قرر النائب الإداري في محافظة البصرة، بحسب وثيقة منشورة تأكد "ارفع صوتك" من صحّتها، "حظر إقامة الدورات والندوات والفعاليات التي تروّج أو تستعمل تنمية (النوع الاجتماعي) داخل الحدود الإدارية لمحافظة البصرة".
وعزت الوثيقة السبب إلى محاولة "بعض الجهات الخارجية نشر الشذوذ الجنسي والانحراف وتفكيك الأسرة كمقدمة لتدمير المجتمعات واستعبادها".
وأوردت أن هذه الجهات "تحاول تحقيق ذلك بشكل خفي من خلال نشر الشذوذ تحت غطاء عناوين برّاقة مثل استعمال مصطلح (النوع الاجتماعي) الذي يلغي تسمية رجل وامرأة وذكر وأنثى ويستعيض عنها بعدة أنواع من الشذوذ"، كما جاء حرفياً في الوثيقة.
الوثيقة تعود إلى نهايات شهر يونيو الماضي، والمفارقة أنها انتشرت بعد أيام من اضطرار رئيس تيار "الحكمة" عمّار الحكيم، إلى إصدار بيان لتبرير فيديو قديم انتشر له يذكر فيه مفردة "جندر"، وشرح ما قصده من استخدام المصطلح و"هو الفهم الصحيح لمفهوم الجندر (ويقصد به هنا الدور الاجتماعي للذكر والأنثى معاً، في المسؤولية وبناء المجتمع) من دون استبعاد طرف منهما وبما لا يتجاوز الطبيعة التي خصّ الله تعالى بها كل طرف".
كما جاء في بيان الحكيم، أنه لم يستخدم المصطلح في الفيديو الذي يعود تاريخه إلى قبل أكثر من سنتين، ضمن "التأويلات والتفسيرات التي صرنا نسمعها اليوم"، أي ربط "النوع الاجتماعي بالشذوذ والانحراف".
والنوع الاجتماعي، مصطلح علمي ظهر في العلوم الاجتماعية في سبعينيات القرن الماضي، وهو الترجمة العربية لمصطلح "Gender" الإنجليزي، ويستخدم أيضاً بتعريبه "جندر" من قبل الكثير من المؤسسات الدولية ووسائل الإعلام.
المصطلح بحسب أستاذة علم النفس الاجتماعي عزة شرارة بيضون، أطلق في علم النفس وتمدد إلى الميادين الأخرى، كما تقول في كتابها "الجندر... ماذا تقولين؟ - الشائع والواقع في أحوال النساء".
وتضيف الباحثة النسوية اللبنانية، أنه "يفصّل جوهر الجندر، أي المحددات الثقافية- الاجتماعية للانتماء الجنسي البيولوجي، وذلك عبر إبراز التضمينات الاقتصادية والسياسية والقانونية الخ...".
وتفضل بيضون استخدام مصطلح "جندر" المعرّب بدلاً من "النوع الاجتماعي"، لأن ترجمتها إلى اللغة العربية "لا تؤدي معناها".
لكن مصطلح "النوع الاجتماعي" الذي حظرته محافظة البصرة، معتمد بشكل رسمي من قبل الأمم المتحدة وبعثتها في العراق ومن قبل منظمة الصحة العالمية، وهو مصطلح علمي تعرّفه منظمة "الإسكوا" التابعة للأمم المتحدة بأنه "الأدوار المحددة اجتماعياً بين النساء والرجال وهذه الأدوار التي تُكتسب بالتعليم، تتغير بمرور الزمن و تتباين تبايناً شاسعاً داخل الثقافة الواحدة وتختلف من ثقافة إلى أخرى".
وتشير "الإسكوا" إلى أن مصطلح "النوع الاجتماعي" لا يعد بديلا لمصطلح "الجنس" الذي يشير بدوره إلى الاختلافات البيولوجية بين النساء والرجال، وهذا يعني أننا إزاء مصطلحين مختلفين.
بالنسبة إلى منظمة الصحة العالمية فإن "النوع الاجتماعي يختلف من مجتمع إلى آخر ويمكن أن يتغير بمرور الوقت".
وترى أن "المعايير الصارمة"، المعتمدة في بعض المجتمعات، والخاصة بالنوع الاجتماعي، "تؤثّر سلباً على الأشخاص الذين لديهم هويات جنسانية متنوعة، وغالباً ما يواجهون العنف والوصم والتمييز نتيجة ذلك، بما في ذلك في أماكن الرعاية الصحية".
في كتابها أيضاً، تشير بيضون إلى الخلافات في فهم "الجندر" والهوية الجنسية المتشكّلة منه، فـ"هذه الهوية تتشكل، برأي البعض، بالاختلاف عن الآخر. كأن يحدد الصبي نفسه بأنه عكس الأنثى (لا تبك، البكاء للبنات) والأنثى تقوم كذلك بتحديد نفسها بأنها عكس الصبي (ألصقي فخذيك، لا تفرشخي كالصبيان)".
لذلك فإن "التقاطع بين السمات والأدوار وغيرها من المحددات الاجتماعية والثقافية للجنسين الذي نشهد حالياً هو أسرع من الوتيرة الممكنة لاستيعابها العاطفي لدى الشخص، كما هي صعبة القبول لدى الجماعة"، بحسب بيضون.
وتتابع أن هناك "من يرفض الاعتراف بأن سمة شخصية ما ليست لصيقة بجنس النساء أو الرجال بل جرى تعيينها على أنها كذلك في سياق ثقافي واجتماعي محدد، وهذا برغم تعدد القرائن على ذلك"، وهو على ما يبدو، حال نص الوثيقة الصادرة عن محافظة البصرة.
