مع انطلاق كأس العالم للسيدات في أستراليا ونيوزيلندا، تجدد الحديث حول الفجوة الكبيرة في أجور الرجال والنساء في كرة القدم، وهي الآفة التي تعاني منها أغلب الرياضات.
وشهد كأس العالم الماضي أوضح الأمثلة على التفاوت في "التقدير النقدي" لرياضة النساء بعد تخصيص 30 مليون دولار كجوائر لبطولة كأس العالم للنساء مقارنةً بـ400 مليون دولار لمونديال الرجال.
وفي 2019 نال منتخب السيدات الأميركي 4 ملايين دولار مكافأة للاعباته على حصد اللقب، رغم أنه قبلها بعامٍ واحد أنفق على فريق الرجال 38 مليون دولار، رغم فشله في التأهل للمونديال، وهو ما رسّخ حقيقة الظلم المالي الذي عانته اللاعبات الأميركيات رغم فوزهن بأربعة ألقاب كأس عالم، بينما لم يحقق فريق الرجال أكثر من المركز الثالث عام 1930.
هذا الأمر دفع لاعبات الكرة الأميركيات لرفع دعوى قضائية ضد اتحاد الكرة، متهمات إياه بالتمييز بين الجنسين. وبعد ست سنوات من الجدال القضائي، انتهى الأمر بانتصار تاريخي للنساء وإجبار اتحاد الكرة على توقيع اتفاقات لدفع أجور مساوية للرجال والنساء في جميع المسابقات.
In a historic accomplishment, U.S. Soccer, @USMNT and @USWNT have come together to agree to new collective bargaining agreements that will run through 2028 and achieve true equal pay – including equalization of World Cup prize money.
— U.S. Soccer (@ussoccer) May 18, 2022
ليست كرة القدم فقط
في عام 2015 بلغ الاعتراض ذروته بلاعبة الإسكواش الهندية ديبيكا باليكال، حين أعلنت رفضها المشاركة في بطولة العالم بسبب رفض الاتحاد الدولي تقديم جوائز متساوية للجنسين في بطولاته. لتصبح واحدة من أكبر مظاهر "الاعتراض السلبي" على تلك الظاهرة المستشرية في أغلب الرياضات.
ورغم الاحتجاجات النسوية المتتالية عليها والوعود المتكررة من المسؤولين في الاتحادات الرياضية بالعمل على إصلاح الأمر، إلا أن "فجوة الأجور" حاضرة حتى اليوم.
أيضاً في التنس، ورغم أن البطولات الأربعة الكبرى تدفع جوائز متساوية القيمة في بطولات الرجال والنساء، لا تزال الفجوة في إجمالي الأجور بين لاعبي التنس كبيرة. ففي 2020 احتل لاعب التنس السويسري روجيه فيدرر قائمة اللاعبين الأعلى أجراً في العالم بعدما حقق 106.3 مليون دولار، وفي نفس العام نالت لاعبة التنس اليابانية نعومي أوساما صدارة الرياضات الأعلى أجراً رغم أنها لم تحقق إلا 37.4 مليون دولار.
والتمييز المالي لا يزال موجوداً في بطولات التنس الأخرى، وهو ما دفع اللاعب الكندي دينيس شابوفالوف للإدلاء بتصريحات تنتقد هذه الظاهرة قائلاً: "لا أفهم كيف يفوز الرجل بمباراة ويحصل على 25 ألف دولار، وحينما تفوز امرأة بنفس المباراة على ذات الملعب تحصل على ألف دولار فقط؟!".
مثل هذه الحقائق أكدتها قائمة"فوربس" لأعلى الرياضيين أجراً عام 2021، التي لم خلت من أي اسم لامرأة.
بريطانيا مثالاً
بحسب دراسة نُشرت عام 2023، فإن أغلب الرياضات الشعبية في المملكة المتحدة تعاني من تفاوت مزمن في الأجور. بينما يُمكن للاعب رياضة الرجبي أن يكسب 800 ألف جنيه إسترليني سنوياً فإن الحد الأقصى لميزانية إجمالي فريق النساء لا يتجاوز 190 ألف جنيه إسترليني توزّع على 50 لاعبة.
وبينما يُمكن أن يصل راتب لاعب كرة القدم في دوري الدرجة الأولى 2.8 مليون جنيه إسترليني، فإن اللاعبات في الدوري الممتاز (Women's Super League) لا يزيد متوسط رواتبهن عن 30 ألف جنيه إسترليني، رغم تحقيق منتخب إنجلترا للسيدات نتائج لافتة، أهمها فوزه ببطولة اليورو عام 2022، وهي البطولة التي لم يتجاوز فيها منتخب الرجال نصف النهائي منذ عام 1996.
بحسب الدراسة، فإن اللاعبات الإنجليزيات تلقين 1.3 مليون جنيه إسترليني مكافأة فيما كان سيحصل منتخب الرجال على 9.5 مليون جنيه إسترليني لو فاز بنفس البطولة.
من الأمثلة الأخرى، حصول نجمة منتخب كرة القدم، ليا ويليامسون، على راتب سنوي قدره 200 ألف جنيه إسترليني في موسم 2021\2022، وفي الوقت نفسه كان هاري كين، مهاجم توتنهام يكسب نفس المبلغ في أسبوع.
أميركا: خطوة "تاريخية"
رغم نجاح لاعبات الكرة في عقد اتفاقية لردم "فجوة الأجور"، فإن باقي الرياضات لا تزال تعاني من نفس المشكلة، فمتوسط الراتب الذي تحصّله لاعبات الدوري الأميريكي لكرة السلة (WNBA)، يبلغ 75 ألف دولار، بينما بلغ أجر اللاعبين الرجال 8 أضعاف أجر النساء، إذ بلغ متوسط أجورهم 7.7 مليون دولار تقريباً.
وفي ديسمبر 2022 أقرَّ مجلس النواب الأميركي قانوناً يضمن المساواة التامة في أجور جميع الرياضيين الذين يمثّلون أميركا في المحافل العالمية، خطوة اعتُبرت تاريخية لتحقيق المساواة بين الجنسين في الرياضة الأميركية فور تطبيقه على أكثر من 50 اتحاد وهيئة رياضية، مثل اتحاد كرة القدم والكرة الطائرة واللجنة الأولمبية.
نحو رياضة أكثر عدالة
الحجة الأساسية التي يعتمد عليها المدافعون عن فجوة الأجور، أن رياضات الرجال تجلب رعاة أكثر، بالتالي فإنهم يجنون أموالاً أكثر من النساء، لذلك يكون من حقهم نصيب أكبر من الثروة.
وبينما بلغ متوسط حضور مباريات كرة القدم في الدوري الإنجليزي للرجال 40 ألف متفرج، لم يزد متوسط حاضري مباريات النساء عن 6 آلاف مشهد، وفي حين لا تقل تذكرة مباراة واحدة في دوري الرجال عن 65 جنيه إسترليني، يُمكن تدبير تذكرة في مباراة نسائية بـ9 جنيهات إسترليني فقط.
أيضاً يبلغ متوسط حضور مباريات الدوري الأميركي للنساء قرابة 5 آلاف فرد، بينما لا تقل مباريات الذكور عن 21.5 ألف مشجع في المتوسط.
كما أن الدوري الممتاز أمّن عقود رعاية بقرابة 10 مليارات جنيه إسترليني في بريطانيا، لكن بث مباريات النساء قاربت 8 ملايين جنيه إسترليني فقط.
وبحسب أنيا ألفارز، لاعبة الجولف الأميركية والكاتبة الرياضية في صحيفة "الغارديان" البريطانية، فإن الرياضات النسائية "تحقق عوائد أقل لأن الاتحادات تنفق مبالغ أقل على خطط تسويقها مقارنةً بالرجال".
ورغم الضعف التسويقي فإن الرياضات النسائية شهدت لحظات كثيرة حظيت فيها بنسب مشاهدات وإقبال عالية بعدما ناصَر 77 ألف متفرج منتخب سيدات إنجلترا خلال انتصارهن على ألمانيا في ويمبلي، وحظي نهائي بطولة الولايات المتحدة في 2021 بين اللاعبيتن إيما راداكانو وليلي آني فرنانديز بنسبة مشاهدة ضخمة تجاوزت 7 ملايين فرد.
وفي عام 2015 شاهد 25 مليون شخص في أميركا منتخب بلادهم للسيدات وهو يتغلب على نظيره الياباني في نهائي كأس العالم.
وقد يكون السبب الرئيسي لتفضيل الرجال على النساء هو هيمنتهم على أغلب المراكز القيادية بالاتحادات الدولية، ففي عام 2020 اقتصرت نسبة النساء العضوات في اللجنة الأولمبية الدولية على 38%.
ورغم كثرة تكرار هذه الحجج فإنها لن تكون قادرة على الصمود طويلاً، خاصةً مع لجوء السيدات إلى ساحات القضاء للظفر بحقوقهن أو تهديدهن بعدم لعب البطولات الدولية إذا استمرت حالة "عدم المساواة المالية".
لذلك، تتزايد الدعوات مؤخراً لتحقيق المزيد من التكافؤ المالي، حيث بدأت من رياضة التنس التي تمنح بطولاته الأربع الكبرى جوائز مالية متساوية للفائزين بها.
وفي بداية العام الحالي، أعلن اتحاد الكرة في ويلز، التوصل إلى اتفاق يتضمن دفع أجور متساوية للاعبين واللاعبات، ومن أجل ضمان نجاح هذه الاتفاقية وافق الرجال على التخلي عن 25% من أجورهم.
