من مباراة آيرلندا وكندا في كأس العالم للسيدات المقام حاليا في أستراليا ونيوزلندا- ا ف ب
من مباراة آيرلندا وكندا في كأس العالم للسيدات المقام حاليا في أستراليا ونيوزلندا- ا ف ب

مع انطلاق كأس العالم للسيدات في أستراليا ونيوزيلندا، تجدد الحديث حول الفجوة الكبيرة في أجور الرجال والنساء في كرة القدم، وهي الآفة التي تعاني منها أغلب الرياضات.

وشهد كأس العالم الماضي أوضح الأمثلة على التفاوت في "التقدير النقدي" لرياضة النساء بعد تخصيص 30 مليون دولار كجوائر لبطولة كأس العالم للنساء مقارنةً بـ400 مليون دولار لمونديال الرجال.

وفي 2019 نال منتخب السيدات الأميركي 4 ملايين دولار مكافأة للاعباته على حصد اللقب، رغم أنه قبلها بعامٍ واحد أنفق على فريق الرجال 38 مليون دولار، رغم فشله في التأهل للمونديال، وهو ما رسّخ حقيقة الظلم المالي الذي عانته اللاعبات الأميركيات رغم فوزهن بأربعة ألقاب كأس عالم، بينما لم يحقق فريق الرجال أكثر من المركز الثالث عام 1930.

هذا الأمر دفع لاعبات الكرة الأميركيات لرفع دعوى قضائية ضد اتحاد الكرة، متهمات إياه بالتمييز بين الجنسين. وبعد ست سنوات من الجدال القضائي، انتهى الأمر بانتصار تاريخي للنساء وإجبار اتحاد الكرة على توقيع اتفاقات لدفع أجور مساوية للرجال والنساء في جميع المسابقات.

 

ليست كرة القدم فقط

في عام 2015 بلغ الاعتراض ذروته بلاعبة الإسكواش الهندية ديبيكا باليكال، حين أعلنت رفضها المشاركة في بطولة العالم بسبب رفض الاتحاد الدولي تقديم جوائز متساوية للجنسين في بطولاته. لتصبح واحدة من أكبر مظاهر "الاعتراض السلبي" على تلك الظاهرة المستشرية في أغلب الرياضات.

ورغم الاحتجاجات النسوية المتتالية عليها والوعود المتكررة من المسؤولين في الاتحادات الرياضية بالعمل على إصلاح الأمر، إلا أن "فجوة الأجور" حاضرة حتى اليوم.

أيضاً في التنس، ورغم أن البطولات الأربعة الكبرى تدفع جوائز متساوية القيمة في بطولات الرجال والنساء، لا تزال الفجوة في إجمالي الأجور بين لاعبي التنس كبيرة. ففي 2020 احتل لاعب التنس السويسري روجيه فيدرر قائمة اللاعبين الأعلى أجراً في العالم بعدما حقق 106.3 مليون دولار، وفي نفس العام نالت لاعبة التنس اليابانية نعومي أوساما صدارة الرياضات الأعلى أجراً رغم أنها لم تحقق إلا 37.4 مليون دولار.

والتمييز المالي لا يزال موجوداً في بطولات التنس الأخرى، وهو ما دفع اللاعب الكندي دينيس شابوفالوف للإدلاء بتصريحات تنتقد هذه الظاهرة قائلاً: "لا أفهم كيف يفوز الرجل بمباراة ويحصل على 25 ألف دولار، وحينما تفوز امرأة بنفس المباراة على ذات الملعب تحصل على ألف دولار فقط؟!".

مثل هذه الحقائق أكدتها قائمة"فوربس" لأعلى الرياضيين أجراً عام 2021، التي لم خلت من أي اسم لامرأة.

 

 

بريطانيا مثالاً

بحسب دراسة نُشرت عام 2023، فإن أغلب الرياضات الشعبية في المملكة المتحدة تعاني من تفاوت مزمن في الأجور. بينما يُمكن للاعب رياضة الرجبي أن يكسب 800 ألف جنيه إسترليني سنوياً فإن الحد الأقصى لميزانية إجمالي فريق النساء لا يتجاوز 190 ألف جنيه إسترليني توزّع على 50 لاعبة.

وبينما يُمكن أن يصل راتب لاعب كرة القدم في دوري الدرجة الأولى 2.8 مليون جنيه إسترليني، فإن اللاعبات في الدوري الممتاز (Women's Super League) لا يزيد متوسط رواتبهن عن 30 ألف جنيه إسترليني، رغم تحقيق منتخب إنجلترا للسيدات نتائج لافتة، أهمها فوزه ببطولة اليورو عام 2022، وهي البطولة التي لم يتجاوز فيها منتخب الرجال نصف النهائي منذ عام 1996.

بحسب الدراسة، فإن اللاعبات الإنجليزيات تلقين 1.3 مليون جنيه إسترليني مكافأة فيما كان سيحصل منتخب الرجال على 9.5 مليون جنيه إسترليني لو فاز بنفس البطولة.

من الأمثلة الأخرى، حصول نجمة منتخب كرة القدم، ليا ويليامسون، على راتب سنوي قدره 200 ألف جنيه إسترليني في موسم 2021\2022، وفي الوقت نفسه كان هاري كين، مهاجم توتنهام يكسب نفس المبلغ في أسبوع.

أميركا: خطوة "تاريخية"

رغم نجاح لاعبات الكرة في عقد اتفاقية لردم "فجوة الأجور"، فإن باقي الرياضات لا تزال تعاني من نفس المشكلة، فمتوسط الراتب الذي تحصّله لاعبات الدوري الأميريكي لكرة السلة (WNBA)، يبلغ 75 ألف دولار، بينما بلغ أجر اللاعبين الرجال  8 أضعاف أجر النساء، إذ بلغ متوسط أجورهم 7.7 مليون دولار تقريباً. 

وفي ديسمبر 2022 أقرَّ مجلس النواب الأميركي قانوناً يضمن المساواة التامة في أجور جميع الرياضيين الذين يمثّلون أميركا في المحافل العالمية، خطوة اعتُبرت تاريخية لتحقيق المساواة بين الجنسين في الرياضة الأميركية فور تطبيقه على أكثر من 50 اتحاد وهيئة رياضية، مثل اتحاد كرة القدم والكرة الطائرة واللجنة الأولمبية.

نحو رياضة أكثر عدالة

الحجة الأساسية التي يعتمد عليها المدافعون عن فجوة الأجور، أن رياضات الرجال تجلب رعاة أكثر، بالتالي فإنهم يجنون أموالاً أكثر من النساء، لذلك يكون من حقهم نصيب أكبر من الثروة.

وبينما بلغ متوسط حضور مباريات كرة القدم في الدوري الإنجليزي للرجال 40 ألف متفرج، لم يزد متوسط حاضري مباريات النساء عن 6 آلاف مشهد، وفي حين لا تقل تذكرة مباراة واحدة في دوري الرجال عن 65 جنيه إسترليني، يُمكن تدبير تذكرة في مباراة نسائية بـ9 جنيهات إسترليني فقط.

أيضاً يبلغ متوسط حضور مباريات الدوري الأميركي للنساء قرابة 5 آلاف فرد، بينما لا تقل مباريات الذكور عن 21.5 ألف مشجع في المتوسط.

كما أن الدوري الممتاز أمّن عقود رعاية بقرابة 10 مليارات جنيه إسترليني في بريطانيا، لكن بث مباريات النساء قاربت 8 ملايين جنيه إسترليني فقط.

وبحسب أنيا ألفارز، لاعبة الجولف الأميركية والكاتبة الرياضية في صحيفة "الغارديان" البريطانية، فإن الرياضات النسائية "تحقق عوائد أقل لأن الاتحادات تنفق مبالغ أقل على خطط تسويقها مقارنةً بالرجال".

ورغم الضعف التسويقي فإن الرياضات النسائية شهدت لحظات كثيرة حظيت فيها بنسب مشاهدات وإقبال عالية بعدما ناصَر 77 ألف متفرج منتخب سيدات إنجلترا خلال انتصارهن على ألمانيا في ويمبلي، وحظي نهائي بطولة الولايات المتحدة في 2021 بين اللاعبيتن إيما راداكانو وليلي آني فرنانديز بنسبة مشاهدة ضخمة تجاوزت 7 ملايين فرد.

وفي عام 2015 شاهد 25 مليون شخص في أميركا منتخب بلادهم للسيدات وهو يتغلب على نظيره الياباني في نهائي كأس العالم.

وقد يكون السبب الرئيسي لتفضيل الرجال على النساء هو هيمنتهم على أغلب المراكز القيادية بالاتحادات الدولية، ففي عام 2020 اقتصرت نسبة النساء العضوات في اللجنة الأولمبية الدولية على 38%.

ورغم كثرة تكرار هذه الحجج فإنها لن تكون قادرة على الصمود طويلاً، خاصةً مع لجوء السيدات إلى ساحات القضاء للظفر بحقوقهن أو تهديدهن بعدم لعب البطولات الدولية إذا استمرت حالة "عدم المساواة المالية".

لذلك، تتزايد الدعوات مؤخراً لتحقيق المزيد من التكافؤ المالي، حيث بدأت من رياضة التنس التي تمنح بطولاته الأربع الكبرى جوائز مالية متساوية للفائزين بها.

وفي بداية العام الحالي، أعلن اتحاد الكرة في ويلز، التوصل إلى اتفاق يتضمن دفع أجور متساوية للاعبين واللاعبات، ومن أجل ضمان نجاح هذه الاتفاقية وافق الرجال على التخلي عن 25% من أجورهم.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية
الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية

مع بدء السنة الدراسية الجديدة في معظم أنحاء الشرق الأوسط، يجد تلاميذ قطاع غزة أنفسهم للعام الثاني على التوالي دون مدارس ينهلون منها العلم والمعرفة، مما حدا برهط من المسؤولين والأهالي إلى إيجاد بعض الحلول الفردية، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وكان من المفترض أن يبدأ العام الدراسي الجديد رسميا هذا الأسبوع، في القطاع الذي يشهد حربا شرسة منذ أكثر من أحد 11 شهرا بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس، المصنفة "منظمة إرهابية" في الولايات المتحدة ودول أخرى.

وأدى القصف إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية الحيوية في القطاع الفلسطيني، بما في ذلك المراكز التعليمية، التي كانت تستوعب نحو مليون تلميذ تحت سن 18 عاماً، وفقاً للأمم المتحدة.

وفي ظل صعوبة تأمين مساحة آمنة لتدريس الأطفال، قررت وفاء علي، التي كانت تدير مدرسة بمدينة غزة قبل الحرب، فتح فصلين دراسيين في منزلها شمالي القطاع، حيث يتجمع العشرات من الأطفال لتعلم العربية والإنكليزية بالإضافة إلى مادة الرياضيات.

وقالت علي: "أرادت الأسر أن يتعلم أطفالها القراءة والكتابة بدلاً من إضاعة الوقت في المنزل، خاصة أن الحرب لن تنتهي قريبا".

ولا يستطيع المعلمون الوصول إلا إلى نسبة صغيرة من الأطفال الذين حرموا من التعليم بسبب الحرب، التي بدأت بعد أن هاجمت حركة حماس إسرائيل في 7 أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، وبينهم نساء وأطفال، حسب بيانات رسمية.

وردًا على ذلك، شنت إسرائيل عملية عسكري أدت إلى مقتل أكثر من 41 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع.

"نبذل قصارى جهدنا"

من جانبها، أوضحت آلاء جنينة، التي تعيش حاليا في خيمة بوسط قطاع غزة، أن طفلها البالغ من العمر 4 سنوات وابنتها ذات السبع سنوات، يتلقيان دروسًا في خيمة قريبة.

وقالت المراة البالغة من العمر 33 عاما، إنها زارت مؤخرا "مدرسة الخيام"، مضيفة: "لقد أحزنني ذلك. ليس لديهم ملابس أو حقائب أو أحذية. لكننا نبذل قصارى جهدنا".

وتقول وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي تدير عشرات المدارس بالقطاع، إن أكثر من ثلثي مدارسها دُمرت أو تضررت منذ بدء الحرب.

ووفقا للوكالة، فقد قُتل "مئات" الفلسطينيين الذين نزحوا إلى مرافق الأونروا، ومعظمها مدارس، بينما تؤكد إسرائيل
أن ضرباتها على المدارس وملاجئ الأونروا "تستهدف المسلحين الذين يستخدمون تلك المرافق"، وهو أمر تنفيه حركة حماس.

ورفضت هيئة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن التنسيق مع جماعات الإغاثة، التعليق، كما لم يستجب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لطلب التعليق من الصحيفة الأميركية.

"بقع لليأس والجوع"

وقالت "الأونروا" إنها أطلقت برنامج العودة إلى التعلم، الذي سيجلب حوالي 28 ألف طفل إلى عشرات المدارس، لافتة إلى أن ذلك البرنامج سيركز على "الدعم النفسي والفنون والرياضة ومخاطر الذخائر المتفجرة، ثم سيتعمق أكثر في مواد القراءة والكتابة والرياضيات".

وفي هذا الصدد، قال المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، الأربعاء، على وسائل التواصل الاجتماعي: "الكثير من المدارس لم تعد مكانًا للتعلم. لقد أصبحت بقعا لليأس والجوع والمرض والموت".

وتابع: "كلما طالت فترة بقاء الأطفال خارج المدرسة.. كلما زاد خطر تحولهم إلى جيل ضائع. وهذه وصفة للاستياء والتطرف في المستقبل".

من جانبه، أوضح الباحث في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بقطر، معين رباني، أن قطاع غزة "كان لديه معدلات تعليم عالية نسبيًا، على الرغم من نسب الفقر الكبيرة التي تسوده".

وأضاف رباني أن الفلسطينيين "سعوا منذ فترة طويلة إلى التعليم للتقدم وسط ظروف اقتصادية صعبة، حيث وقد وفرت لهم الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية مختلفة فرصًا تعليمية جيدة".

ولفت في حديثه للصحيفة الأميركية، إلى أن العديد من الفلسطينيين في غزة "اعتادوا على فقدان أراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم، وبالتالي اهتموا بالتعليم، لأنه أمر يمكنك أن تأخذه معك أينما ذهبت".

وهناك ثمن نفسي للابتعاد عن المدرسة على الأطفال أيضًا، إذ قالت ليزلي أركامبولت، المديرة الإدارية للسياسة الإنسانية في منظمة إنقاذ الطفولة الأميركية، إن قضاء عام بعيدًا عن المدرسة والأصدقاء والملاعب والمنازل خلال صراع مسلح عنيف، "يمثل إزالة للركائز الأساسية للاستقرار والسلامة للأطفال".

وشددت على أن "عدم اليقين والتوتر وفقدان المجتمع، يمكن أن يؤدي إلى تحفيز أنظمة الاستجابة الطبيعية للتوتر في الجسم، والتي يمكن أن تكون ضارة بمرور الوقت".

واستطردت حديثها بالتأكيد على أن "تكرار هذه الأعراض أو استمرارها لفترات طويلة، قد يؤدي إلى مجموعة من النتائج السلبية على الصحة العقلية، التي لا يتعافى منها الأطفال بسهولة".

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، قد كشفت في وقت سابق هذا الشهر، أن الأطفال في قطاع غزة "هم الفئة الأكثر تضررًا" مما يحدث هناك، وهم بحاجة ماسة لدعم نفسي وتعليمي بشكل عاجل.

وقال الناطق باسم المنظمة، كاظم أبو خلف، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، إن الوضع الحالي في غزة "يتطلب استجابة عاجلة لمساعدة الأطفال الذين يعانون من فقدان التعليم والأضرار النفسية الجسيمة التي يتعرضون لها".

وشدد على أن "جميع الأطفال في القطاع يحتاجون إلى دعم نفسي، حيث فقد ما لا يقل عن 625 ألف طفل عامًا دراسيًا منذ بدء الحرب.. وبعض الأطفال تعرضوا لبتر أطرافهم وهم بحاجة إلى الخروج من القطاع لتلقي العلاج، فيما يعاني العديد من الأطفال من الخوف والقلق بسبب الحرب".