يعود ظهور قوس قزح كشعار لمجتمع الميم (LGBTIQA+) إلى عام 1978 ، حيث صمم الفنان الأميركي غيلبرت بيكر، وهو ناشط في الحقوق المدنية للمثليين أول علم يضم ألوان قوس قزح.
وربط هذا الاختيار، وفق ما قاله في مقابلة تلفزيونية، بثمانية ألوان استوحاها من قوس الألوان الطبيعي الذي يظهر تلقائيا في السماء، وكانت الألوان: الوردي والأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والفيروزي والنيلي والبنفسجي.
وكان بيكر يصنع الأعلام مع متطوعين بشكل يدوي، ولكن مع تنامي الرغبة في زيادة الإنتاج، لم يسهل توفير الألوان كلها، فظهر العلم المكون من ستة خطوط (الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والبنفسجي).
ولكن هذه الألوان، تمثل للملايين حول العالم "مشكلة"، حتى أنها أصبحت جزءاً من المحرمات في بعض المجتمعات. وتظهر بين الحين والآخر، حملات أمنية رسمية أو غير رسمية، تتلف أو تصادر منتجات عليها رسومات قوس قزح، بغض النظر إن كان مرتبطا بمجتمع الميم أم أنه فقط قوس قزح.
وفي لبنان، الذي شهد مؤخرا جدلا قانونيا وحقوقيا، بعد تسريب مشروع قانون "مناهضة الشذوذ الجنسي في لبنان"، أعده مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير وأصدره في 31 يوليو.
ومن تجريم المثلية الجنسية ذاتها، تتواجد أيضا جهود نحو حصر العقوبة على الترويج لها، في مشروع قانون يعده فريق قانوني بتكليف من النائب اللواء، أشرف ريفي، الذي أوضح لموقع قناة "الحرة"، أن خلفية هذا المشروع "تعود إلى رفض المجتمع اللبناني بمسلميه ومسيحييه المثلية الجنسية واعتبارها ضربا لنواته".
وقال ريفي: "لا يمكننا إنكار تواجد المثليين، لكن في نفس الوقت، لا يمكن اعتبار المثلية ظاهرة طبيعية يجب مساعدتها ومساندتها والوقوف إلى جانبها".
وفي صفحات لبنانية على مواقع التواصل، تم في أكثر من مناسبة تداول صور ومقاطع فيديو، يقوم أشخاص فيها بتمزيق علم قوس قزح أو حرقه، بالإضافة إلى منع الأفلام أو التحذير من المواد التربوية التي قد تتضمن شكل قوس قزح وألوانه أو تروج للمثلية، كما قال وزير الثقافة اللبناني محمد المرتضى عن فيلم "باربي" الذي منعه من العرض.
وحديثا، حصلت بلبلة تلو انتشار صورة لقطعة حلوى ملونة، ربطها البعض بترويج متجر مخبوزات لبناني للمثلية الجنسية، مع دعوات لمقاطعته. في الوقت نفسه، رأى عديد المتابعين للمسألة بأنه نوع من المبالغة، ورد المتجر نفسه ببيان يستهجن التحريض ضده.
#Lebanon : This is a call for boycott of a patisserie because it is selling rainbow cakes and is therefore obviously, one hundred per cent, indubitably trying to promote #LGBT cause - 🙄 https://t.co/glDdcPWOSs
— sebastian usher (@sebusher) July 29, 2023
بعد هكذا بيان مشبع بالرجعية والسخافة، أنا شخصيًا سأقوم بمقاطعة هذه المؤسسة.
— ضوميط القزي دريبي | Doumit Azzi Draiby (@Doumit_Azzi) July 30, 2023
كان يمكنهم بكل سهولة نشر بيان محايد. pic.twitter.com/gZB1veqqWV
ووصل الجدل لدرجة أن نائبا في البرلمان اللبناني نشر تعليقا عبر منصة "إكس" (تويتر)، قال فيه: "قوس قزح حالة تظهر في الطبيعة، إذا هي طبيعية! إنكار الطبيعة وتجريمها هو يلي مش طبيعي".
قوس القزح حالة تظهر في الطبيعة، اذا هي طبيعية!
— Mark B. Daou 🅱️➕ (@DaouMark) July 29, 2023
انكار الطبيعة وتجريمها هو يلي مش طبيعي
قوس قزح ورهاب المثلية
ترى الأخصائية النفسية لانا قصقص، أن في بعض الردود "ترجمة لنوع من رهاب المثلية حيث يعتقد أن قوس القزح يخفي ضمنا دعاية وتسويقا. وكلما زاد هذا الرهاب زادت حدة ردة الفعل".
"ولكن بغض النظر عن الموقف من مجتمع الميم، سواء مع أو ضد، هذه الفوبيا لا يمكن أن تثمر عن أي شيء إذا ذهبنا إلى أقصى حد. الأفضل يكون بالعودة إلى المنطق واحترام حرية كل شخص وتوجهاته الشخصية والحصول بالمقابل على الاحترام المتبادل والعمل على الاعتدال وليس التطرف. ومن هنا يبدأ الحل"، تبيّن قصقص لـ"ارفع صوتك".
وتتابع: "هذا لا ينفي طبعا أن هناك من يستغل الجدل حول الموضوع في إطار التسويق والترويج أو بهدف تحقيق أرباح مادية. بالتالي، من الضروري التأكد من مواضع الاعتدال وفهم السياقات".
تضيف قصقص: "كما لا بد من الإشارة إلى أن هذا الموضوع ليس بالجديد وهو معقد لأنه يرتبط بتشعبات اجتماعية وثقافية واعتبارات دينية عديدة. ولكن ما يمكن التركيز عليه فهو عدم إمكانية اختزال قوس قزح بشيء معين ولو اختارته فئة مصدر وحي لرمزها، تماما كما حصل في اللاوعي مثلا مع الممارسات الداعشية التي كانت تسبقها عبارة دينية".
وكل ذلك مرتبط بالتعميم أو التنميط، "كأن يتم ربط كل ما يحمل ألوان قوس قزح بالمثلية في كل جوانب الحياة" تقول قصقص، مردفةً أنه "أمر خاطئ ولا بد من الوعي والفصل بين الرموز وقيمتها حسب كل فرد وقناعاته".
وتؤكد على أهمية التواصل المفتوح بين الأهل وأبنائهم، بحسب أعمار الأبناء وقدرتهم على الاستيعاب، من أجل "توضيح المفاهيم والمساعدة على فهم ثقافة المجتمع وبلورة الخيارات والالتزام بالقيم والأخلاق التي تربينا عليها، مع السعي لعدم إطلاق أحكام مسبقة على الأمور، بالتالي تعليم الأبناء كيفية التعاطي ليس فقط مع التعليقات حول قوس قزح إنما مع كل ما يقع في خانة التنمر والعمل على تنمية شخصيتهم وتحضيرهم لمواجهة المجتمع بوعي، والقدرة على اتخاذ الخيارات الأمثل لهم وللتعاطي مع الآخرين ضمن حدود الاحترام".
في السياق، تقول الخبيرة التربوية رولا خالد: "لا بد من متابعة كل المواد التي تستخدم في العملية التعليمية والأهم من ذلك مراقبة عملية التدريس نفسها وأدواتها، فنحن محاطون بالرموز والرمز يكتسب أهمية بالقدر الذي يتم فيه التركيز عليه".
"هذا يعني أنه يجب أولا مراعاة المواد المستخدمة في التعليم بالشكل الذي يضمن إيصال القيم المجتمعية بالتوازي مع تنمية الحس النقدي لدى الطلاب. والأمر مهم تحديدا مع الصغار حيث أن الألوان تطغى على الدروس المعدة بهدف تحفيز عملية التعلم من خلال ربطها بالبهجة والتسلية، ولذلك ينبغي الحرص على وضعها في سياقها المعهود دون أي أبعاد أخرى"، تضيف خالد لـ"ارفع صوتك".
"خوف غير مبرر"
بالنسبة لألكسيس مخول، وهو أخصائي نفسي وناشط في مجتمع الميم في لبنان، فإن قوس قزح "يعكس ببساطة الفرح ويرمز إلى التنوع والجمال في الاختلاف. وإذا ما بحثنا، سنجد أن الرمز بألوانه الحديثة اليوم يمثل تنوعا كبيرا، فالوردي مثلا يربط بالعلاقة الجنسية والأحمر بالصحة والأصفر بالشمس والأخضر بالعلاقة مع الطبيعة والفيروزي بالفن والنيلي بالتناغم والبنفسجي بالروح".
ويوضح لـ"ارفع صوتك": "يمكننا أن نلاحظ من خلال تطوير هذا الشعار بشكل مستمر، الحرص على تمثيل الجميع من الأقليات وليس حصرا من مجتمع الميم، ولذلك أضيفت الألوان التي ترمز لأصحاب البشرة الملونة. ومن خلال العلم، يتم إيصال رسالة أن في الاتحاد قوة".
وحول عداء - إن جاز التعبير- قوس قزح، يقول مخول: "هناك الكثير من الشكوك والخرافات التي يؤمن بها الأشخاص دون التدقيق في الحقيقة. وهناك ميل للخوف من الرسائل المموهة والتأثيرات غير المباشرة، وهذا يشبه إلى حد ما نظرية المؤامرة بالنسبة للماسونيين والمتنورين".\
"لذلك عندما نتحدث عن قوس قزح، يعتقد أولئك الذين يعانون رهاب المثلية تلقائيا أنه شكل من أشكال غسيل الدماغ أو الدعاية"، يتابع مخول.
ويرى أن "المشكلة الحقيقية أن هؤلاء الناس لا يعرفون المثلية الجنسية على حق، فهي ليست اختيارا ولا لعنة ولا شيئا خارجيا يحدث للإنسان. ولا يمكن لقطعة حلوى ملونة أو لصورة أن تعني أن الشخص مثلي، ولا يمكن حتى لغسل الدماغ بالمعنى الحقيقي للكلمة أن يغير من ميول شخص ما".
