذه الدعوة.
جهود أممية وحقوقية
التصويت على القرار جاء بعد جهود من قبل الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية دعت إلى إنشاء هذه المؤسسة، بعد أن فقدت عوائل ضحايا الاختفاء القسري أيّ أمل بجهود محلّية لحلّ هذا الملف.
وفي أغسطس 2022، أوصى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بإنشاء هذه المؤسسة، وجدّد الدعوة في مارس الماضي، قائلاً إن السوريين "يستحقّون معرفة ما حدث لأحبائهم"، مشدداً على أهمية ذلك للعدالة وتحقيق السلام والمصالحة.
وأكد غوتيريش في جلسة عقدتها الجمعية العامة للاستماع إلى إحاطة حول تقرير الأمين العام عن المفقودين في سوريا، أن "مكان ومصير نحو 100 ألف سوري ما زالا مجهولَين، وإأ الناس في كل جزء من البلد ومن كل الفئات التي ينتمي إليها الفرقاء لديهم أحبّاء مفقودون، منهم أفراد أسر اختفوا قسراً واختُطفوا وعُذّبوا واحتُجزوا تعسّفاً".
وفي 24 يونيو الحالي، دعت منظمة "هيومن رايتس ووتش" و102 من المنظمات السورية والدولية، الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى التصويت لصالح تأسيس المؤسسة ذات الطابع الإنساني.
وقالت "هيومن رايتس ووتش"، في بيان، إن التصويت لصالح إنشاء المؤسسة "يُشكّل علامة فارقة في استجابة المجتمع الدولي للصراع السوري".
ولفتت إلى أن المؤسسة المستقلة "ستشكّل أول استجابة على الإطلاق للصراع السوري تم تصوّرها، والعمل عليها بالكامل من قبل الضحايا السوريين والناجين من الاختفاء القسري وعائلات الأشخاص المفقودين. كما أن الجهود التي تبذلها العائلات السورية بحاجة إلى أوسع وأقوى دعم ممكن".
وسبقت ذلك دعوة وجّهها عدد من خبراء الأمم المتحدة في 19 يونيو الحالي، للعمل على "إنشاء هيئة لحقوق الإنسان تُعنى بمعالجة مأساة المفقودين والمختفين قسراً في سوريا معالجةً مُجدِية".
وقال بيان للخبراء الأمميين "حان الوقت لإنشاء هذه المؤسسة التي طال انتظارها وتزويدها بولاية دولية فتُعنى بالكشف عن مصير الأشخاص المفقودين والمختفين قسراً وأماكن وجودهم، وتقديم الدعم لأسرهم".
وأضافوا أن "الهيئة الجديدة يجب أن تسترشد بنهج يتمحور حول الضحية والناجين، كما يجب استشارة الأسر وتمكينها من المشاركة في جميع مراحل العملية، بما في ذلك مراحل الإنشاء والتصميم والتنفيذ والتقييم وصنع القرار".
موقف النظام السوري
في أول ردّ من قبل النظام السوري، هاجم مندوبه لدى الأمم المتحدة بسام صباغ قرار إنشاء المؤسسة ووصفه بأنه "مُسيّس"، وأنه "يستهدف سوريا، ويعكس بوضوح تدخّلاً سافراً في شؤونها الداخلية، ويشكّل دليلاً إضافياً على استمرار النهج العدائي لبعض الدول الغربية ضد سوريا وفي مقدمتها الولايات المتحدة".
وبيّن في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن آلية عمل المؤسسة "غريبة وغامضة المعالم"، واتّهمها بأنها "لا تورد أي تعريف محدد لمصطلح المفقودين"، وأنها "مجهولة الأطر الزمنية والحدود الجغرافية، معدومة الشروط المرجعية".
كما اعتبر الصباغ أن المؤسسة "سيتم استخدامها كغطاء للتدخل في شؤون سوريا الداخلية، وأداة لممارسة المزيد من الضغوط على سوريا وشعبها"، بحسب ما نشرت وكالة "سانا" الناطقة الرسمية باسم النظام.
وأعرب عن "رفض سوريا القاطع لما ورد في مشروع القرار جملةً وتفصيلاً، وشجبها محاولات تضليل الرأي العام وتشويه موقفها"، على حد تعبيره.
