لفيروس نقص المناعة (الإيدز) سُمعة سيئة في العالم العربي، على الرغم من أن إحصائيات منظمة الصحة العالمية أكدت أن الشرق الأوسط هو أقل المناطق التي شهدت انتشارًا له.
هذا الأمر أجبر بعض مرضى الإيدز على الانعزال والخوف من الاحتكاك بالمجتمع فيما حُرِم آخرون من تلقّي العناية الطبية بسبب خوف الأطباء من التعامل معهم. فما حقيقة انتشار المرض، ومدى خطورته في الدول العربية؟
العراق: أرض التوطن المنخفض
العام الماضي سقط الطفل العراقي زكريا شامل من نافذة منزله، فأخذه أهله فورًا إلى مستشفى "ابن سينا" في مدينة الموصل (شمالاً)، حيث عُولج ونُقل له بعض الدم.
بعد شهور على خروجه، ظهرت على الطفل أعراض الإيدز، إصابة أكّدتها الفحوصات التي أُجريت له، ليتبيّن أن الدم الذي نُقل إلى الطفل كان ملوثاً بالفيروس.
حالة الجدل التي رافقت هذا الحادث أعادت تسليط الأضواء على حجم انتشار فيروس نقص المناعة داخل العراق.
خلال تعقيبها على الحادث، رفضت وزارة الصحة العراقية إعلان عدد مرضى الإيدز واكتفت بالتأكيد على أن العراق "من مناطق التوطن المنخفض للمرض".
وبحسب إحصائيات دولية صدرت عام 2022، فإن عدد المصابين بالمرض في عموم العراق بلغ أربعة آلاف.
في دراسة "حالة الإيدز في العراق ما بين عامي 2010 و2019"، انتقد القائمون عليها غياب الدراسات والإحصائيات حول حقيقة المرض في بلاد الرافدين بسبب القيود الحكومية. وقدرت أن الزيادة السنوية في عدد الحالات بلغ 40% في بغداد، أكثرها بين الذكور.
وعدّدت الدراسات ممارسات تجري في العراق قد تقود صاحبها للإصابة بالإيدز بخلاف ممارسة الجنس دون اتخاذ احتياطات طبية كافية، مثل نقل الدم الملوث واستعمال إبرة واحدة لتعاطي المخدرات.
مصر: أجراس الخطر تدق
في بداية العام الماضي، تعاطف المصريون مع الفتاة "لقاء" التي عُرفت إعلاميا بلقب "فتاة فيصل"، حين جرى تصويرها وهي تفترش الشوارع بعد أن طلّقها زوجها وتخلّى عنها والداها، وتبينت لاحقا إصابتها بالإيدز.
أُلحقت "لقاء" في إحدى دور الرعاية التي وفّرت لها عناية متخصصة لمرضها لم تكن كافية لإنقاذ حياتها، فأعلن وفاتها منذ شهرين متأثرة بمرض الإيدز.
بحسب إحصائية رسمية فإن عدد مصابي الإيدز في مصر بلغ 30 ألف حالة تقريبا.
رقم لا يزال منخفضا إذا ما قُورن بإجمالي عدد السكان لكن إحصائيات دولية دقّت ناقوس الخطر حينما كشفت أن مصر امتلكت أعلى معدل انتشار للوباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما أطلق دعوات لبذل المزيد من الجهود للسيطرة على المرض والمصابين به.
ووفقًأ لمنظمة "اليونسيف"، فإن الفئات الأكثر عرضة للمرض هي عناصر مهمشة مثل السجناء والمهاجرين وأطفال الشوارع، وأكثر ما أعاق تقديم خدمات طبية كافية لهم "النظرة الدونية التي يُنظر بها لهؤلاء الأفراد باعتبار أنهم مجرد مجرمين".
من جهة أخرى، اعتبرت بعض الصحف المحلية المصرية أن "الإيدز عقاب من الله للشخص الملوث بالخطايا" مؤكدة أن مجرد إصابة الإنسان بهذا المرض "دليل قاطع على عدم اتباعه تعليمات الإسلام".
وخلال إطلالات إعلامية نادرة اشتكى عددٌ من مرضى الإيدز من صعوبة حصولهم على خدمات طبية بسيطة مثل العلاج بالأسنان بسبب تخوّف الأطباء من علاجهم فور معرفة مرضهم". وجسّد المخرج المصري عمرو سلامة أحد أشكال هذه المعاناة في فيلمه "أسماء"، الذي تعرّض لقصة حقيقية لسيدة مصرية مصابة بالإيدز تعاني من التهاب المرارة، رفض جميع الأطباء علاجها حتى ماتت متأثرة بها.
في الوقت ذاته، تصاعدت جهود الدولة لتوفير العلاج لمرضى الإيدز في مصر. وبحسب دراسة "اتجاهات مؤشرات فيروس الإيدز في مصر" لرامي محمد، فإن علاج الإيدز متوفر منذ عام 2008 بدعمٍ من "الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل"، ومنذ عام 2014 تحمّلت الحكومة المصرية تكلفة علاج مرضى الإيدز، ثم رعت القاهرة عملية تصنيع محلية لأدوية الإيدز لتوفير قرابة 97% من احتياجات المرض داخل مصر.
وفي عام 2020 أنشئ 14 مركزا مخصصا لفحص مرضى الإيدز وعلاجهم بسرية داخل مصر.
السعودية: بلاد الإيدز الخفي
بحسب دراسة"فيروس الإيدز في السعودية: التحديات الحالية والمستقبلية"، التي أجراها عددٌ من الباحثين هذا العام، فإن الإبلاغ عن أول حالة إيدز في السعودية جرى عام 1984.
وبعد سنوات طويلة من رفض الإفصاح عن تقارير تتعلّق بحجم انتشار مرض الإيدز بين مواطنيها، بدأت السعودية منذ 2011 في إصدار تقارير دورية عنهم.
كشفت الدراسات المسحية تصاعدا مطردا في عدد المصابين بالمرض في السعودية، فمن 1285 مريضًا عام 2004 إلى 7800 مريض في العام التالي، أغلبيتهم من الوافدين الأجانب لكنهم تضمنوا 1743 سعوديا.
ووفقًا لإحصائية نشرتها منظمة الصحة العالمية 2020 فإن عدد مرضى الإيدز بالسعودية بلغ 12 ألفا.
ومن أشهر الوجوه السعودية في مجال مكافحة الإيدز هو الناشط رامي الحارثي، الذي أُصيب بالمرض إثر عملية نقل دم ملوث له، ومن وقتها كرّس نفسه لمكافحة هذا المرض وتحسين صورة المصابين به على شاشات التلفاز السعودية، وأيضا الحديث عن آخر تطورات التعايش معه وتقليل أضراره.
حاليًا تخلّت السعودية عن بعض تحفظها القديم تجاه الإيدز، فأصدرت تشريعًا يحمي خصوصية مرضاه ويكفل لهم الحق في العمل والعلاج المجاني، كما أجرت المدارس محاضرات توعوية بحقه وأقامت وزارة الصحة عدة حملات مسحية للكشف والعلاج انتهاءً بإقامة مراكز متخصصة للعلاج.
وفي مايو الفائت، تعهّدالصندوق السعودي للتنمية بتقديم 39 مليون دولار لصالح الصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والملاريا.
