أقدم الشرطي العراقي جعفر موسى الجبوري على محاولة الانتحار بسبب مشاكل نفسية نتيجة ضغوط العمل.
أقدم الشرطي العراقي جعفر موسى الجبوري على محاولة الانتحار بسبب مشاكل نفسية نتيجة ضغوط العمل.

في حادثة هزّت الشارع العراقي، أقدم جعفر موسى الجبّوري وهو أحد منتسبي الشرطة العراقية في محافظة بابل على الإنتحار في بث مباشر على فايسبوك، عبر تناول جرعة من مادة "الزرنيخ" السّامة. والسبب "اضطهاده من قبل قيادته وعدم الاستماع لشكواه بشأن معاناته من حالة الاضطراب الاكتئابي"، كاشفاً في الفيديو وهو على وشك شرب "الزرنيخ" عن وجود تقرير طبي يشير إلى ضرورة تخفيف أعباء عمله، لكن أحداً لم يستجب لحاجاته، وجرى طرده مراراً من مكاتب مسؤوليه في محاولات منه لتقديم شكاوى، ما دفعه إلى اتخاذ قرار الإنتحار.

الحادثة الصادمة تفتح باب الأسئلة عن أهمية الصحة النفسية للموظفين في مجالات العمل المختلفة، وما تسببه ضغوط العمل من نتائج قاسية على بعض الموظفين ما يدفع بهم، نتيجة اليأس، إلى محاولات الانتحار.

لا ينفرد العراق بمثل هذه الحوادث المأسوية، التي سبق وأن تكررت في عددٍ كبير من الدول. في العام 2021 ضجّت مواقع التواصل في مصر بخبر انتحار موظف ضاق ذرعاً ببيئة العمل في شركته التي عاملته معاملة "العبيد" على حد وصف زميلته، وفي 2018 كشفت دراسة بريطانية شملت أكثر من 4600 شخصاً أن 32% منهم فكروا في الانتحار هرباً من ضغوط العمل.

في العام 2022 انتحر موظف ياباني يعمل لدى شركة "تويوتا" لصناعة السيارات بسبب الضغوط التي تعرّض لها خلال عمله في الشركة، الأمر الذي دفع الشركة لتقديم الاعتذار وتعويض أسرة الضحية والتعهد بالعمل على عدم تكرار مثل هذه الحوادث.

بحسب إبراهيم عيد السناني في بحثه "دراسة عن الصحة النفسية بشركات المقاولات"، فإن الصحة النفسية للإنسان لا تكون بغياب الاضطرابات النفسية فحسب، بل هي تفترض تمتّع الإنسان بـ"حالة من العافية" تمكّنه من العمل بشكلٍ مُنتِج ومفيد في ظل غياب المرض أو العجز.

 

العواقب النفسية لبيئة العمل السيئة

 

عربياً لم تلتفت غالبية المؤسسات والشركات إلى خطورة تأثير الصحة النفسية للعاملين معها على مستوى إنتاجهم، ولم تبذل ما يكفي من جهود لتحسينها، مكتفية بتقارير متابعة دورية عن حجم الإنتاج والالتزام بمواعيد العمل.

في الأردن تعامل بعض العاملين مع الضغط النفسي باعتباره مرضاً يجب عليهم إخفاؤه، لأنه يهدّد وظائفهم، لذلك فإنهم لا يعترفون بمشاكلهم ولا يطلبون أي مساعدة طبية.

في الإمارات العربية المتحدة عاش عمّال بناء آسيويون أوضاعاً صعبة جعلتهم أكثر المقيمين في الإمارات رغبة في الانتحار، بحسب بيان نشرته شرطة دبي. البيان أكد أن تعرّض العمال للإهانة وأن عملهم في ظروفٍ قاسية دفع عشرات منهم للانتحار. المشكلة نفسها عاشها العمّال داخل قطر خاصةً خلال استعداداتها المستمرة لاستضافة مونديال 2022.

يعتبر السناني أن بيئة العمل تعدُّ مصدراً أساسياً لحالة الموظفين النفسية فقد تكون مصدر شقاءٍ أو سعادة لهم من خلال ما تولّده الأعمال داخل نفوس أصحابها من مشاعر متضاربة، تارة تعبّر عن الرضا أو السعادة بتحقيق الذات، وطوراً قد تولّد مشاعر ضغط واكتئاب وحُزن وأسى.

وبحسب الدراسة فإن الإدارة عادة ما تهتمُّ بالأداء المهني والإنتاجية لكنها لا تلتفت إلى "الرضا المهني" وهو عامل عادةً ما يكون له أولوية عند كثيرٍ من الموظفين.

آثار العمل في بيئة غير سليمة يؤثّر في نفسية الإنسان فيجعله أكثر عدوانية وقلقاً وإحباطاً ويزيد من شعوره بعدم الرضا، وفي بعض الأحيان يمتدُّ ليؤثر في السمات الشخصية للفرد فيجعله أقل قُدرة على التركيز وعلى اتخاذ القرارات، وأيضاً قد تؤدي بعض هذه الأعراض إلى الإصابة بمشاكل صحية مثل الإفراط في الأكل والشرب أو فقدان الشهية، أو تناول المسكرات والمخدرات بكثرة، كما قد يشعر الفرد بآلامٍ في الظهر والصدر والقلب.

ووفقاً لما ذكره أحمد الشخانبة في دراسته "أساليب التكيف لضغوط العمل وعلاقتها بالصحة النفسية لدى العاملين"، فإن الضغوط النفسية في العمل تؤثر بشكلٍ مباشر على إجمالي الدخل القومي للدولة، فبحسب تقديرات فإن ما يزيد عن نصف الأمراض والحوادث التي تُصيب العمّال ترجع لزيادة الضغوط النفسية في بيئة العمل.
 

حسب إحصائيات وزارة التخطيط بالعراق، عام 2018، فإن عدد النساء اللائي شغلن مناصب في مؤسسات الدولة العراقية ناهز الـ53 ألفاً  فقط، من إجمالي قرابة مليوني فرد.
المرأة العربية في سوق العمل.. ظلم في الأجور وإقصاء من المناصب
احتلّت الدول العربية مراكز متأخرة في تقرير "الفجوة الجندرية" في سوق العمل. وبحسب التقرير الصادر عام 2022، حلّت مصر في المركز الـ129، والمغرب في المركز الـ136، والجزائر في المركز الـ140، في حين اكتفت السعودية بالمركز الـ127. أما دول مثل العراق وسوريا، فلم يغطها التقرير أصلا.
 

نزيف اقتصادي مستمر

 

بحسب الشخانبة فإن الاقتصاد العالمي يخسر مليارات الدورلات سنوياً بسبب تأثّر العاملين سلباً بالبيئة السيئة التي يعملون فيها والتي قد تدفعهم إلى التقاعس عن مهامهم أو الغياب المستمر، مؤكداً أن الضغوط النفسية في العمل قد تخفّض 80% من إنتاجية العمال.

ووفقاً لدراسة بعنوان "العمل الاضطراري عن بُعد وأثره في الصحة النفسية للعاملين"، فإن إحصاءً هولندياً أُجري عام 2014 خلص إلى أن البلاد تخسر سنوياً 3 مليارات يورو بسبب اعتلال الصحة النفسية للعاملين، وفي اليابان كشفت دراسة أن حالات الانتحار بسبب المشاكل النفسية في العمل زادت من 9% في 2016 حتى بلغت 9.7% في 2018.

وبحسب المعهد الأمريكي لأبحاث الضغط النفسي فإن بيئة العمل غير السليمة تكلّف الاقتصاد الأمريكي 300 مليار دولار سنوياً.

وفي 2015 خلُصت دراسة إلى أن الممارسات الضارة في بيئة العمل لا تقل خطورة على صحة الإنسان عن التدخين السلبي، الأمر الذي دفع إحدى الدراسات إلى اعتبار تردّي الصحة النفسية للعمّال أحد أكثر أسباب الوفاة في الفترة التي أجريت فيها الدراسة.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية فإن انخفاض الإنتاجية نتيجة تردّي الحالة النفسية للعمّال يكلّف الاقتصاد العالمي تيريليون دولار سنوياً.

نتيجة لذلك فإن عدداً من المؤسسات حول العالم باتت تستهدف تحسين منظومة الصحة النفسية لديها باعتبار أن تماسك الفرد ينعكس على الموظفين بشكل جماعي، وهو ما يُساعد المؤسسة على تحقيق أهدافها في نهاية المطاف، عبر الحرص على تزويدهم بمزايا مثل الاشتراكات المجانية في صالات الرياضة ووجبات غداء جاهزة وورش حياتية حول كيفية العناية بالنفس والجسد وتحسين أساليب النوم.

 

كيفية تحسين "نفسية العاملين"

 

وفقاً لدراسة تناولت "مقياس الصحة النفسية والعمل" لبحري صابر فإن تقليص ساعات العمل والتخلُّص من ساعات العمل الإضافي لا يؤدي إلى خفض الإنتاجية كما قد يعتقد البعض، لذا فإن لجوء الشركات إلى أساليب عمل مرنة مثل التناوب الوظيفي وتوسيع قاعدة المهام وتخفيف الضغط على الموظفين يزيد من حماسهم وإقبالهم على العمل، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين كفاءة الشركة على المدى الطويل.

أيضاً يقترح صابر تبنّي برامج مباشرة تعمل على تحسين الصحة النفسية للعمّال عبر خطط شاملة تنهض بنظامهم الغذائي وأنشطتهم البدنية وتحسّن عاداتهم الاجتماعية وتحلُّ مشاكلهم الأسرية، جميعها امور سيكون لها بالغ الأثر على تحسين أداء جميع الموظفين في نهاية المطاف.

كذلك يتطرّق صابر إلى بيئة العمل التي يقضي فيها الموظفون ساعات طويلة مشدداً على ضرورة تجهيزها بشكلٍ مثالي؛ فالإضاءة السيئة تثير شعوراً بالانقباض في نفوس الناس وقد تؤدي إلى زيادة التعب والأخطاء، وأيضاً سوء التهوئة قد يُصيب الموظفين بالنعاس والخمول والضيق.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية
الحرب أدت إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية في قطاع غزة بما في ذلك المراكز التعليمية

مع بدء السنة الدراسية الجديدة في معظم أنحاء الشرق الأوسط، يجد تلاميذ قطاع غزة أنفسهم للعام الثاني على التوالي دون مدارس ينهلون منها العلم والمعرفة، مما حدا برهط من المسؤولين والأهالي إلى إيجاد بعض الحلول الفردية، وفقا لتقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

وكان من المفترض أن يبدأ العام الدراسي الجديد رسميا هذا الأسبوع، في القطاع الذي يشهد حربا شرسة منذ أكثر من أحد 11 شهرا بين الجيش الإسرائيلي وحركة حماس، المصنفة "منظمة إرهابية" في الولايات المتحدة ودول أخرى.

وأدى القصف إلى تدمير جزء كبير من البنية الأساسية الحيوية في القطاع الفلسطيني، بما في ذلك المراكز التعليمية، التي كانت تستوعب نحو مليون تلميذ تحت سن 18 عاماً، وفقاً للأمم المتحدة.

وفي ظل صعوبة تأمين مساحة آمنة لتدريس الأطفال، قررت وفاء علي، التي كانت تدير مدرسة بمدينة غزة قبل الحرب، فتح فصلين دراسيين في منزلها شمالي القطاع، حيث يتجمع العشرات من الأطفال لتعلم العربية والإنكليزية بالإضافة إلى مادة الرياضيات.

وقالت علي: "أرادت الأسر أن يتعلم أطفالها القراءة والكتابة بدلاً من إضاعة الوقت في المنزل، خاصة أن الحرب لن تنتهي قريبا".

ولا يستطيع المعلمون الوصول إلا إلى نسبة صغيرة من الأطفال الذين حرموا من التعليم بسبب الحرب، التي بدأت بعد أن هاجمت حركة حماس إسرائيل في 7 أكتوبر، مما أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم من المدنيين، وبينهم نساء وأطفال، حسب بيانات رسمية.

وردًا على ذلك، شنت إسرائيل عملية عسكري أدت إلى مقتل أكثر من 41 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، وفقًا لوزارة الصحة في القطاع.

"نبذل قصارى جهدنا"

من جانبها، أوضحت آلاء جنينة، التي تعيش حاليا في خيمة بوسط قطاع غزة، أن طفلها البالغ من العمر 4 سنوات وابنتها ذات السبع سنوات، يتلقيان دروسًا في خيمة قريبة.

وقالت المراة البالغة من العمر 33 عاما، إنها زارت مؤخرا "مدرسة الخيام"، مضيفة: "لقد أحزنني ذلك. ليس لديهم ملابس أو حقائب أو أحذية. لكننا نبذل قصارى جهدنا".

وتقول وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي تدير عشرات المدارس بالقطاع، إن أكثر من ثلثي مدارسها دُمرت أو تضررت منذ بدء الحرب.

ووفقا للوكالة، فقد قُتل "مئات" الفلسطينيين الذين نزحوا إلى مرافق الأونروا، ومعظمها مدارس، بينما تؤكد إسرائيل
أن ضرباتها على المدارس وملاجئ الأونروا "تستهدف المسلحين الذين يستخدمون تلك المرافق"، وهو أمر تنفيه حركة حماس.

ورفضت هيئة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن التنسيق مع جماعات الإغاثة، التعليق، كما لم يستجب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي لطلب التعليق من الصحيفة الأميركية.

"بقع لليأس والجوع"

وقالت "الأونروا" إنها أطلقت برنامج العودة إلى التعلم، الذي سيجلب حوالي 28 ألف طفل إلى عشرات المدارس، لافتة إلى أن ذلك البرنامج سيركز على "الدعم النفسي والفنون والرياضة ومخاطر الذخائر المتفجرة، ثم سيتعمق أكثر في مواد القراءة والكتابة والرياضيات".

وفي هذا الصدد، قال المفوض العام للأونروا، فيليب لازاريني، الأربعاء، على وسائل التواصل الاجتماعي: "الكثير من المدارس لم تعد مكانًا للتعلم. لقد أصبحت بقعا لليأس والجوع والمرض والموت".

وتابع: "كلما طالت فترة بقاء الأطفال خارج المدرسة.. كلما زاد خطر تحولهم إلى جيل ضائع. وهذه وصفة للاستياء والتطرف في المستقبل".

من جانبه، أوضح الباحث في مركز دراسات النزاع والعمل الإنساني بقطر، معين رباني، أن قطاع غزة "كان لديه معدلات تعليم عالية نسبيًا، على الرغم من نسب الفقر الكبيرة التي تسوده".

وأضاف رباني أن الفلسطينيين "سعوا منذ فترة طويلة إلى التعليم للتقدم وسط ظروف اقتصادية صعبة، حيث وقد وفرت لهم الأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية مختلفة فرصًا تعليمية جيدة".

ولفت في حديثه للصحيفة الأميركية، إلى أن العديد من الفلسطينيين في غزة "اعتادوا على فقدان أراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم، وبالتالي اهتموا بالتعليم، لأنه أمر يمكنك أن تأخذه معك أينما ذهبت".

وهناك ثمن نفسي للابتعاد عن المدرسة على الأطفال أيضًا، إذ قالت ليزلي أركامبولت، المديرة الإدارية للسياسة الإنسانية في منظمة إنقاذ الطفولة الأميركية، إن قضاء عام بعيدًا عن المدرسة والأصدقاء والملاعب والمنازل خلال صراع مسلح عنيف، "يمثل إزالة للركائز الأساسية للاستقرار والسلامة للأطفال".

وشددت على أن "عدم اليقين والتوتر وفقدان المجتمع، يمكن أن يؤدي إلى تحفيز أنظمة الاستجابة الطبيعية للتوتر في الجسم، والتي يمكن أن تكون ضارة بمرور الوقت".

واستطردت حديثها بالتأكيد على أن "تكرار هذه الأعراض أو استمرارها لفترات طويلة، قد يؤدي إلى مجموعة من النتائج السلبية على الصحة العقلية، التي لا يتعافى منها الأطفال بسهولة".

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، قد كشفت في وقت سابق هذا الشهر، أن الأطفال في قطاع غزة "هم الفئة الأكثر تضررًا" مما يحدث هناك، وهم بحاجة ماسة لدعم نفسي وتعليمي بشكل عاجل.

وقال الناطق باسم المنظمة، كاظم أبو خلف، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، إن الوضع الحالي في غزة "يتطلب استجابة عاجلة لمساعدة الأطفال الذين يعانون من فقدان التعليم والأضرار النفسية الجسيمة التي يتعرضون لها".

وشدد على أن "جميع الأطفال في القطاع يحتاجون إلى دعم نفسي، حيث فقد ما لا يقل عن 625 ألف طفل عامًا دراسيًا منذ بدء الحرب.. وبعض الأطفال تعرضوا لبتر أطرافهم وهم بحاجة إلى الخروج من القطاع لتلقي العلاج، فيما يعاني العديد من الأطفال من الخوف والقلق بسبب الحرب".