صورة أرشيفية لعناصر من "قسد" المتهمة إلى جانب النظام و"هيئة تحرير الشام" و"الجيش الزطني" بالتعذيب- تعبيرية
صورة أرشيفية لعناصر من "قسد" المتهمة إلى جانب النظام و"هيئة تحرير الشام" و"الجيش الوطني" بالتعذيب- تعبيرية

قالت لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، إن التعذيب بشكل "منهجي وواسع النطاق" لا يزال مستمراً في سوريا بحقّ المقيمين فيها والعائدين إليها، في ظل الضغوط المتزايدة على اللاجئين السوريين للعودة إلى بلادهم.

جاء ذلك في تقرير أصدرته لجنة التحقيق الدولية المستقلة المعنية بسوريا، حمل عنوان "لا نهاية في الأفق"، ونشرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

تناول التقرير قضية التعذيب وسوء المعاملة في سوريا، مسلّطاً الضوء على "استمرار أنماط التعذيب والمعاملة القاسية وغير الإنسانية أو المُذلّة بشكل منهجي وواسع النطاق"، ويشمل ذلك ممارسات الإخفاء القسري في مرافق الاحتجاز بسوريا. 

التقرير الذي يغطّي المدة (1 يناير - 30 أبريل) من عام 2020، أكد أن الاعتقال التعسفي وسوء المعاملة "لا يزالان مشكلة رئيسة تهدد حياة الأشخاص الذين يعيشون في المناطق التي تخضع لسيطرة النظام السوري، بما في ذلك المناطق التي استعاد السيطرة عليها في السنوات الأخيرة".

ويشمل هذا التهديد المواطنين السوريين المقيمين في الخارج الذين يعودون إلى البلاد، بحسب التقرير، لافتاً إلى "خطورة هذه الممارسات في ظل الضغوط التي تُمارسها الدول المضيفة للاجئين السوريين، بغية دفعهم للعودة إلى بلادهم".

وركز التقرير على مراكز الاحتجاز التابعة للنظام السوري، إضافةً إلى ثلاث جهات أخرى، هي "هيئة تحرير الشام، والجيش الوطني السوري، وقوات سوريا الديمقراطية"، ومستنداً إلى 254 مقابلة أجرتها اللجنة في المدة التي يغطيها التقرير، وشملت المقابلات 107 أشخاص تعرّضوا للتعذيب أو كانوا شهوداً على ذلك في مراكز احتجاز تابعة للنظام السوري، فيما كانت 105 منها لحالات تتعلق بالاحتجاز عند الجهات الثلاثة الأخرى. 

كما سلّط الضوء على أربعة أجهزة مخابرات رئيسة تتبع للنظام السوري، وهي: المخابرات العسكرية والمخابرات الجوية، وجهاز الأمن السياسي، وجهاز المخابرات العامة، وإدارة الأمن الجنائي للشرطة والسجون العسكرية.

وبين التقرير، أن "لكل واحدة من هذه الأجهزة الاستخباراتية الأربعة مقراتٍ في دمشق، تتألف من عدة فروع مركزية وتُدير فروعاً في جميع أنحاء البلاد، وتحتجز آلاف المعتقلين". 

وفي 12 يونيو الماضي، تقدّمت كندا وهولندا بشكوى أمام "محكمة العدل الدولية" في لاهاي ضد النظام السوري على خلفية اتهامات بالتعذيب، في أول قضية أمام أعلى محكمة للأمم المتحدة مرتبطة بالحرب في سوريا.

وقالت محكمة العدل الدولية في بيان، إن الدولتين قالتا في طلبهما "سوريا ارتكبت انتهاكات لا حصر لها للقانون الدولي بدءاً من 2011 على أقلّ تقدير"، وطلبتا اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المعرّضين لخطر التعذيب.

وتسعى كندا وهولندا إلى تحميل نظام الأسد المسؤولية عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وعمليات تعذيب بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب التي صدّقت عليها دمشق عام 2004.

بدوره، يوضح مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، لـ"ارفع صوتك"، إن التقرير "يستند إلى أدلة كثيرة جداً، كما يدعم الشكوى التي تقدمت بها كندا وهولندا ضد النظام السوري لدى محكمة العدل الدولية".

وهو يثبت برأيه "انتهاك النظام لاتفاقية مناهضة التعذيب، واتباع أساليب ممنهجة في تعذيب المعتقلين".

"كما يعطي تأكيداً جديداً على عدم قانونية إعادة اللاجئين من قبل الدول التي تهدد بذلك أو تطبّقه فعلاً. لا شكّ أن اللاجئ المُعاد قسراً إلى مناطق النظام السوري يواجه تهديداً حقيقياً بالتعرّض للتعذيب أو الموت بسب التعذيب، وهذا يُحمّل الدول المُضيفة للاجئين مسؤولية سلامتهم وحمايتهم"، يشرح عبد الغني. 

وفي 26 يونيو الماضي، وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 15281 شخصاً تحت التعذيب على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا، في الفترة الواقعة بين "مارس 2011، وحزيران 2023". 

وشدّد التقرير على أن جميع المعتقلين في سوريا "يتعرضون لشكل أو أشكال عدة من أساليب التعذيب على مدى سنوات عديدة وأن الاحتجاز يتمّ بعيداً عن أي محددات قانونية حقيقية ويستمر بشكل مفتوح بمختلف أنماط التعذيب".

ووثّق أيضاً مقتل ما لا يقل عن 48 شخصاً، بسبب التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام السوري الأسد، منذ صدور "قانون تجريم التعذيب رقم 16" في 30 مارس 2022 حتى يونيو 2023.

وبحسب التقرير، استهدفت الأجهزة الأمنية للنظام ذوي ضحايا التعذيب، وحقّقت معهم وحذّرتهم من الإعلان عن الوفاة، تحت التهديد باعتقالهم في حال قاموا بذلك.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص
المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق قدر أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص

يسابق الفريق الأممي المسؤول عن توثيق عمليات الإبادة الجماعية التي طالت الإيزيديين في العراق، الزمن من أجل استخراج رفات الضحايا من المقابر الجماعية التي لم تخضع للفحص حتى الآن، بعد قرار الحكومة العراقية القاضي بضرورة مغادرة الفريق منتصف الشهر الجاري.

منحت الحكومة العراقية فريق بعثة التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش في العراق "يونيتاد" حتى الـ17 من سبتمبر لإنهاء التحقيق، وفقا لصحيفة "نيويورك تايمز".

وتضيف الصحيفة أن هذه القرار سيحد من تنظيم قضايا جنائية ضد عناصر داعش، على اعتبار أن هناك عشرات المقابر الجماعية التي لم يتم الانتهاء من فحصها وتحتوي على أدلة حاسمة ضد عناصر التنظيم المتورطين.

ويسعى العراق جاهدا لطي صفحة الفترة المروعة التي سيطر فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من أراضيه، حيث يتجه بسرعة نحو إغلاق المخيمات التي تأوي الإيزيديين النازحين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم داعش وإنهاء مهمة "يونيتاد".

لكن بالنسبة لعائلات ما يقرب من 2700 إيزيدي مفقود، فإن هذا القرار مفجع، لإن أي عظم يكتشف يمكن أن يساعد في حل لغز مصير أحبائهم الذين اختفوا خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء واسعة من العراق في عام 2014.

تقول شيرين خُديدة، وهي امرأة إيزيدية أُسرت هي وعائلتها على يد داعش في عام 2014: "أنتظر بقايا عائلتي، وأعتقد أنهم هناك".

كشف تحرير المناطق التي كانت تحت سيطرة داعش في عام 2017 عن فظائع لم تكن معروفة من قبل.

وبعد فترة وجيزة، وبطلب من الحكومة العراقية، انشأت الأمم المتحدة فريقا من المحققين لتوثيق وجمع الأدلة المتعلقة بتلك الجرائم حتى تتمكن المحاكم حول العالم من محاكمة المتورطين.

لكن، في سبتمبر 2023، أبلغت السلطات العراقية محققي الأمم المتحدة أن أمامهم عاما واحدا فقط لإنهاء المهمة.

وتعد حفرة "علو عنتر" قرب تلعفر شمالي العراق، حيث ألقى داعش مئات الجثث، واحدة من 68 مقبرة جماعية ساعد فريق "يونيتاد" في التنقيب عنها، وربما يكون الأخير،، بحسب الصحيفة.

اعتبارا من يوليو، حددت السلطات العراقية 93 مقبرة جماعية يعتقد أنها تحتوي على رفات ضحايا إيزيديين، لا تزال 32 منها لم تفتح بعد في منطقتي سنجار والبعاج.

ومن بين آلاف الإيزيديين الذين لم يتم العثور عليهم، تم استخراج رفات أقل من 700 شخص، ولكن تم تحديد هوية 243 جثة فقط وإعادتها إلى عائلاتهم.

يقول رئيس وحدة العلوم الجنائية في يونيتاد آلان روبنسون إن "العمل في علو عنتر صعبا ومعقدا، لكن النتائج التي توصلنا إليها كانت مهمة".

ويضيف روبنسون أن بعض الرفات تم دفنها في أكياس للجثث، وكانت الجثث داخلها مرتدية بدلات برتقالية شوهدت في مقاطع فيديو دعائية لداعش".

كذلك وجدت رفات أخرى وبجانبها فرش الأسنان وأدوية لعلاج ضغط الدم يعتقد أن الضحايا أخذوها معهم أثناء هروبهم.

وتشير الصحيفة إلى أن العديد من الضحايا كانت أيديهم مقيدة خلف ظهورهم، والبعض الآخر كان معصوب العينين، فيما أظهرت النتائج الأولية أن البعض تعرض لإطلاق نار، بينما يبدو أن آخرين ماتوا بعد دفعهم في الحفرة.

ويلفت روبنسون إلى أن الظروف البيئية المعقدة في العراق جعلت بعض الجثث تكون أشبه بالمحنطة بدلا من أن تتحلل مما تسبب بانبعاث روائح كريهة للغاية منها.

ويتابع روبنسون: "بعد مرور ما بين سبع وعشر سنوات على وفاتهم، الرائحة لا تزال قوية، لذا يمكنك أن تتخيل كيف كانت الرائحة بعد وقت قريب من حصول الوفاة".

وفقا للصحيفة فإن قرار الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونيتاد" يعد جزءا مساعيها لتأكيد سيادتها الوطنية في وقت لا تزال فيه القوات الأميركية متمركزة في البلاد والعديد من السياسيين العراقيين متحالفين بشكل وثيق مع إيران، وهي خصم للولايات المتحدة.

وتنقل الصحيفة عن الباحثة العراقية في منظمة هيومن رايتس ووتش سارة صنبر القول إن إنهاء اعتماد العراق على مؤسسات الأمم المتحدة قد يكون جزءا من محاولات البلاد لتغيير صورتها.

في مايو، دعت بغداد إلى إنهاء بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، التي أُنشئت بعد الغزو الأميركي في عام 2003 للمساعدة في تطوير مؤسسات الحكومة وإجراء الانتخابات وحماية حقوق الإنسان. ومن المقرر أن تنتهي هذه المهمة بحلول ديسمبر 2025.

وتضيف صنبر أن "العراق يريد أن يصور نفسه كدولة ذات سيادة ما بعد الصراع"، وبعض الفصائل الداخلية ترى في وجود الأمم المتحدة "تدخلا دوليا غير مبرر في الشؤون العراقية."

وتشير صنبر إلى أن تحفظات الحكومة العراقية على عمل يونيتاد يتعلق بالأساس في أن المؤسسة الأممية رفضت تسليم الأدلة التي جمعتها إلى السلطات العراقية، رغم أنها كانت تشاركها مع دول أخرى تحاكم مقاتلي داعش.

وتفضل الأمم المتحدة، التي تعارض عقوبة الإعدام، أن يجري محاكمة عناصر داعش المتورطين دون احتمال فرض عقوبة الإعدام، لكن العراق قد حكم بالإعدام بالفعل على أعضاء داعش المدانين.

وفي رد على سؤال بشأن الخلاف المتعلق بمشاركة الأدلة وعقوبة الإعدام، قال مسؤولو يونيتاد في بيان أرسل للصحيفة إن المنظمة شاركت بعض الأدلة مع السلطات العراقية.

وأضاف مسؤولو يونيتاد أن السلطات العراقية أعربت عن استعدادها لمواصلة التنقيب عن المقابر الجماعية بعد مغادرة الفريق، رغم أنه لم يكن واضحا على الفور ما إذا كانت ستتمكن من توفير الموارد اللازمة للقيام بذلك.

وعزا محما خليل، وهو إيزيدي وعضو في البرلمان العراقي، قرار الحكومة بإنهاء تفويض يونيتاد إلى "التوتر في العلاقة بين العراق والأمم المتحدة وأيضا إلى وجود ضغوط خارجية" من دول أخرى على رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني.

رفض خليل الإفصاح عن الدول التي يعتقد أنها تمارس تلك الضغوط، لكن الحكومة العراقية لها علاقات سياسية وعسكرية مع إيران، وفقا للصحيفة.

وتعتبر قضية المقابر الجماعية في العراق من أبرز الملفات الشائكة التي عملت الحكومات العراقية على معالجتها بالتعاون مع الأمم المتحدة.

وقدر "المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق" أن المقابر الجماعية في البلاد تضم رفات 400 ألف شخص. ووفق منظمة هيومن رايتس ووتش، فإن لدى العراق واحدا من أكبر أعداد المفقودين في العالم، ويقدر عددهم بين 250 ألف ومليون شخص، يُعتقد أن الكثير منهم دُفن في مقابر جماعية.